الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 131، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح قواعد ابن تيمية في التمييز بين البدعة والمصلحة المرسلة، حيث يبين أن البدعة تكون إذا كان المقتضى موجودا في عهد النبي ولم يفعله. يضرب الشيخ أمثلة على ذلك مثل جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان.
يتناول أهمية تمسك العلماء بكتاب الله وسنة رسوله في إقامة الشريعة وتحقيق العدل، ودور العباد في التمسك بالشرع والابتعاد عن البدع. كثرة أهل الصلاح تؤدي إلى قلة الشر، بينما كثرة أهل الشر تؤدي إلى هلاك الناس حتى الصالحين منهم.
يناقش تعليل الأحكام الشرعية وذم البدع، ويشرح آراء الفقهاء في التعليل بالشرع أو بالمناسبة. يبين أن البدع قد تؤدي إلى مفاسد في الدين وأن الأحكام الشرعية يجب أن تُبنى على النصوص الدالة عليها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في القاعدة التي يعرف بها البدعة من غيرها، أو من المصالح المرسلة، أو من المصلحة، أو أنها مما ليس ببدعة. فذكر رحمه الله أنه إذا كان المقتضى موجودا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وفعلت هذه العبادة، وحدثت، فهذا يعتبر بدعة؛ لأن مقتضاها موجود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر مثالا الشيخ في أذان العيد، أذان لصلاة العيد، هذا مقتضاه موجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يؤذن النبي عليه الصلاة والسلام للعيد، فدل على أن أذان العيد بدعة. وإن كان المقتضى ليس موجودا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فأيضا يستفصل في الأمر. فإن كان هذا الذي أحدث، سببه تفريط المسلمين، أنه سببه تفريط أهل الإسلام، فهذا يعتبر أحداثه بدعة. مثل ما مثل له الشيخ هنا، تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، هذا بعض الأمراء كانوا يقولون إن الناس لا يسمعون، فلهذا قدموا الخطبة. فقال الشيخ: فهذا أيضا بدعة؛ لأن هذا سبب تفريطه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبة يقصد بها نفعهم. وأما الأمراء فكانوا يتكلمون في السياسة، فكان الناس لا يحبون سماع كلامهم. وأيضا ذكر الشيخ بعد ذلك أنه إذا كان هذا الأمر ليس بتفريط من الناس، ليس بتفريط من الناس، لكن الواقع فرضه، مثل جمع الصديق القرآن، وكذلك عثمان وغيرها من هذه الأمور. هذه لم تكن مقتضاها موجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن ينزل بعد، وأيضا اقتضى أن أبا بكر يجمع القرآن؛ لأنه قد قتل كثير من القراء في غزوة اليمامة. جاء حذيفة إلى أبي بكر الصديق وقال: يا أبا بكر، أدرك الناس؛ إنه قد قتل كثير من القراء في اليمامة، لما قاتلوا كانت معركة اليمامة مع أصحاب مسيلمة الكذاب، وكانوا من أشجع العرب أهل نجد شجعان، فلهذا صارت الحرب قوية جدا بينهم وبين المسلمين في ذلك الوقت، لكن هزم مسيلمة وقتل وذهبت دعوته، لكن قد قتل كثير من القراء من حفاظ القرآن. فلهذا خاف أبو بكر الصديق أن يذهب القرآن، فجمعه في كتاب، أو جمع ما كان معهم من القرآن. ثم كانت هذه الصحف عند أبي بكر حتى مات، فأعطاها لعمر. ولما قبل أن يموت عمر أعطاها لحفصة بنته زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم أخذها عثمان منها لما أراد أن يجمع الناس على قارئ واحد؛ لأن الناس بعد ذلك اختلفوا في القراءات، وصاروا يتنازعون، فلهذا قام عثمان وجمع القراءة في مصحف واحد. قال رحمه الله: بل الطريق في ذلك أن هذان المعنيان من فهمهما، إن حل عنه كثير من شبه البدع الحادثة. أنه إذا فهم هذا الإنسان هذه القواعد التي ذكرها الشيخ أولا، أن يكون المقتضى غير موجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان المقتضى موجودا فهي بدعة. أيضا قد يكون أحيانا المقتضى موجود، لكن يحصل هذا لحاجة الناس إليه، ليس بتفريط من المسلمين، فهذا لا يعتبر بدعة، مثل جمع القراءة. أيضا كذلك إذا كان ليس موجودا المقتضى، وليس موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحدثه الناس لتفريط منهم، فهذا يعتبر بدعة. قالوا: هذان المعنيان من فهمهما حل عنه كثير من شبه البدع الحادثة؛ إنه قد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله منه من السنة مثلها». وهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء عن بعض السلف، جاء عن ابن عباس وغيره، قالوا: قد شرحت هذا المعنى فيما تقدم، وبينت أن الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن. فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث. وهذا واقع، الذي يتشبع بالبدع تجد أنه ما يقبل السنن، ما يقبل السنن، ولا يعمل بها. عنده البدعة أفضل، فتجده يجتهد في البدعة أكثر من اجتهاده في السنن. والآن مثلا أصحاب الموالد، أصحاب الحضرات، أصحاب هذه الخزعبلات، تجد أنهم يجتهدون فيها اجتهادا عظيما، ليس اجتهادهم هذا في سنن، وإنما في هذه البدعة. لو كانت سننا لم يجتهدوا، فلهذا كان السلف يقولون: اجتهاد في سنة، أو اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة. وجاء ذلك عن ابن مسعود: اجتهاد أو اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. لكن العكس عندهم، البدعة تجد أنهم يقتصدون في السنة، ويجتهدون في البدعة. قال: وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة، من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا مثل ما قال الله عز وجل في النصارى وغيرهم: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. فكل من ترك الشرع، استبدله بغيره. من فرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقع فيما يكون فيه خرابا له. وكما جاء في حديث السفينة: فإن تركوهم، فإن أخذوا على يديهم نجوا ونجوا جميعا، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعا. قال: وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقام الدين لله، لا رياسة، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله، لم يحتاجوا إلى المقوس الموضوعة. المقوس: هذه كلمة فارسية، والمراد بها الضرائب. المقوس هي الضرائب، وهو أيضا تسمى الجمارك، فهذه الجمارك من أخذ أموال الناس بالباطل. ولهذا جاء في الحديث في توبة تلك المرأة، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تابها صاحب المقوس لغفر له». يعني ذنبه عظيم، صاحب المقوس؛ لأنه يأخذ أموال الناس بالباطل. صحاب الضرائب فيها أخذ أموال الناس بالضرائب، وهذه الجمارك. لهذا كثير من الناس يسأل: إذا حاول أن يتخلص من هذه الضرائب، فهل هذا يجوز؟ نعم، يفتي العلماء بجوازه؛ لأن هذه الضرائب باطلة. قالوا: ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم. أي أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون العدل، فما احتاجوا إلى المقوس هذه، ولا احتاجوا إلى العقوبات الجائرة. بل أنهم أخذوا بالشرع، أخذوا بالشرع. وسبحان الله، من أخذ بشرع الله عز وجل، اطمأنت الناس لحكمه، وأيضا قل الشر في مجتمعه، قل الشر في المجتمع. هذا عمر بن عبد العزيز، أخذ الخلافة بعد الخلفاء بعشرة أو بأكثر، لكن كانت في خلافته سار بالناس مثل سيرة الخلفاء، مثل سيرة الخلفاء. بل إنه في وقته لم يستطع أن يقوم أهل البدع، للخوارج ولا غيرهم. حتى الخوارج الذين يشغبون على الناس، شغبوا على عثمان رضي الله عنه، شغبوا على علي، لكن في عهد عمر بن عبد العزيز اختفوا. كلما سمع طرفا منهم، أرسل إليهم من يقمعهم، فلهذا اختفوا، واختفى أثرهم. واختفى أثرهم مع أنهم هم يظهرون فيما يرضون بأحد، ولا يرضون عن أحد. لكن في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اختفوا تماما، وظهر العدل، واغتنى الناس، وصار الناس في أفضل حالة. وهذا بسبب العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشريعة. قامت الشريعة مع أنه كما قلنا في وقت قد كثر فيه الشر، ليس مثل زمن الصحابة، ليس مثل زمن الصحابة. ولهذا لما سئل بعض السلف: أيهما أحب إليك، زمن الحجاج أو زمن عمر بن عبد العزيز؟ فقال: زمن الحجاج. حتى كان ابن المبارك يقول: كان يقول الظاهر أن ليس زمن عبد العزيز شرا في زمن الحجاج. لماذا؟ لأن في زمن الحجاج الصحابة متوافرون، والتابعون متوافرون، والعلم أقوى. وكذلك أهل الصلاح أكثر. صحيح في عهد عمر بن عبد العزيز الناس على عدل وعلى كذا، لكن ليس مثل ذاك الزمان الذي فيه أهل الصلاح أكثر. ففيه أهل الشر أكثر. معنا كلما جاء عام إلا والذي بعده شر منه، أي بالنسبة لكثرة العلماء، كثرة الصالحين، وقلتهم. فالخير في وجود العلماء، في وجود الصالحين. كلما كثر أهل الصلاح، كلما قل الشر. ولهذا إذا كثر أهل الشر، لم يفد من أهل الصلاح. ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فتح اليوم من ردم يأجوج». أو لما قال عليه الصلاة والسلام: «ماذا أنزل من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن». وغير ذلك من هذه. فجاء في بعض روايات في حديث فتح اليوم من ردم يأجوج، قالت أم سلمة: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». إذا كثر الخبث، فإذا زاد الشر يهلك الناس جميعا، حتى من كان من هذا الصلاح. منهم العذاب، واتقوا فتنة لا تصيب الذين منكم خاصة، بل هي عامة. فإذا كثر الظلم أصابت الفتن الناس. قال: وكذلك العلماء إذا أقاموا كتاب الله، وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح. وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي سنته. لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس. ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي جعلها الله تعالى لهذه الأمة، حيث يقول عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. قالوا: لاستغنوا بذلك عما ابتدعوا المبتدعون من الحجج الفاسدة التي يزعم الكلاميون أنهم ينصرون بها أصل الدين. ومن الرأي الفاسدة الذي يزعم القياسيون أنهم يتمون به فروع الدين. أنه يقول الشيخ: إذا كان العلماء تمسكوا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفقهوا الناس فيها، فإن الخير يعم. ويكون هؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وهي أمة وسط، خير الأمم التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فلا يضرهم بعد ذلك ابتداء المبتدع؛ لأنهم يعرفون أهل البدع، فيقمعونهم. كلما ظهرت بدعة قمعوها. فقال: ولا استغنوا بذلك عما ابتدعوا المبتدعون من الحجج الفاسدة التي يزعم الكلاميون أنهم ينصرون بها أصل الدين. أن يتموا بحجج فاسدة من كلام أهل اليونان، يظنون أنهم ينصرون به دين الله، وهو مخالف للدين. ومن الرأي الفاسدة الذي يزعم القياسيون أنهم يتمون به فروع الدين. القياس الشمول وغيره. قال: وما كان من الحجج صحيحا، ومن الرأي سديدا، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله. فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه. أنه يقول الشيخ الآن: أن كل شيء موجود في كتاب الله. من تمسك في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عرف الحق، وعرف كل ما يخالف دين الله جل وعلا. قالوا: كذلك العباد إذا تعبدوا بما شرع من الأقوال والأعمال، ظاهرا وباطنا. وداقوا طعم الكلم الطيب والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله. وجدوا في ذلك من الأحوال الزكية والمقامات العلية والنتائج العظيمة ما يغنيهم عما قد يحدث في نوعه، كالتغبير ونحوه من السماعات المبتدعة. أنه يقول: أن العباد إذا تمسكوا بالشرع، وعملوا بالشرع، وقدموا الشرع، فإنهم ما سيدخل عليهم الدخيل. وذكر مثالا مما أدخل عليهم ما يسمى بالتغبير. هذا كان يفعل في العراق. والمرأة بالتغبير: يا آلة يضرب بها بالعود، يضرب بها بالعود، فتعمل صوتا، ثم يذكرون الله على هذا الصوت. هذا يسمى تغبيرا، مثل ما يفعله الآن الناس مما يسمونه حضرات، حضرة الولي الفلاني، وحضرة الولي الفلاني، يدقون عليها بالطار، ويأتون بأذكار، أو يأتون بأشياء من الاشتغاثات أو غيره. فهذا التغبير، قال الشافعي رحمه الله: «خلفت ببغداد شيئا يفعله الزنادقة يسمونه التغبير». قال: يفعله الزنادقة، سماهم زنادقة؛ لأن هذا سماع مبتدع. قالت: كالتغبير ونحوه من السماعات المبتدعة الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد. فقيها بعض الناس، أو في قدره، كزيادات من التعبدات أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بمشروع منها. وإن كان كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء، معدورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد. أنه قد يوجر؛ لأنه مجتهد، لكن لا يجعل غيره يتمسك به. لا يجعل غيره يتمسك به. طيب قال: وإن كان كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء، معدورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد. قال: فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح. وإن كان التارك له قد يكون معدورا لاجتهاده، بل قد يكون صديقا عظيما. فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا، وعمله كله سنة. إذ كان يكون بمنزلة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا باب واسع. يقول: الواجب على المرء أنه يتمسك بالكتاب والسنة. وقد يفوت هاشياء قد يكون عالم مثلا يجتهد، يأتي ببدع للناس، وبسبب اجتهاده، لكن قد يكون هو معدورا، وهو بين الأجر والأجرين. لكن المتابع له مخطئ. قالوا: الكلام في أنواع البدع وإحكامها وصفاتها لا يتسع له هذا الكتاب. وإنما الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح الذي ذكرناه. أيش الحديث الصحيح الذي في البدع؟ «كل بدعة ضلالة». «كل بدعة ضلالة». أن أي بدعة فهي ضلالة. وأيضا حديث: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد». أيضا نفس المعنى. فكل محدث في دين الله عز وجل فهو مردود. لكن وجدوا مخارج، يقولون: هذا من الدين. يعني يقولون مثلا: الذكر من الدين، ليس من غيره، ليس عليه أمرنا. هذا الذكر عليه أمرنا. الصلاة عليه أمرنا. أنه دخلوا بمداخل، لكن هذا: «كل بدعة ضلالة»، ما يستطيعون أن يدخلوا مداخل. وإنما قاموا وأتوا بشبه من كلام، مثل: العمر نعمة، البدعة، أو من سنة في الإسلام، سنة حسنة. معنى جعلوا السنة بدعة، فلم يستطيعوا يعارض هذا الحديث بشيء. مثلا يقاوم هذا الحديث. وحيانا يقول: أن المراد ليس كل بدعة ضلالة، وأن الكل هنا لا تفيد العموم. فيحتاج الأقرين حتى لا تفيد العموم. فالعقل أنها تفيد العموم. قالوا: الكلام في أنواع البدع. طيب قال: والتعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع مما يجب العمل بها. قالوا: الوجه الثاني في ذم المواسم والعياد المحدثة، ما تجتمل عليه من الفساد في الدين. أن الوجه الأول أنها بدعة مخالفة. ثم ذكر تفصيل البدع، وأنها كلها ضلالة. فهذه العياد أولا أنها بدعة. الوجه الأول، الوجه الثاني أنها ما تجتمل عليه من الفساد في الدين. أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس، يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة. بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد. قالوا: الواجب على الخلق اتباع الكتاب والسنة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة. فننبه على بعض مفاسدها. فمن ذلك معنى مفاسد البدع. فمن ذلك من أحدث عملا في يوم، كأحداث صوم أول خميس من رجب، والصلاة في ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب، تكون في أول جمعة من شهر رجب. صلاة يسمونها صلاة الرغائب. فهذه من البدع. قال: مثلا ما يتبع ذلك من إحداث أطعمة وزينة وتوسيع في النفقة ونحو ذلك. فلابد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب؛ وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله. وأن الصوم فيه مستحب استحبابا زائدا على الخميس الذي قبله وبعده مثله. وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع خصوصا، وسائر الليالي عموما. إذ لو لا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعيه، لمن بعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة. فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع. أنه ما رجح أحدها هذا اليوم إلا الاعتقاد في فضل هذا اليوم. لو قال: لا، لا أنا ما أعتقد فضل هذا اليوم. يوم الجمعة والصلاة الرغائب نحن نصلي فقط فيها. طيب ليش تصلون فيها؟ تصلون في الجمعة هذه ليش ما تجعلونها في الجمعة الثانية في رجب؟ ليش ما تجعلونها في الثالثة؟ ليش ما تجعلونها في شهر آخر غير شهر رجب؟ فهذا مبني على اعتقاد أنها أفضل، تكون في رجب وأفضل تكون في الجمعة الأولى، وهكذا. قالوا: هذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم، ونص على تأثيره. فهو من المعاني المناسبة المؤثرة. فإن مجرد المناسبة مع الاقتران يدل على العلة عند من يقول بالمناسب القريب، وهم كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم. من لا يقول إلا بالمؤثر، لا يكتفي بمجرد المناسبة، حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في ذلك الحكم. وهو قول كثير من الفقهاء أيضا من أصحابنا وغيرهم. وأولئك إذا رأوا الحكم المنصوص فيه معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر، عللوا ذلك الحكم به. فأنهم يجعلون الاعتبار في هذا الحكم هو التأثير، أو المعاني المناسبة المؤثرة. مثل مجرد الاقتران، اقترن مثلا هذا الحكم بشيء معين، فهو أفضل. مثلا اليوم الجمعة فيه صلاة الرغائب، يقولون هو أفضل؛ لأنه اقترن بشيء آخر، الجمعة فضل. لكن لما اقترن بشيء آخر يكون أفضل. وهذا الكلام يقول الشيخ: أنه فيه خلاف. إذا كان الأمر شرعيا، فكيف إذا كان ليس شرعيا؟ قالوا: هنا قول ثالث، قالوا: كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أيضا، وهو أن الحكم منصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع. لأنهم معللوا عن مسألة التعليلات في الأحكام. الصحيح أن التعليل في الحكم لا يكون إلا بالشرع. وأما الاستنباط فقد يصيب وقد يخطئ. الاستنباط فقد يصيب وقد يخطئ. قالوا: لا يكتفى بكون يعلل به نظيره أو نوعه. وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة: أن إذا رأينا الشارع قد نص على الحكم، ودل على علته، كما قال في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». أن هذه العلة نص عليها الشرع، أو في الخمر: «كل مسكر خمر»، نص على تحريم الخمر بسبب الإسكار. قال: بعض العلة تسمى المنصوصة، أو المومة إليها. علمت مناسبتها أو لم تعلم، فيعمل بموجبها باتفاق الثلاث. وإن اختلفوا: هل يسمى هذا قياسا أو لا يسمى؟ أنه بعضهم يقول: هذا قياس. ومنهم من يقول: أنه من باب الأولى. قاله مثاله في كلام الناس: ما لو قال السيد لغلامه: «لا تدخل داري فلانا»، «لا تدخل داري فلانا». فإنه مبتدع، أو «فإنه أسود»، أو نحو ذلك. فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعا، أو من كان أسودا. وهو نظير أن يقول: «لا تدخل داري مبتدعا»، «ولا أسودا». ولهذا نعمل نحن بمثل هذا في باب الأيمان. فلو قال: «لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي»، حنث بما كانت منته مثل منته، وهو يمينه. ونحو ذلك. معناه أنه ما كان نظيره، ولا يختلف العلة. فهذا يكون مثله. وكما يقول العلماء: أن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق. فما كان مجتمعا فيه العلة، فهو واحد حكمه واحد. وما كانت العلة متفرقة، فحكمه ليس بواحد. قال: وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم، ولم يذكر علته، لكن قد ذكر علة نظيره أو نوعه. مثل أنه جوز الأب أن يزوج ابنته الصغير البكر بلا إذنها. وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها؛ كونها صغيرة. فهل يعتقد أن علة ولاية النكاح هي الصغر مثلا؟ فهذه العلة هي المؤثرة. أي قد بين الشارع تأثيرها في حكم منصوص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر، زوج ابنته عائشة. قالوا: سكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم. فالفريقان الأولان يقولان بها، وهو في الحقيقة إثبات للعلة بالقياس؛ إنه يقول: كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان، كذلك يؤثر في هذا المكان. والفريق الثالث لا يقول بها، إلا بدلالة خاصة. أنه لابد أن تكون العلة منصوصة لجواز أن يكون النوع الواحد من الأحكام له علة مختلفة. ومن هذا النوع: أنه نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يستام الرجل على سوم أخيه، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه. فيعلل ذلك بما فيه من فساد ذات البين. أي شي العلة؟ فعلل أنه يقتضي فساد ذات البين. كما علل به في قوله: «لا تنكح المرأة على أمتها، ولا على خالتها؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم». أنه لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها، ما يجوز؟ أي شي العلة؟ لأنه فيه قطع الأرحام غالبا. الضرائر يكون بينهم عداء. الضرائر يكون بينهم شيء، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك القرآن قبله قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. أي إلا ما قد فعلتموه قبل. أما الآن فلا، لا تجمع بين الأختين. وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وعلل هذا الحكم بأن هذا فيه قطيعة للأرحام. فكذلك أيضا علل بعضهم البيع على البيع، والخطبة على الخطبة، فيها أيضا ما يكون فيه من فساد ذات البين. قالوا: إن كان هذا المثال يظهر التعليل فيه بما لا يظهر في الأول. طيب إن شاء الله تعالى نكمل في درس الله حكم الوقت.