التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 115

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 115

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 115، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الأمن من مكر الله واليأس من روح الله: من الكبائر العظيمة

يشرح المقطع حديث ابن عباس في الكبائر متضمناً الشرك، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، ويناقش سنده وحكم المحدثين عليه، مبيناً أن اليأس من روح الله والأمن من مكر الله من الكبائر العظيمة، وأن اليأس يقطع الرجاء ويطعن في قدرة الله وحكمته.

القنوط من رحمة الله واليأس من روحه: معنى ودرجات

يشرح المقطع معنى القنوط من رحمة الله واليأس من روحه بأنهما قطع الرجاء والأمل في رحمة الله وتفريجه، ويؤكد أن المؤمن لا ييأس مهما اشتد البلاء، مستدلاً بأثر ابن مسعود الذي عدّهما من أكبر الكبائر مع الإشراك والأمن من مكر الله، ويوضح ابن عثيمين معاني هذه الكبائر ودرجاتها.

العقبتان في السير إلى الله: الأمن والقنوط

يوضح المقطع أن السائر إلى الله يعترضه عائقان: الأمن من مكر الله الذي يدفع للاستمرار في المعاصي مع النعم، والقنوط من رحمته الذي يورث اليأس من المغفرة والرزق، ويؤكد الواجب الجمع بين الخوف والرجاء، مع بيان أدلة القرآن والسنة على ذم هذين الخلقين وشدة الوعيد عليهما.

خاتمة ودعوة للاشتراك في القناة

المتحدث يشكر المشاهدين على المشاهدة ويدعوهم للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "التوحيد"، وفي باب قول الله عز وجل: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾. وبعد أن ذكر آية أخرى تحت هذا الباب، ذكر حديثين. فقال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الكبائر، فقال: «الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله». وهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، والطبراني في معجمه الكبير، وابن جرير في تفسيره، وحكم عليه بعض الحفاظ بالوقف، كما ذكر ذلك ابن حجر أنه موقوف على عبد الله بن عباس. ولكن جاء بمعناه أيضاً من حديث عبد الله بن عباس رواه البزار، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" بلفظ: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متكئاً فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله». فهذا بمعنى حديث الباب، وقد حسن هذا الحديث بهذا اللفظ مرفوعاً العلامة الألباني عليه رحمة الله. وعلى فرضية من حكم على حديث ابن عباس الأول بالوقف، فإن له حكم الرفع. والشاهد من إرادة هذا الحديث في هذا الباب: أن الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، من الكبائر، من كبائر الذنوب. فهذا يدل على خطورة هذين الأمرين. وقوله: «سُئِلَ عن الكبائر»، فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بما يناسبه أو بما يناسب حاله، فذكر له هذه الثلاث. لا مفهوم له، بمعنى: لا يفيد الحصر، لا يفيد الحصر. فقد جاء في بعض الأحاديث: لما سئل عن الكبائر قال: «الشرك بالله، والسحر، وعقوق الوالدين»، يعني ذكر كبائر أخرى. وقال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وهكذا غير ذلك من تلك الأحاديث التي إنما يذكر فيها العدد إما من أجل تقريب العلم وحصره وكذلك اختصاره للمتعلم، وإما أن النبي عليه الصلاة والسلام يجيب السائل على ما يناسب حاله، على ما يناسب حال هذا السائل. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا السائل عنده شيء من هذه الأمور: الأمن من مكر الله، أو اليأس من روح الله، فذكر له ذلك عليه الصلاة والسلام. ومعنى اليأس من روح الله: اليأس هو قطع الرجاء والأمل. اليأس هو قطع الرجاء والأمل. إنسان ييأس من شيء، أن يقطع رجاءه وأمله من أن يرتفع مثلاً هذا البلاء أو هذه الحال أو نحو ذلك. فهذا كما تقدم فيه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى من وجهين: فهو طعن في قدرة الله، كأنه يقول: الله غير قادر، الله غير قادر على رفع هذا البلاء. فهذا فيه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى من هذه الجهة. وكذلك فيه طعن في رحمته، فالله عز وجل من أسمائه الرحيم والرحمن، فلعل رحمة الله عز وجل أن تنزل على هذا المبتلى فيرفع الله عز وجل ما به. منظر مهما بلغ الأمر والشدة بالعبد لا يقنط من رحمة الله، ولو قنطه العباد، ولو يأسه الأطباء، فإنه يعلق أمله بالله عز وجل، والله على كل شيء قدير. كم من شخص أجمع الأطباء، وقرر الأطباء أن مرضه ليس له علاج، وأن أجله سينتهي في أيام بسبب هذا المرض، فهذا المريض يلجأ إلى الله ويعلق أمله بالله ويتضرع إلى الله، فيتعجب الأطباء من شفاء هذا المريض ومن ذهاب مرضه. إنه لا يأس من روح الله إلا القوم الكافرون. أما أهل الإيمان فمهما بلغ بهم البلاء فلا ييأسون من روح الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى اليأس من روح الله: قطع الرجاء والأمل. والمراد بروح الله: أي رحمته، وقيل: هو الفرج والتنفيس، الفرج والتنفيس. فروح الله مراده: رحمته ورفعه وفرجه وتنفيسه على هذا المبتلى. ثم ذكر أثراً آخر، وقال: وعن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله. فهنا جاء: «والقنوط من رحمة الله»، وهو بمعنى اليأس من روح الله. اليأس من روح الله يعني قطع الأمل من رحمة الله ومن تفريج الله. قال: رواه عبد الرزاق، أي في مصنفه. وهذا الأثر أثر صحيح إلى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. يقول العلامة ابن العثيمين في شرحه لهذين الأثرين أو الحديثين: قال: الشرك بالله، المراد به الشرك الأكبر والأصغر، لأن هنا جاء معرفاً فهو يعم. قال: والأصغر أكبر من الكبائر، كما تقدم معنا درجات المعاصي: أعلاها الشرك الأكبر، ثم الشرك الأصغر، ثم المعاصي الأخرى، والمعاصي الأخرى على قسمين: كبائر وصغائر. وهذا قد مر معنا. قال: قوله: «والأمن من مكر الله»، بأن يعصي الله مع استدراجه بالنعم. يأمن مكر الله بمعنى: أن الله عز وجل ينزل إليه خيره ونعمه وهو قائم على معاصيه، فلا يتوقع نزول العقوبة عليه، يأمن من عقوبة الله، يأمن من عقوبة الله عز وجل. هذا معنى الأمن من مكر الله. والله عز وجل قد قال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾. قال: «والقَنوط من رحمة الله»: أن يستبعد رحمة الله ويستبعد حصول المطلوب، فيقنط من رحمة الله، بمعنى: لا يتوقع حصول مطلوبه، حصول مطلوبه، كأن يريد ولداً أو مالاً أو صحة أو نحو ذلك. قال: «واليأس من روح الله»: أن يستبعد زوال المكروه عنده، مرض عنده، فقر عنده، ألم، فهو يستبعد أن يزال منه هذا المكروه. فهذا يأس من روح الله، كما تقدم معنى: أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وأن رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء. ثم قال العلامة ابن عثيمين: الخلاصة أن السائر إلى الله يعتريه شيئان يعوقانه عن ربه. أنت تسير إلى الله، يعترض لك في سيرك وطريقك إلى الله عز وجل شيئان، ما هما؟ قال: هما الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمته. تأمن مكر الله فتتمادى في المعاصي، تتمادى في التفريط في جنب الله، وهكذا تقنط من رحمة الله فلا ترجو رحمة الله ولا ترجو كذلك مغفرة الله، فتقول: أنا قد أذنبت وأذنبت وأذنبت وأسرفت، فأنا لا يغفر لي، فتتمادى في المعاصي والذنوب. قال: فإذا أصيب بالضراء أو فات عليه ما يحب، تجده إن لم يتداركه ربه يستولي عليه القنوط، ويستبعد الفرج، ولا يسعى لأسبابه. خلاص يقنط. يا فلان أنت الآن فقير، لماذا ما تتسبب في طلب الرزق؟ يقول: وماذا عسى أن أعمل؟ وماذا سأكسب من وظيفة أو من مال أو من شيء من ذلك؟ فيقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى ويستبعد الفرج. وأما الأمن من مكر الله، قال: فتجد الإنسان مقيماً على المعاصي مع توافر النعم عليه: عنده صحة، عنده عافية، عنده مال، عنده زوجة، عنده بيت، ومع ذلك فهو يبارز الله عز وجل بالمعاصي، بتضييع الصلوات، بالوقوع في المنكرات، بالنظر في المحرمات. فخير الله نازل عليه، ومبارزة الله عز وجل بالمعاصي صاعدة إلى ربه. فهذا لا يأمن من مكر الله. قال: ويرى أنه على حق فيستمر في باطله، فلا شك أن هذا استدراج. والواجب أن يكون المسلم بين الخوف والرجاء. فإذا وقع في المعاصي خاف من عقوبة الله عز وجل، فكان هذا الخوف سبباً في توبته وفي رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا أنعم الله عز وجل عليه بالنعم وبارز الله بالمعصية، فإنه كذلك يخاف من عقوبة الله سبحانه وتعالى، فيكون هذا الخوف سبباً لتركه للمعصية. وإذا وقع في الذنوب والمعاصي وأسرف على نفسه، فإنه كذلك لا ييأس من رحمة الله ومن مغفرة الله له، فيتخذ الأسباب في الوصول إلى التوبة، فيكون ذلك سبباً أيضاً في تركه للمعاصي والذنوب. قال: المسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾، وعرفنا ما معنى الأمن من مكر الله، وأن الأمن من مكر الله إنما هو من صفات القوم الخاسرين. الثانية: تفسير آية الحجر: ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾، وعرفنا ما معنى ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ ﴾، وأن هذا الاستفهام إنكاري، أي: لا أحد يقنط من رحمة الله إلا الضالون، والمراد بالضالين: التائهون عن الحق. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله، وما هو هذا الوعيد؟ بأن هذا الفعل من الكبائر، أن هذا الفعل من الكبائر، لحديث ابن عباس وأثر ابن مسعود. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط، كذلك ما جاء في أثر ابن مسعود. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وإن شاء الله في الدرس القادم ندخل إلى الباب الذي بعده. إلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة، اشتركوا في القناة، جزاكم الله خيراً للمشاهدة.