الدرس في كتاب الحج 19، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح هذا المحور باب المحرم يأكل من صيد الحلال من عمدة الأحكام، مبيناً تعريف الصيد البري وحكمة تحريمه على المحرم لئلا يشغله عن النسك. كما يستعرض سياق حديث أبي قتادة الأنصاري في عمرة الحديبية سنة ست هجرية حيث صرف النبي صلى الله عليه وسلم طائفة لساحل البحر.
يتناول هذا المحور قصة أبي قتادة رضي الله عنه حين عقر أتاناً من حمير الوحش وهو محرم، وسؤال الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن جواز أكلها فأذن لهم. ويبين الفرق بين حمار الوحش الحلال لحمُه، والحمار الأهلي الحرام أكله مستدلاً بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية في خيبر.
يشرح هذا المحور حديث الصعب بن جثامة الليثي الذي أهدى للنبي ﷺ حماراً وحشياً وهو محرم بالأبواء أو بودان، فردّه النبي ﷺ بقوله: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». ويستعرض الأحكام المستفادة: جواز أكل الصيد لغير المحرم، وتحريم أكل ما صيد لأجل المحرم، والجمع بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة.
يستعرض هذا المحور الخلاف الفقهي حول الحمار الوحشي الذي أهداه الصعب بن جثامة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهل كان حياً أم ميتاً، وكيف جمع العلماء بين الروايات المختلفة. ويذكر ترجيحات البخاري والبيهقي وابن الملقن، مختتماً كتاب الحج من عمدة الأحكام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول جملة من الأحاديث المتعلقة بباب من أبواب كتاب الحج من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى، ألا وهو باب فسخ الحج إلى العمرة. وكما سبق التنبيه في أول الباب، أن الباب تضمن أحد عشر حديثا، وليس كلها فيما يتعلق بفسخ الحج إلى العمرة، يعني تحويل النية من الحج إلى العمرة ليصير بذلك متمتعا، وإنما في الأحاديث ما له تعلق بغير هذا الموضوع، كالكتاب حول كيفية الدفع من عرفة إلى مزدلفة، وهكذا تقديم بعض أعمال يوم النحر على البعض، وهكذا كيفية رمي جمرة العقبة، وهكذا في الحلق والتقصير وأيهما أفضل، وهكذا أيضا في الأحاديث ما له تعلق بنفري الحائض وخروجها من مكة بغير طواف وداع، وهكذا المبيت بمنى ليالي التشريق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعمه العباس، وهكذا الرخصة أيضا جاءت لغيره كرعاة الإبل وغيرهم أن يتركوا المبيت بمنى ليالي التشريق. كذلك أيضا في الأحاديث ما له تعلق بالمبيت بمزدلفة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير، وأنه عليه الصلاة والسلام في تلك الليلة لم يسبح، أي لم يصلي صلاة النافلة، جمع تأخيرا ولا على إثر واحدة منهما. فهذا يعتبر من الأبواب الجامعة. ثم ختم رحمه الله تعالى أبواب كتاب الحج بهذا الباب الأخير، فقال رحمه الله تعالى: «باب المحرم يأكل من صيد الحلال». المحرم يأكل من صيد الحلال. طيب، المحرم هو من دخل في الإحرام إما بالحج أو بالعمرة، والحلال من ليس محرما لا بحج ولا بعمرة، والصيد المراد به هاهنا صيد البر وليس صيد البحر. وصيد البر المقصود هاهنا هو كل حيوان حلال بري متوحش بطبعه، متوحش بطبعه. كل حيوان حلال، أي حلال صيده وحلال أكله، وماذا يكون بريا؟ أي يعيش في البر، ومتوحشا بطبعه. ومعنى متوحشا: أي أنه لا يأنس بالناس وإنما ينفر منهم، ﴿ كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة ﴾. وقسورة في لغة العرب يطلق على أمرين اثنين: الأمر الأول، ما هو قسورة يا أبا عبد الرحمن؟ الأسد. والأمر الثاني، يا أبا محمد؟ فرت من قسورة، عندك الأسد يا أبا محمد؟ الضبع. طيب، أحسنت، لكن الجواب في أمر آخر: فرت من قسورة، الضبع لا يطلق عليه قسورة، هو أهون من هذا. نعم، فرت من قسورة، ماذا فيما تخاف من المندق الصياد؟ أحسنت، إذن قسورة أيضا في لغة العرب يطلق على الصياد: فرت من قسورة. وكما هو معلوم أن المحرم يحرم عليه الصيد، يحرم عليه الصيد لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾. قال: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ﴾. وتحريم الصيد للمحرم، قال بعض العلماء: من أجل إبعاد المحرم عن الترفه، عن الترفه، وأن يتعلق قلبه بالصيد. الصيد يا إخوان، ومن جرب عرف معنى ذلك. الصيد فيه متعة، لما يخرج الإنسان في الصيد معه آلة الصيد ويتتبع الصيد لا يشعر بنفسه من كثرة المتعة والاسترواح الذي يجده، قد يقطع المسافات البعيدة وهو لا يشعر. ولهذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي حسنه بعض أهل العلم: «من تتبع الصيد غفل». من تتبع الصيد، أين الصيادون؟ من تتبع الصيد يا أبا عبد الله؟ طيب، من تتبع الصيد يا أخانا أبا محمد، ما يحصل له الذي يتبع الصيد؟ من تتبع الصيد يا أبا عبد الله؟ أنا أبحث عن الصيادين. يا أبا أسحاق، أنت منهم؟ من تتبع الصيد أهل إيش؟ استمتع. طيب، وهذه المتعة تجره إلى أمر غير مرغوب فيه. نعم يا أبا نصر؟ غفل. ومن تتبع الصيد غفل، حسنه جماعة من أهل العلم. وهكذا أيضا لكي لا يشغل المحرم بدنه في طلب الصيد فيتلهى بذلك عما هو بصدده من الإقبال على الله تعالى والاشتغال بمهامي النسك، ينشغل عن التلبية بالصيد، وهكذا ينشغل عن عبادات أثناء الإحرام بسبب الصيد. فنهي المحرم عن الصيد. قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، ما اسمه يا إخوان وقد مضى معنا ذكره؟ ما اسمه هذا الصحابي الجليل أبو قتادة الأنصاري؟ نعم يا عكاشة، اسمه الحارث بن الحارث بن... نعم بن ربعي الأنصاري. وأبو قتادة أحد فرسان النبي صلى الله عليه وسلم، بطل من أبطال الإسلام، وله مواقف عظيمة في نصرة هذا الدين، ولا يخفى على الجميع ما قدمه في غزوة أحد، وهكذا في غيرها من الغزوات. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا، خرج حاجا. والمقصود بالحج هنا أي العمرة، أي العمرة، لأن هذه القصة التي سيأتي معنا ذكرها وقعت في عمرة الحديبية. متى كانت عمرة الحديبية في أي شهر وعام؟ عمرة الحديبية في أي شهر وعام؟ نعم يا باحث، في ذي القعدة، أحسنت. سنة... أتيت بخير كثير، سنة ست من الهجرة، التي أحصر فيها المسلمون، أي منعوا من أداء مناسك العمرة، وكان على إثر ذلك صلح الحديبية الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش، وكان سببا، أي هذا الصلح، في فتح مكة. وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية من أصحابه ما يزيد على ألف وأربعمائة. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا. قلنا: أي معتمرا، فخرجوا معه، أي أصحابه، وفيهم أبو قتادة الأنصاري. قال: فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، وقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي. صرف، أي أمر مجموعة من أصحابه أن يأخذوا طريقا آخر غير طريقه، وهذا الطريق هو طريق ساحل البحر. قال: حتى نلتقي، أي نجتمع بعد ذلك في طريق واحد. وقوله: ساحل البحر، يعني شاطئ البحر، شاطئ البحر. قال ابن دريد، وهو أحد أئمة اللغة: قال وهو مقلوب، ساحل البحر، قال: ﴿ إِنَّمَا أَلْمَا سَحَلَهُ ﴾، سَحَلَهُ يعني صَبَّهُ وَأَسَالَهُ، صَبَّهُ وَأَسَالَهُ. والبحر يطلق على الماء الكثير سواء كان مالحا أو كان عذبا، البحر يطلق على الماء الكثير سواء كان مالحا أو كان عذبا، وغلب هذا الاسم على المالح حتى قل إطلاقه على العذب، قل إطلاق البحر على العذب، وغلب إطلاقه على المالح، على المالح. وماذا قال القزاز، وهو كذلك من أئمة اللغة؟ قال: إذا اجتمع الملح والعذب سمي باسم الملح، أي بحرين، كما في قوله عز وجل: ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾، بحر مالح والآخر عذب، قال: ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾، لهذا يدخل في هذا، ولهذا يدخل على هذا. قال: وسمي بذلك، أي بحرا، لسعته، من قولهم: تبحر الرجل في العلم، أي اتسع، أي اتسع. قال الأزهري رحمه الله كما في تهذيب اللغة: قال: سميت الأنهار بحارا، قال: لأنها مشقوقة في الأرض شقا، ومنه سميت البحيرة، ومنه سميت البحيرة. إذن صرف النبي صلى الله عليه وسلم طائفة. ما معنى طائفة؟ ما معنى طائفة يا أبا زلفة؟ صرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، ما هي الطائفة؟ نقول: هذه الطائفة تدخل المكتبة، من هي الطائفة؟ الكثير، قد يكون كثيرا وقد يكون قليلا، لكنهم طائفة، ليس الكل، لا يدخل الكل المكتبة، وإنما هذه الطائفة، كم عددهم؟ قد يكون عشرة عشرين، فما هو المقصود بالطائفة؟ أي طائفة؟ أحسنت، أنت قاربت. نعم يا خانعري؟ مجموعة. طائفة، أي مجموعة منهم، أي من أصحابه الذين خرجوا معهم، فيهم أبو قتادة، وقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي. قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا، أي من عند النبي صلى الله عليه وسلم، أحرموا كلهم إلا أبا قتادة، فلم يحرم، فلم يحرم، أي وبقي حلالا، وبقي حلالا. قال: فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، حمر. حمر هذا مفرد أو مثنى أو جمع؟ حمر، فرأوا حمر، يا أبا طاهر؟ قال: فرأوا حمر، كأنهم حمر مستنفرة، هذا مفرد أو مثنى أو جمع؟ جمع، أحسنت، هذا جمع، مفرده ماذا؟ حمار، مفرده حمار. قال: فرأوا حمر وحش، وحمار الوحش هذا لا يعيش عند الناس، وإنما يعيش في الصحاري والبراري والأماكن البعيدة، وهو من فصيلة ماذا؟ الخيول، فصيلة الخيول، ويتغذى على النباتات والأعشاب، والأعشاب، وعنده حاسة بصر قوية جدا، حتى أنه قالوا: يرى في الليل، يرى في الليل لمسافات بعيدة، وهكذا عنده حاسة شم قوية، وهو يعتبر من الحيوانات الضخمة، وزنه يتراوح من مئتي كيلو جرام إلى أكثر من أربعمائة كيلو جرام، وهكذا طوله يعني ماذا؟ يقارب المترين وزيادة، إلى غيرها مما ذكره العلماء في كتب حياة الحيوان عن هذا الحيوان البري، ألا وهو حمار الوحش. وحمار الوحش يتميز بلونه الأبيض الذي فيه خطوط سوداء، وأحيانا خطوط يعني تميل إلى الصفراء والبرتقالية، والبرتقالية، يعرف هذا الحيوان بها. قال: إذ رأوا حمر وحش، قال: فحمل أبو قتادة على الحمر، فعقر منه أتانا. قال: فحمل، أي أن أبا قتادة رضي الله تعالى عنه جعل يطاردها ويهاجمها حتى أنه عقر منها، منها أتانا. ما معنى عقر؟ عقر، نعم، ذبح، هذا الحمار، ما تمسكه بالسهل، تظنه كبش، ممكن يمسك بكل سهولة، فرت من قسورة، هذا قبل ما تذبحه لابد تعمل له شيء. قال: قال فعقر منها أتانا. ما معنى عقر؟ نعم، حتى حتى يجرح، نعم، إذن جرح. عقر بمعنى جرح، منها أتانا. وما هي الأتان؟ مر معنا قريبا الكلام حول الأتان، وأين مر معنا ذكر الأتان؟ نعم يا أبا الفضل، معنا أين أبو جعفر؟ آه، طيب تفضل، ما هي الأتان؟ أه، أنثى الحمار. إذن الجزء الثاني عند أبي جعفر، طيب اجلس وخذ راحتك ونحن بانتظارك، خذ نفسا. طيب، قال أبو الفضل: الأتان أنثى الحمار. تذكر أين مر معنا ذكر الأتان في عمدة الأحكام؟ نسيت الله، أحسنت، نعم، من يذكر يا إخوان، يا أبا الحسن، لعلك تذكر حديث ابن عباس، فماذا حديث ابن عباس؟ أنه أتى والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمين إلى غير جدار، قال: قال فدخلت في الصف وأرسلت الأتان وأرسلت الأتان ترتع، وأرسلت الأتان ترتع. قال: قال: فعقر منها أتانا، قال: فنزلنا وأكلنا من لحمها، ثم قلنا، لاحظوا يا إخوان ورع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال: ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ قال: فحملنا ما بقي من لحمها، قال: فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فسألناه عن ذلك، وفيه سؤال أهل العلم عما أشكل، ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾، وهكذا أيضا فيه عدم الإقدام على الشيء حتى يعرف حكمه، حتى يعرف حكمه. قال: فسألناه عن ذلك، فقال، أي النبي صلى الله عليه وسلم: «أحد منكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» يعني هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أي اصطادها، أو أشار عليه، أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قالوا: «فكلوا ما بقي من لحمها»، ما بقي من لحمها. قال: وفي رواية: «هل معكم منه شيء؟» هل معكم منه شيء؟ وهذا يا إخوان من حسني خلق النبي صلى الله عليه وسلم وجميل أدبه عليه الصلاة والسلام، أراد أن يطيب خاطرهم ويطيب قلوبهم بأكله أو شربه ما هو حلال مما شكوا فيه. هم الآن يشكون، ما الذي سيذهب الشك؟ كون النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ منه فيأكل، هنا ستطيب قلوبهم أكثر، ستطيب قلوبهم أكثر، وإن كان عندهم العلم بأنه حلال، بأنه حلال. قال: فقلت: نعم، أي بقي معنا منه، قال: فناولته العضد فأكل منها. ما هو العضد؟ قال: فناولته العضد فأكل منها، ما هو العضد عندك يا أبا سعيد؟ ما هو العضد؟ أحسنت، أنت تشير هكذا، ممكن تحدد من أين إلى أين؟ هذا يسمى، وأيديكم إلى المرافق، نعم، من المرفق إلى الكتف، إلى الكتف، يسمى عضد، يسمى عضد، وفيه لغات، يسمى عضد، كما ذكر ذلك الإمام الجوهري رحمه الله تعالى، من المرفق إلى الكتف هذا عضد. ومن الرسغ إلى المنكب أو إلى المرفق، ماذا يقال له؟ ماذا يقال له يا أبا سعيد؟ ماذا يقال له؟ أبا سعيد، نعم، من الرسغ إلى المرفق، ماذا يقال له؟ أعلمه الرماية كل يوم، فلما اشتد، أي قوي، وفي بعضها: فلما استوى، أي أصبح يسدد الرماية، فلما اشتد ساعده رماني، فما هو الساعد؟ نعم يا بهارون، عندك أين الساعد؟ عفوا، طيب، نعم تفضل، هذا ماذا يقال له؟ من الرسغ إلى المرفق، ساعد، ساعد، نعم، أنا سبق لي ساعد، لا بس، طيب. قال: فناولته العضد منه، وهذا فيه جواز أكل لحم حمار الوحش أنه حلال، بينما الحمار الإنسي ويقال له الحمار الأهلي، هذا حرام لا يجوز أكله، الحمار الأهلي هذا الذي يمشي بين الناس في البلاد، يقال له أهلي وإنسي، هذا حرام. ولهذا في غزوة خيبر أمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية»، وكانت تغلو بها القدور، تطبخ وتغلو بها القدور، فماذا فعلوا؟ سكبوها ولم يأكلوها. قال رحمه الله تعالى: قال عن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه، والصعب بن جثامة، جثامة الليثي الحجازي، هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ينزل بودان، قرية تقع بين مكة والمدينة، كما سيأتي في ألفاظ الحديث، وماذا؟ توفي في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روى له الجماعة. قال: عن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، أنه أهدى، يعني أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هدية، وهذا وقع في حجة الوداع، في حجة الوداع، عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فأهدى الصعب بن جثامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا. قال: وهو بالأبواء أو بودان، الأبواء وودان يعني عبارة عن قريتين متقاربتين، وتقعان بين مكة والمدينة، وهي إلى المدينة أقرب. والأبواء، مر معنا أن أم النبي صلى الله عليه وسلم عند رجوعها من المدينة إلى مكة مرضت وماتت في هذا المكان، ودفنت في الأبواء، دفنت في الأبواء، والنبي صلى الله عليه وسلم في سفر من أسفاره لما مر بأبواء بكى عليه الصلاة والسلام، فلما سأله أصحابه عن سبب بكائه قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». ولماذا ربنا عز وجل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يستغفر لأمه؟ لأنها ماتت وهي تعبد غير الله عز وجل. طيب. قال: فرده عليه، هدية، كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية، وماذا؟ ويثيب عليها، ويثيب عليها، وكان يقول: «ولو أهدي إلي ذراع»، يعني أحب شيء في البهيمة، أو كراع، يعني العظم الذي يكون أسفل الركبة، يعني شيء زهيد، شيء لا قيمة له، قال: «لقبلت». وهنا رد هدية الصعب بن جثامة الليثي، قال: فرده عليه، أي لم يقبلها منه. قال الصعب بن جثامة: فلما رأى ما في وجهي، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». انظروا إلى أدب النبي صلى الله عليه وسلم، انظروا إلى هذه الأخلاق الحسنة العظيمة، رد الهدية، رأى أن الذي أهدى الهدية تأثر وتغير وجهه، لماذا رسول الله يرد علي هديتي؟ قال: تعال، سبب ذلك، «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم»، أي أننا محرمون، لو كنا حلالا لا أكلنا من صيدك. قال: وفي لفظ لمسلم: «رجل حمار»، رجل، هذا الذي تبقى من حمار الوحش. قال: وفي لفظ: «شِق حمار»، وفي لفظ: «عجز حمار»، والعجز هو مؤخرة الحمار. قال: وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله، قال: والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله، لا يأكل ما صيد لأجله. وهذا يا إخوان فيه جواز ومشروعية الهدية، وأن الهدية يا إخوان مما يحصل بسببه الألفة، «تهادوا تحابوا»، الهدية سبب للمحبة، لكن متى تقبل الهدية؟ إذا لم يكن هناك مانع يمنع من قبولها، مثل ما وقع في هذا الحديث. هكذا شخص مثلا سرق شيئا ثم أتى لك به هدية، منين لك هذا يا فلان؟ قال: والله يا أخي، أنا ذهبت السوق وسرقته من المحل، هل يجوز أن تقبل هذه الهدية؟ الجواب: لا، لا يجوز. طيب، لو تغير وجهه، أنت ما عندك تواضع، أنا جبت هدية من السوق وما قبلتها، لا بأس، تنصحه وتبين له أن سبب عدم قبولك لهذه الهدية أنها ماذا؟ أنها مسروقة، أنها مسروقة، فاتق الله يا فلان ولا تسرق مرة أخرى. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، ولا يقبل الصدقة، فالصدقة محرمة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وعلى آله. طيب، نكمل إن شاء الله بعد الأذان. وهكذا في هذا الحديث الاعتذار إلى المهدي إذا لم تقبل هديته لكي يطيب قلبه ببيان العذر الذي لأجله لم تقبل هذه الهدية، وهذا من مكارم الأخلاق وجميل الأوصاف الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم، مراعاة المشاعر وجبر الخواطر، وهذا باب عظيم جدا. كذلك أيضا فيه جواز الاصطياد لغير المحرم، غير المحرم يجوز له أن يصيد، لكن بشرط أن يكون خارج حدود الحرم، خارج حدود الحرم. وهكذا أيضا في هذا الحديث في قوله: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم»، فيه جواز أكل حمار الوحش لغير المحرم، لغير المحرم، غير المحرم يجوز له أن يأكل من هذا الصيد، من هذا الصيد. أيضا المحرم يجوز له أن يأكل مما صاده الحلال، مما صاده الحلال، لكن بشرط أن لا يكون صاده لأجله، واضح، أن لا يكون الحلال صاد هذا الصيد من أجل هذا المحرم، وهكذا أن لا يكون المحرم ساعد في الصيد وأعانه على الصيد، كأن يكون ماذا؟ يشير له، قال: يا فلان، شوف قدامك، يمينك، شمالك، إلى غير ذلك، فإذا كان كذلك لا يجوز له أن يأكل منه، لا يجوز له أن يأكل منه. كذلك هذا الحديث فيه أن الهبة والهدية لا تتم إلا بقبول المهدى له، إلا بقبول المهدى له. مثلا شخص قال: أنا هذا القلم أريده هدية لمن؟ لي فلان من الناس، طيب، لم يعطيه إياه بعد، ثم بدا له أنه لا يعطيه إياه، فالهدية، وهكذا الهبة، لا تتم إلا بقبولها وقبضها، أما ما دامت أنها لم تقبض، وهكذا ما دامت أنها لم يقبلها المهدى له، فلا تزال في ملك المهدي، في ملك المهدي. وهكذا أيضا في هذا الحديث، عظم قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته في قلوب أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وحسن، وحسن خلقه عليه الصلاة والسلام، ومراعاته لنفوس أمته. طيب، هنا تأتي مسألة، ألا وهي أنه في حديث أبي قتادة أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الصيد، وفي حديث الصعب بن جثامة لم يأكل عليه الصلاة والسلام من الصيد، وإنما رده على الصعب. طيب، كيف يجمع بين الحديثين؟ كيف يجمع بين الحديثين؟ إذن المحرم الآن إذا أعطي صيد، هل يأكل أو لا يأكل؟ عند من يا إخوان؟ عندك يا أبا معاد؟ إذا كان صيد لأجله لا يأكل، أحسنت. وعلى هذا يحمل حديث الصعب بن جثامة، أنه صاده لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، فما قبله ولم يأكل منه. وحديث أبي قتادة يحمل على ماذا؟ حديث أبي قتادة يحمل على ماذا يا أبا موسى؟ كيف أكل النبي صلى الله عليه وسلم منه، بل قال لهم: هل بقي معكم منه شيء؟ هل معكم منه شيء؟ قالوا: نعم، فأعطوه العبد، قال أبو قتادة: فناولته العبد فأكل منها. هذا يحمل على ماذا؟ حديث الصعب يحمل على ما إذا صاد الحلال من أجل المحرم، وحديث أبي قتادة الذي فيه قبول الهدية وأكله منها عليه الصلاة والسلام يحمل على ماذا؟ طيب، أحسنت يا أبا عبد الرحمن، عندك يحمل على ماذا؟ عندك، نعم، على أه... أيش، سافرت أو موجود؟ عندنا من فوائد الأسئلة يا إخوان أنها تجعل العقل قريب الجسد، ما يذهب بعيد، ممكن يخرج عند البقالة ويرجع سريع، أو في المسجد يجول ويدور. حديث أبي قتادة يا أبا عبد الرحمن، الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من أبي قتادة وأكل من ذلك الحمار الوحشي، يحمل على ماذا؟ الصيد الذي صاده الحلال لأجل المحرم أو ليس لأجله؟ أحسن، الذي صاده ليس لأجل المحرم، ليس لأجل المحرم، والمحرم لم يعن ويساعد الحلال على الصيد، على الصيد. بقي بقي معنا مسألة أخيرة، ألا وهي في قول الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا، أو حمارا وحشيا، حمارا وحشيا، ماذا يفهم من هذا؟ أهدى له حمارا وحشيا، يعني يعني حي أو ميت، كامل أو بعض، ميت مذبوح؟ أحسنت، يا أبا نصب، حي، الذي يفهم منه أنه حي وحشي. ولهذا يا إخوان ذهب بعض العلماء إلى أن الحمار الوحشي الذي أهداه الصعب بن جثامة للنبي صلى الله عليه وسلم كان حيا، وعلى هذا بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، قال: «باب إذا أهدى المحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل»، قال: حيا لم يقبل. وهكذا فعل البيهقي في كتابه السنن الكبرى، حيث بوب فقال: «باب لا يقبل المحرم ما يهدى له من الصيد حيا»، ما يهدى له من الصيد حيا. وذهب بعض العلماء إلى أن الحمار الوحشي الذي أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم كان ميتا، بل كان جزءا من حمار، كما يدل على ذلك، كما يدل على ذلك الروايات الأخرى: رجل حمار، وشق حمار، وعجز حمار. بل جاء رواية عند الإمام مسلم رحمه الله أنه أهدى له حمارا وحشيا ينزف دما، ينزف دما، أي أنه ميتا. جمع بعض العلماء بين هذه الروايات، فقال بعضهم: الصعب بن جثامة أولا أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش حي، فلم يقبله النبي صلى الله عليه وسلم، فظن الصعب بن جثامة أن سبب رده عليه الصلاة والسلام وعدم قبوله أن الحمار حي، لا زال صيد، كيف سيدبحه ويقتله؟ فماذا فعل الصعب؟ ذهب وذكاه، ذبحه، ثم أتى للنبي صلى الله عليه وسلم به ينزف دما، أو أتى به مقطعا، أتى له بجزء من هذا الحمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا له أن سبب عدم قبول هذا الحمار وهذا الصيد أنهم محرمون، أنهم محرمون. هكذا جمع بعض العلماء بين الروايات الواردة في هذا الحديث. وبعضهم ذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل وفرق اللحم بين أصحابه، وفرق اللحم بين أصحابه، وهذا كما جاء عند البيهقي، لكن من طرق في أسانيدها ضعف. وقد حقق هذه المسألة الإمام ابن الملق رحمه الله تعالى كما في كتابه الإعلام بفوائد عمدة الأحكام. وبهذا نكون قد أتينا على نهاية أبواب وأحاديث كتاب الحج من عمدة الأحكام، فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، الذي بنعمته تتم الصالحات. ويأتي معنا إن شاء الله عز وجل في دروس قادمة الكلام حول كتاب البيوع، حول كتاب البيوع.