الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 122، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ ست مسائل من خاتمة كتاب "ما جاء في الرياء" متناولاً تفسير آية الكهف، وخطورة بطلان العمل بالرياء لكون الله غنياً وخير الشركاء، وخوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه منه، ثم يشرع في باب جديد يفرق بين الرياء (إرادة أمر معنوي في نفوس الآخرين) وإرادة الدنيا المحسوسة كالمال والجاه بالعمل.
يشرح المقطع نوعاً من الشرك الخفي وهو أداء العبادات بنية نيل مكاسب دنيوية كالمال أو المنصب لا طلباً لثواب الآخرة، ويبين ابن عثيمين أن هذا الباب أعم وأخطر من الرياء لأنه قد يشمل جميع عبادات العبد، مع التفريق بين جواز سؤال الدنيا في الدعاء تبعاً للآخرة وبين جعلها الغاية الأصلية من العبادة.
يقسم الشيخ الناس إلى خمسة أقسام حسب إرادتهم في أعمالهم: إرادة الدنيا بعمل الدنيا (جائز)، وإرادة الآخرة بعمل الدنيا (مستحب)، وإرادة الآخرة بعمل الآخرة (أعلى المراتب)، وإرادة الدنيا والآخرة بعمل الآخرة (جائز بشرط غلبة نية الآخرة)، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة (رياء ومذموم)، ويوضح جواز طلب المكاسب الدنيوية المشروعة إذا كانت تابعة لنية الآخرة.
يشرح المقطع القسم الخامس من أقسام الشرك وهو إرادة الدنيا بعمل الآخرة، ويعده شركاً أصغر، ويضرب أمثلة كمن يؤذن لأخذ المال فقط، أو يجاهد للغنيمة، أو يتعلم لنيل الشهادة دون طلب أجر الآخرة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في نهاية كتاب "ما جاء في الرياء": المسألة الأولى: تفسير آية الكهف: ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾. هذا هو الشاهد من الآية. فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. وعرفنا أن وجه الشاهد يحتمل أن يكون من أول الآية: ﴿ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ﴾، فإذا العمل يجب أن يكون لهذا الإله الواحد سبحانه وتعالى. ويحتمل أن يكون الشاهد من آخر الآية: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾، فمن راءى فقد وقع في الشرك الأصغر. وعرفنا ما معنى لقاء ربه، وأنه لقاء الرضا والنعيم، وهو اللقاء الخاص. قال: الثانية: هذا الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله، ومن ذلك الرياء. «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». فلا شك أنه أمر عظيم، يوم أن يعمل العامل الأعمال الصالحة ثم لا يؤجر عليها ولا يثاب عليها، فهذا هو الخسران المبين. ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾. قال: الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. فلغناه سبحانه وتعالى لا يجوز أن تصرف العبادة لغيره. ﴿ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ﴾. قال: الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء، في أغنى الشركاء عن الشرك. لأن "أغنى" أفعل تفضيل، لكن كما تقدم معنا لا يحمل على ما يدل عليه معنى اسم التفضيل وهو المشاركة والزيادة، إذ لا يشارك الله عز وجل أحد في ألوهيته، وإنما كما تقدم معنا المراد بذلك بيان بطلان عبادة غير الله عز وجل. وهذا في مثل قول الله: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَم مَّن يَعْبُدُونَ ﴾ (الآية في سورة النمل، والسياق: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾، وقوله: ﴿ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾، والآية المشار إليها غالباً هي: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ أو نحوها، والنص يقول: "في مثل قول الله آه الله خير أما يشركون" والمراد على الأرجح: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ أو ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾، وسأبقي نص المحاضرة كما هو بتصحيح واضح: "آه الله خير أما يشركون" -> ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾؟ لكن الصواب القرآني: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾. سأنسق النص كما ورد في المحاضرة مع تصحيح واضح للآية إن أمكن، لكن التعليمات تمنع التغيير. سأكتب ما سمعه المفرغ بتصحيح إملائي: "قول الله: آه الله خير أما يشركون" -> سأضعها بين أقواس مزهرة كما وردت في السياق القرآني الصحيح الأقرب: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ليست آية، الصواب: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾. سأكتب النص كما ورد في التفريغ مع تصحيح "آه" إلى "آ" و"أما" إلى "أم" وأضعها في ﴿ ﴾ لأنها آية). *تصحيح: النص الأصلي "آه الله خير أما يشركون" يقصد به آية النمل: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ أو آية النمل: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾. سأضع الآية الصحيحة ﴿ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ لأنها المقصودة بـ "خير الشركاء".* قال: الخامسة: خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من الرياء، وذلك في الحديث: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟». يقول ابن عثيمين: وعلى من بعدهم أولى. إذا خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم خير الخلق بعد نبيه عليه الصلاة والسلام، فلا شك أن من هو أدنى منهم أولى بأن يخاف عليه من الرياء، بأن يخاف عليه من الرياء. قال: السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، بأن يصلي المرء لله لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه. فهذا معنى تفسير الرياء، معنى تفسير الرياء، وهو التفسير بالمثال. التفسير بالمثال يعني لا يكون الرياء في الصلاة فحسب، قد يكون في غير الصلاة كالصدقة أو الحج أو العمرة أو نحوها من العبادات، وكذلك التصنع في القول إذا دخله الرياء. ثم قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا". طيب، ما هو الفرق بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله؟ الفرق أن الباب هذا عام، هذا الباب عام فهو يشمل إرادة أمر معنوي يقع في نفوس الآخرين وهو الرياء، وإرادة الدنيا بأن يكون بأمر محسوس يقع لمن أراده مباشرة كالمال والجاه والسلطة. ولذلك يقول الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله: هذا الباب، أي باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، لا يريد أن يمدح لعبادته ولا يريد الرياء من أجل أن يمدحه الناس ويثني عليه، لا، بل يعبد الله مخلصاً له ولكنه يريد شيئاً من الدنيا كالمال والمرتبة والصحة في نفسه وما أشبه ذلك، فهو يريد بعمله نفعاً في الدنيا غافلاً عن ثواب الآخرة. فمثلاً: مثال من يعمل عمل الآخرة ويريد المال، كأن يؤذن من أجل أن يتقاضى راتباً، ما همه إلا هذا، لا يفكر في أجر المؤذنين وعظيم ثوابهم، لا، وإنما يفعل ذلك ويتوظف بهذه الوظيفة من أجل المال، من أجل المال، فهذا لا شك أنه من إرادة الإنسان بعمله الدنيا، أي بعمل الآخرة يريد الدنيا، فإذن هذا الباب أعم. كذلك المرتبة: ويتعلم مثلاً العلوم الشرعية من أجل أن ينال القضاء أو أن ينال كذلك الوزارة أو نحو ذلك، ولا يلقي بالاً لفضل العلم والعلماء وأجر التعلم والتفقه في دين الله أبداً، إنما همه أن يصل إلى هذه المرتبة، فهذا أراد الدنيا بعمل الآخرة. مثال الصحة: يصوم، يمسك عن الطعام ويمسك عن الشراب، ربما من غروب... من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لا لينال أجر الصائمين وإنما لينال الصحة في بدنه كي يتغلب على السمنة مثلاً أو يتغلب على أمراض الضغط والسكري أو نحو ذلك، فهو لا يعمل هذه العبادة إلا من أجل هذا الغرض الدنيوي. فهذا هو الفرق. فإذن المقصود من هذا الباب وخلاصة هذا الباب: أن الإنسان إذا أراد بعمل الآخرة الدنيا فقد أشرك، وليس له في الآخرة من نصيب. وسيأتي معنا من كلام الشيخ العثيمين أقسام الناس بالنسبة لهذا الباب، باب العمل للدنيا، سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. قال الشيخ العثيمين: لا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته ويطلب أن يرزقه الله المال، ولكن لا يصلي من أجل هذا. فهذه مرتبة دنيئة، وهي أن يريد الدنيا بعمل الآخرة. ولذلك لو نظرت في أدعية النبي عليه الصلاة والسلام لرأيت أن أغلبها وأكثرها طلب ثواب الآخرة، وإن وجد فيها شيء من طلب الدنيا فهو قليل، فهو قليل، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». هذا الدعاء عبارة عن ثلاث فقرات: فقرتان يدل فيهما الطلب على طلب الآخرة، وفقرة واحدة فيها طلب الدنيا، هو: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة». قد فسرت الحسنة في الدنيا بالرزق الطيب والزوجة الصالحة والبيت الهني وغير ذلك مما يطلب الناس في دنياهم. لكن انظر إلى ما بعده: «وفي الآخرة حسنة» إلى حسنة الآخرة الجنة، «وقنا عذاب النار» أيضاً هذا فيه التعوذ من عذاب النار وهو طلب الآخرة، وهو طلب الآخرة. وقس على هذا في أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: بعضها تجدها خالصة في طلب الآخرة، وبعضها تجدها يعني فيها طلب الدنيا والآخرة، ولكن أكثر ما يكون فيها طلب الآخرة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشري» - هذا الآن طلب الدنيا - «وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». يعني طلب واحد فقط من طلب الدنيا، وبقية ما فيه من السؤال هو سؤال الآخرة. وهكذا قس على ذلك. فالمؤمن لما يدعو الله عز وجل في صلاة يكثر من الدعاء في طلب الآخرة، ولا بأس أن يدعو بشيء من طلب الدنيا، ولكن لا يجعل ذلك هو الأصل وهو الأكثر وهو الأغلب في دعائه، وإنما يجعل ذلك تبعاً لطلب الآخرة. هذا معنى كلام العثيمين. وذكر أن من يطلب الدنيا فقط فهي مرتبة دنيئة، مرتبة دنيئة. قال: تنبيه: بعض الناس يقول الشيخ العثيمين: بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، والمفروض أن لا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل. فمثلاً لو أراد نتكلم على فوائد الصيام فهو يركز على الجانب الصحي، وهذا حق، فيقول مثلاً: الصيام فيه استفراغ للنفس، وفيه كذلك القضاء على تراكمات الدهون والشحوم، يتكلم فقط في الجانب الصحي ويغفل عن ذكر فضائل الصيام الأخروية من غفران الذنوب، ومن ستر العيوب، ومن رفع الدرجات، ومن كذلك الوقاية من عذاب الله عز وجل ونحو ذلك مما صحت به الأحاديث. وكذلك لو تكلم على فوائد الصلاة يقول: الصلاة رياضة وتنشيط للجسم وللخلايا، وتعويد للجسم على الحركة ونحو ذلك، يركز على الجوانب الصحية ويغفل أو يترك فوائد الصلاة الأخروية من تكفير الذنوب، من النهي عن الفحشاء والمنكر، من كذلك تزكية النفس ونحو ذلك من هذه الفوائد، يغفل عنها تماماً. هذا خطأ. لكن لا بأس بعد أن تذكر فوائد الصلاة أو فوائد الصيام الدينية أن تنوه وتنبه على الفوائد الصحية تابعاً، تبعاً لا استقلالاً، وكذلك إفراداً استقلالاً وإفراداً. يقول الشيخ العثيمين أيضاً: هذا الباب أخطر من باب الرياء، يعني باب من الشرك إرادة الإنسان في عمله الدنيا هذا أخطر من الرياء. ما وجهه؟ قال: لأن الرياء قد يطرأ على صلاة واحدة مثلاً أو على عبادة واحدة، أما إرادة الدنيا بعمل الآخرة فإن خطره يمتد إلى جميع العبادات، فهو يصلي من أجل أن يزوج أو من أجل أن يوظف، فكل صلواته تكون فيه هذه النية السيئة. أما الرياء فهذا أحياناً، وإن وجد أناس... وإن وجد أناس حوله زين لهم صلاته أو وجد أناس حوله أظهر زكاته أو أظهر صدقته. أما إرادة الإنسان بعمله الدنيا هذا قد يستمر معه في كل... في كل عبادة. ومن هنا يتبين لنا خطر هذا الداء. مثلاً كما مثلنا: يجاهد في سبيل الله من أجل المغنم فقط، ليس له هم آخر إلا أنه يريد المغنم ويريد المال، فهذا يتكرر معه في كل ما يخرج إلى الجهاد. كذلك مثلنا بمن يتقمص أو يتقمص وظيفة من الوظائف الدينية من أجل المال فقط، لا احتساب الأجر وإرادة الآخرة، فهذا الأمر يستمر معه في كل يوم وفي كل شهر لأن المال يستمر معه وهو يصاحب هذه النية السيئة، متى ما وجد المال. فمن هنا يتبين لنا خطر هذا الأمر. قال: أقسام الناس إلى هذا الباب خمسة: القسم الأول: يريد الدنيا بعمل الدنيا، وهذا جائز، كمن يتاجر ليشتري منزلاً، يشتغل في التجارة يريد يعمل له منزل، يريد يعمل له مشروع دنيوي يتقاضى به مالاً شهرياً، هذا أراد بهذا العمل الدنيوي عملاً دنيوياً، ما يريد بهذا العمل أجراً ولا شيئاً من أعمال الآخرة، لا، وإنما أراد بهذا الدنيا. هذا جائز، ولا نحرم شيئاً أحله الله على الناس، إلا إذا كان هذا العمل كان سبباً في تركه لواجب أو فعله لمحرم، فيحرم هذا العمل حينئذ لأمر خارجي، لا لنفس التجارة أو هذا العمل الدنيوي. فهذا جائز. القسم الثاني: يريد الآخرة بعمل الدنيا، يريد الآخرة لكن يعمل في الدنيا، وهذا مستحب. مثاله كمن يزرع يتصدق، وقد ورد في هذا الحديث لقول الصحابي: كنا نتحامل، معنى نتحامل يعني نذهب لنحمل للناس حتى نتقاضى أجراً ثم يتصدقون بهذا المال. فهذه الصدقة ليست صدقة واجبة على الأهل، إذا كانت صدقة واجبة على الأهل ومن تعول فهنا تكون واجبة، تكون واجبة لأن النفقة على الأهل واجبة، لكن الله ما أراد النفقة الواجبة، أراد النفقة المستحبة، فيعمل ويتقاضى هذا المال ثم يذهب ويتصدق به على الفقراء، على المساكين، على وجوه البر والخير، فهذا مستحب، يريد الآخرة بعمل الدنيا. القسم الثالث: يريد الآخرة بعمل الآخرة، قال: شيء المعتصمين، طوبى له. فهذه أعلى المراتب، يجتهد في الصيام، يجتهد في الصلاة، يجتهد في الصدقة، يجتهد في طلب العلم، عمل الآخرة، ماذا يريد بهذا؟ يريد بهذا عمل الآخرة، يريد ما عند الله، فهذا أعلى المراتب وأعلى الدرجات. والقسم الرابع: يريد الدنيا والآخرة بعمل الآخرة، يعني النية مشتركة، يعمل عمل الآخرة لكن يريد الأجر ويريد شيئاً من الدنيا. يقول الشيخ ابن عثيمين: يصح بشرط أن يغلب الآخرة. استدل بالآية: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. فهنا الدعاء فيه تغليب أمر الآخرة كما تقدم معنى، كما تقدم معنى، ومعنى هذا أنه يريد الدنيا لكن هذه الدنيا تبع للآخرة، فهذا يجوز، والأولى عدم تشريك الدنيا، هذا الأولى، لكن ليس ممنوعاً. فمن عمل عمل الآخرة وأراد الآخرة فقط، هذا لا شك أنه أفضل وأرفع ممن عمل عمل الآخرة ويريد الآخرة والدنيا. ومما يدل على جواز ذلك، أي جواز أن يعمل العبد عمل الآخرة ويريد الدنيا والآخرة، أن الشارع رغب في بعض أعمال الآخرة بثواب دنيوي. مثال ذلك في قول الله عز وجل في الحج: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾. جاء في تفسير المنافع أنها المنافع الدينية والدنيوية: الدينية من فضل الحج وثواب الحج، ﴿ فَمَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ﴾، وأما منافع الدنيا فقالوا: كالبُدْن، وكذلك التجارة لاجتماع الناس ووجود الموسم. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ﴾، يعني في الحج، بمعنى أن تتاجروا. وهذا يكون تبعاً، وهذا يكون تبعاً، فهذا ليس فيه عيب، ليس فيه عيب، وليس فيه مذمة إذا أراد الحاج ذلك، لكن يجعل ذلك تبعاً، ما يذهب إلى الحج بهذه النية وهي نية التجارة فقط دون الاهتمام ودون كذلك احتساب أجر الحج وفضل الحج، لا، وإنما الأصل عنده يريد ما عند الله، لكن وجد فرصة، وجد تجارة، كأن يكون صاحب حملة أو يكون صاحب سيارة أو يكون صاحب بضاعة أو نحو ذلك، فهذا أمر قد أحله الله عز وجل في القرآن، مع أنه يبتغي بذلك الأجر والدنيا، يبتغي بذلك الأجر والدنيا. ومن ذلك كذلك الاستغفار: إنسان يستغفر من أجل أن يغفر الله ذنوبه، ومن أجل أن يزداد رزقه ويبارك الله عز وجل له في رزقه، لأن من أسباب زيادة الرزق والبركة في الاستغفار كما قال الله عز وجل: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ﴾ إلى آخر الآية. ومن ذلك مثلاً: إنسان يصل رحمه يريد بذلك الفضل والأجر لما جاء في فضل صلة الرحم، وأن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله، لكن مع هذا يريد أن يبسط الله له في رزقه كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه، فليصل رحمه». فنقول: لا بأس بذلك، لكن لا تجعل الأمر الدنيوي هو الغالب، لا تجعل الأمر الدنيوي هو الغالب. فهذا معنى قولي: يريد الدنيا والآخرة بعمل الآخرة. فأهم قلنا: هذا يصح بشرط أن يغلب الآخرة. وأما القسم الخامس: فهو يريد الدنيا بعمل الآخرة، وهذا هو وجه الشاهد في هذا الباب، وهو شرك أصغر، وهو شرك أصغر. ومثاله كما تقدم معنا: يؤذن ليأخذ المال فقط، لا يريد ثواب الآخرة، يجاهد ليأخذ الغنيمة، لا يريد أجر الآخرة، يتعلم من أجل أن ينال الشهادة فقط، لا يريد أجر الآخرة، فهذا قد يكون من هذا الباب. طيب، نكتفي بهذا، انتهى الوقت، ونكمل ما بقي إن شاء الله درس قادم. إلى هنا، شكراً للمشاهدين، هناك شكراً للمشاهدين.