الدرس في شرح الأصول الثلاثة 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك إلى توحيد الله، وتقوم على عبادة الله وحده. يُفسر الحنيف بأنه المائل عن الباطل إلى الحق.
ملة إبراهيم تقوم على توحيد الله وإخلاص الدين له، بينما ملة الشيطان تقوم على الكفر والشرك. فهم ملة إبراهيم يساعد على تجنب ملة الشيطان.
التوحيد هو أعظم ما أمر الله به، والأنبياء بُعثوا لتوحيده. العمل الصالح يزداد أجره إذا كان خالصا لله، والاهتمام بالتوحيد يجب أن يكون في السلوك والأقوال والأعمال.
النصر يكون للعابدين المخلصين، والتوفيق للطاعة يحتاج إلى سؤال الله. يُستحب الصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، ومعنى يعبدون يوحدون. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾. في هذه الفقرة، إخواني في الله، والتي ستكون هي المقدمة الثالثة التي قدم لها المؤلف رحمه الله تعالى لرسالته. فالمقدمة الأولى كانت بقوله: اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، والمقدمة الثانية في قوله: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث مسائل، والمقدمة الثالثة هذه التي بين أيدينا، والذي استفتحها بقوله: اعلم أرشدك الله لطاعته. وهذه الفقرة، إخواني في الله، كذلك نبه المؤلف رحمه الله تعالى على مسائل هي من الضرورة بمكان أن يتأمل فيها المسلم وما تعين على فهم الرسالة حق الفهم. فقال في مطلع هذه الفقرة الثالثة أو التمهيد الثالث: اعلم. وقد مر معنا تكرار ومرار ما معنى العلم، وهو اعتقاد الجازم المطابق للواقع. وفائدة هذه الكلمة أنه يؤتى بها للتنبيه على الأشياء المهمة. وقوله رحمه الله تعالى: أرشدك الله لطاعته، قلنا في هذا الأسلوب بيان لحسن سريرة المؤلف رحمه الله تعالى، وكيف أنه دائما وأبدا وأكثر ما يقع من ذلك في رسائله رحمه الله تعالى أنه يخص القارئ بالدعاء، يخصه بالدعاء إما دعاء بالرحمة أو الدعاء بالمغفرة أو دعاء بالرشد كما فعلها هنا. وهذا يدلك على حسن سريرته رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وأما قوله: أرشدك الله، الدعاء لك بالرشد، والرشد يقول علماء في تعريفه: هي الاستقامة على طريق الحق. الرشد هي الاستقامة على طريق الحق، هذا معنى الرشد، وضده الغي كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فقد تبين الرشد من الغي﴾، فقد تبين الرشد من الغي. فعكس الرشد الغي، فالمؤلف رحمه الله تعالى دعا لك بالرشاد وأن تكون ممن تستقيم على طريق الحق. قال: أرشدك الله لطاعته، والطاعة هي الموافقة على وجه الامتثال اختيارا لا كرها، هو الموافقة على وجه الاختيار. قوله رحمه الله تعالى: اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم. الملة تأتي بعدة معان، تأتي بمعنى الدين، تأتي بمعنى الشريعة، أو بعض العلماء يفسر الملة بأنه كل قول أو فعل اجتمع عليه فئام من الناس، لكن أكثر ما يستخدم بمعنى الشريعة والدين. فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: أن ملة إبراهيم هي الحنيفية، ما معنى الحنيفية؟ دائما تتكرر هذه الكلمة الحنيفية ونحن حنفاء، وهذا والدين الحنيف الدين الإسلامي، الدين الحنيف ما معنى الحنيفية؟ ما معنى الحنيف؟ يقول علماء كما ذكر ذلك ابن الأثير رحمه الله تعالى: أن الحنيفية مأخوذة من الحنيف، والحنيف أصله من الحنف، والحنف هو الميل. فالحنيف هو المائل، إذن عندنا الحنيفية مأخوذة من الحنيف، والحنيف أصل من الحنف، معنى الحنف أي الميل، إذن معنى الحنيف المائل، أي معنى الملة الحنيفية أي الملة المائلة. إلى هذا الحد قد يقول قائل: وهل هذا مدح أن يقال لفلان أنهم مائلون؟ نعم، هذا مدح إذا عرفنا من المقصود بالميل هنا. أن الدين الإسلامي هو دينه حنيف، أو أن أتباع هذا الدين هم الحنفاء، إذن هم حنفاء من ماذا؟ عن ماذا مالوا؟ قال علماء: الحنيف هو الذي مال عن ملة الشرك، الذي مال عن ملة الشرك. لو افترضنا أن الشرك هاهنا في هذه البقعة في هذا الطريق في هذا الدرب، وأنت ملت عنه، فأنت الحنيف؛ لأنك بميالانك عن هذه الملة أين ستذهب؟ تذهب إلى ملة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان إبراهيم عليه السلام كان إمام الحنفاء، فكان يميل عليه السلام عن ملل الكفر والشرك في زمنه، فكان إمام الحنفاء. ولهذا وجب على كل من أراد أن يكون حنيفيا أن يميل عن ملل الشرك والكفر، هذا الذي يقصد العلماء من قولهم: أن الطريقة الحنيفية هي الطريقة المائلة. فإن الحنيف هو المائل، وكذلك استخدامات كلمة الحنيف، وأن الحنف بمعنى الميل هو موجود في هذا الأزمان. فتجد أنه يقال عن فلان الذي عنده ميل في قدمه: يقال فلان أحنف، فلان أحنف. يطلق هذا اللقب وهذا الوصف الأحنف على من كان فيه ميل في قدمه. وهكذا تطلق الحنيفية على الملة المائلة. فقوله رحمه الله تعالى: اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم، إذن علمنا ما معنى الحنيف هو المائل. وقد فسر ابن القيم رحمه الله تعالى بعبارة ماتعة، فسر فيها الحنيف بقوله: الحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سوى الله. فكونك أن تعرض عما سوى الله وتقبل لله عز وجل وتقبل على الله، فأنت يا عبد الله الحنيفي. فقال رحمه الله تعالى: أن الحنيفية ملة إبراهيم، قال: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. طيب إذا علمنا أن ملة إبراهيم هي الملة الحنيفية، هذه الملة الحنيفية، إخواني في الله، تقوم على أمرين اثنين، تقوم على مقامين اثنين لا بد منهما، من تخلف عن أحد هذه المقامات أو انخرم عنه أحد هذين الوصفين فقد خرج من الملة الحنيفية. ما هما الركنان؟ أن تعبد الله وحده، الثاني مخلصا له الدين، كما قال مؤلفنا: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها. ونعم، هكذا أمر الله جميع الخلق بأن يكونوا من أتباع إبراهيم عليه السلام الذي أتى بالملة الحنيفية، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾، أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا. فنحن مأمورون، إخواني في الله، باتباع ملة إبراهيم عليه السلام. وإن سألت يا عبد الله: ما هي ملة إبراهيم؟ هي الملة الحنيفية، فما هي الملة الحنيفية؟ تقول: هي القائمة على أمرين اثنين، على عبادة الله وحده وعلى إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى. وهذه المسألة، إخواني في الله، فهمها مهم، فهمها مهم. لماذا مهم؟ لأنك بهذه الطريق، بهذه الملة، ستتعرف على الملة العوجاء وهي ملة الشيطان. فعندنا ملة إبراهيم عليه السلام، وعندنا ملة الشيطان. ملة إبراهيم تقوم على أمرين اثنين، ويقابلها ملة الشيطان وتقوم كذلك على أمرين اثنين، كلٌ يعرض الثاني. فملة إبراهيم عليه السلام تقوم على أن تعبد الله وحده، والثاني على إخلاص الدين لله. وملة الشيطان تقوم على أمرين يتقابلان مع ذلك، فملة الشيطان تقوم على عدم عبادة الله وهي الكفر، وتقوم كذلك على اتخاذ شريك مع الله في العبادة، وهذا يسمى الشرك. فملة الشيطان تقوم على الكفر وتقوم على الشرك. فالكفر هو أن لا تعبد الله، ويخالفه أن تعبد الله وحده. وملة الشيطان الشرك، وهو أن تجعل لله شريكا. وهنا إخلاص الدين لله. فبمعرفتك يا عبد الله إلى ملة إبراهيم ستتعرف على ملة الشيطان. ملة إبراهيم، كونك يا عبد الله أن تتفرغ لعبادة الله جل وعلا تكون عابدا لله، تتعبَّد إلى هذا المألوه حقا وصدقا. فكونك لا تعبد الله فأنت في عداد الكفار، فتكون من ملة الشيطان. وكونك تعبد الله لا تجعل مع الله شريكا، وهذا هو الإخلاص، أن لا تجعل مع الله شريكا. والناس، إخوانا في الله، بين مراتب الحنفاء يتفاوتون. فمن الناس من لا يعبد الله، من لا يعرف الله، لا في سراء ولا في ضراء، لا في صغره ولا في كبره، فهذا هو الكافر. وبعض الناس قد يعبد الله لكن يجعل معه شريكا، فلا يكون من المخلصين. فكونك يا عبد الله تخرج من هذه الرتبة، تقع في ملة الشيطان لا محالة. فينبغي لنا أن نتفقه وأن نعلم ما هي ملة إبراهيم الذي أُمرنا بالتزامها: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾. كثير من الناس من يدعي أنه من أتباع إبراهيم الحنيف عليه السلام وأنه من الحنفاء، لكن إن رأى في نفسه يرى أنه ما كان من الحنفاء أصلا ولا رأسا، وذلك إنه قد انخرم إما بترك العبادة لله أو أنه أشرك مع الله سبحانه وتعالى. والكفر والشرك ليست من ملة إبراهيم، وإنما هي من ملة الشيطان. وهنا مسألة ذكر العلماء: وهي أن الأنبياء كثر ولهم فضائل، فلماذا جعل إبراهيم عليه السلام هو رأس الحنفاء؟ ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾، هناك موسى هناك عيسى لهم من الفضائل ما لهم، لماذا اختص إبراهيم عليه السلام بالرمز الذي يرمز، قال العلماء لذلك أجوبة. ومن ذلك ما أجاب به ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، ذكر أن الله جل وعلا جعل إبراهيم عليه السلام إماما لكثير من معالم الدين. إبراهيم، جل في علوه، خليل الرحمن، جعله ربنا جل وعلا في كثير من المقامات رأسا، ورفع الراية معالم التوحيد في عدة مقامات. فمثلا في باب الولاء والبراء رفع الراية، فهجر أباه وهجر قومه وهجر قرية لله عز وجل. وفي باب التوحيد والفداء أراد أن يضحي بابنه عليه السلام. وما يتعلق بمناسك الحج فهو الذي قامها وهو الذي أثارها وهو الذي بنى قبلة الموحدين عليه السلام. بل حتى ما يتعلق بتفاصيل الشرائع، مسألة الختان ما عرفت إلا عن طريق إبراهيم عليه السلام. فكان إبراهيم رمز لكثير من معالم التوحيد، ولهذا كان يختص بالاتباع من غيره من الأنبياء والرسل. قال جل في علاه: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾. وقال سبحانه: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾. ثم قال رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال: ومعنى يعبدون يوحدون. هذه من معاني العبودية وهي التوحيد، وهذا أثر منقول وأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه فسر: يعبدون يوحدون. والعبادة أعم من التوحيد، وهذا سيأتينا إن شاء الله في صلب الموضوع ما يتعلق بالعبادة، ما يتعلق تعريف العبادة لغة واصطلاحا وما يتعلق بتفريعاتها يترك إن شاء الله في صلب الموضوع. قال: وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. التوحيد هو أعم من هذا، يقول علماء: التوحيد هو إفراد الله بحقوقه، إفراد الله بحقوقه. ويدخل في ذلك إفراد الله بالعبادة، إفراد الله بالربوبية، إفراد الله بالأسماء والصفات. لكن قد ذكرنا ذلك أن المؤلف رحمه الله تعالى صلَّط وركَّز الأضواء على العبودية؛ لأن في هذا الباب الذي طمَّ الجهل به ووقع الشرك فيه. قال: وأعظم ما أمر الله به هو التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه. وقد جاء في تعريف الشرك في السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «أن تجعل لله ندا»، أن تجعل لله ندا، وهو خلقك. والندية كذلك عامة، فكونك تجعل لله ندا في الخلق، تجعل لله ندا في الرزق، تجعل لله ندا في الربوبية، في الأسماء والصفات، في الألوهية، في العبادة، كل ذلك شرك. لكن المؤلف رحمه الله تعالى ركز على مفردات العبادة وهو الشرك في دعوة الله جل وعلا لكثرة الوقوع في هذا الباب ولجهل الناس. فأشهد إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى بيَّن في هذه الفقرة حقيقة ملة إبراهيم الذي أُمرنا باتباعها، وهو عبادة الله وحده، وأن يكون الدين لله جل وعلا خالصا. والخالص والصافي كما قال صاحب غريب القرآن: الخالص والصافي والذي نُقي من الشوائب بعد ما كانت فيه. وبين المؤلف رحمه الله تعالى أن أعظم ما أمر الله به التوحيد. وهذه فائدة إخواني في الله، وهي دلالة على أهمية التوحيد. نعم، أعظم ما أمر الله جل وعلا به التوحيد. ويكفيك دلالة ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الله جل وعلا ما خلق الكائنات من إنس ولا من جان إلا لتوحيد الله جل وعلا. ربنا جل في علاه ما بعث الأنبياء ولا الرسل إلا لتوحيد الله جل وعلا. ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. الأنبياء ما كانوا يأتون إلى أقوامهم وما قرعوا أبواب أقوامهم إلا بتوحيد الله جل وعلا، قائلا: يا قوم أعبدوا الله. نبينا عليه الصلاة والسلام كان يرسل للدعاة إلى الأقاليم وللقرى وللأرياف والبوادي الدعاء مما يدعونهم لله جل وعلا. وكان أول دعوة الدعاة إلى أقوامهم إلى توحيد الله. «يا معاذ إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». نبينا عليه الصلاة والسلام ما شرع الجهاد وما شرع القتال ضد الكفار إلا ليعبدوا الله. «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله». التوحيد، إخواني في الله، أول ما يدخل به العبد إلى الإسلام، من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. وآخر ما يخرج به العبد من الدنيا التوحيد. هو كل شيء، الفضائل، الغنائم، الكرامات، المناقب، يا عبد الله، لا تكون إلا في توحيد الله. والعمل الصالح كلما كان فيه توحيد كلما عظم أجره، كلما عظم أجره وكثرت فضائله ومناقبه. بعد هذا كله، إخواني في الله، ما الذي يتحتم على المسلم؟ يتحتم على كل فرد منا أن يعتني بالتوحيد اعتناء عظيما، اعتناء عظيما. إخواني في الله، التوحيد هو ليس فقط التلفظ بلا إله إلا الله، بل التوحيد، إخواني في الله، أن تستشعر حتى في سلوكك، توكلك، دلالة على توحيد الله، صدق التوكل، صدق الاعتماد، الرغبة، الرجاء، الخشوع، الخضوع، كل ذلك من مفردات التوحيد. ولا يخفى إخوانا في الله قصة المرأة البغي التي سقت الكلب بخفها، وموقعها، ففي تمام الحديث أن الله غفر لها. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتبع على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، على أن هذه المسألة: وهو أن الزاني عندما سقت الكلب بخفها، هل معناه أن كل بغي أو كل عاهر أو كل فاسق إذا وجد كلبا فأسقى غفر الله له؟ لا، ما هذا المقصود. وإنما قال علماؤنا: شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إنما جازاها الله لما جازاها لعظم التوحيد الذي في قلبها. سقت هذا الكلب وكلها رجاء، وكلها صدق الاعتماد على الله في أن الله يغفر لها ذنبها. فلقوة علقها بالله جازاها الله بعظم الجزاء. فكلما كان العمل صلاة، زكاة، نافلة، قربة أو فضل أو نافلة منذوبة، إذا كان فيه شيء من تعظيم التوحيد ومفردات التوحيد، كما سيأتينا في الرسالة، كان ذلك له أعظم أجر لعامله ولعمله. وبهذا، إخواني في الله، ينبغي الاهتمام بالتوحيد، الاهتمام الحقيقي، أن يكون ذلك في سلوكنا، في أقوالنا، في أعمالنا، في سويداء قلوبنا، قبل هذا وذلك يكون حتى في واقعنا. ونحن كدعاة أهل السنة والجماعة، ولله الحمد، أهل السنة والجماعة هم من أول الناس اهتماما، من أشد الناس اهتماما، بدعوة الناس إلى التوحيد والعقيدة. تجد في مساجدهم، تجد في مدارسهم، تجد في مؤلفاتهم، تجد في نصائحهم، تجد في قطبهم الدعوة إلى التوحيد، تحقيق التوحيد، معالم التوحيد، النهي عن الشرك، النهي عن صور الشرك. بخلاف غيرهم من الجماعات، بخلاف غيرهم من الدعوات، الذين لا يرفعون رأسا بالتوحيد. ومن لم يرفع رأسا بالتوحيد، فإنه له القيام، وأن له النصرة. ولهذا نرى من نرى: كلما قامت جماعة وقامت دعوة وجعلت أو أخرجت من برنامجها الدعوي الدعوة للتوحيد، إما إلغاء أو تهميشا أو احتقارا، يوجد من الجماعات من تحقر التوحيد، حتى سمعنا من سمعنا يقول: أن دعوة التوحيد تفرق بين الناس، فما داعي لها؟ ما في داعي لها. أنا كيف أدعو في قوم أو في مجتمع، إذا قلت: وحد الله مخلصين له الدين واتباع الرسول، خرج أولئك المبتدعة. وإذا أمرت بالأسماء والصفات خرج عني الأشاعرة والمعتزلة. وإذا دعوت إلى كذا خرج عني كذا، فقال: إذا ماذا أفعل؟ إذا أنسوا وغطي عن التوحيد، لا أتكلم بالتوحيد، أتكلم بفضائل الأعمال، أتكلم بالأخلاق والسلوكيات، فهذا يكفي أن أجمع الناس. لا، يا عبد الله، هذا لا يكفي. وإنما أمرت بدعوة الناس، فاصدع بما تؤمر. فاصدع بما تؤمر، يا عبد الله، وادعو الناس إلى توحيد الله جل وعلا. فلا قائمة لعبد كائن من كان، أو لجماعة كائن من كانت، إلا بتوحيد الله جل وعلا. كما فعل نبينا صلواته ربي وسلامه عليه، كرس السنوات الطوال، ثلاثة عشر سنة، جعلها في مكة دعوة إلى توحيد الله جل وعلا. وذلك حتى يبني اللبنة الصلبة التي بعد يقوم الدين ويعظم الشرع. وهذا الذي فعله نبينا عليه الصلاة والسلام. فإخواني في الله، التوحيد أعظم ما أمر الله جل وعلا به، فعلينا من جميعا الصغير والكبير، والذكر والأنثى، وكذلك العالم وغير العالم، والداعي والطالب، الجميع أن يعتني بالتوحيد، الدعاء للاعتناء الحقيقي، إما تدريسا وإما تعليما وإما تطبيقا وإما سلوكا. فإن الظفر والنصر والغلبة إنما يكون للعابدين الله المخلصين. فأسأل المولى جل وعلا أن يوفقنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.