الدرس في شرح الأصول الثلاثة 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل الإيمان باليوم الآخر كأحد أركان الإيمان، ويتطرق إلى تفاصيل مثل البعث والحساب والجزاء، والإيمان بالجنة والنار، وفتنة القبر وعذابه ونعيمه. يؤكد على أهمية هذه العقيدة في الإسلام وأثرها على سلوك المسلمين.
يتناول هذا الفصل الرد على منكري عذاب القبر ونعيمه، موضحًا أن هذه المسألة من علم الغيب الذي ابتلى الله به عباده. يُبين أن الإيمان بالغيب هو من أعلى مراتب الإيمان، وأن عذاب القبر ونعيمه لا يمكن إدراكهما بالعقل البشري أو المشاهدة الحسية.
يشرح هذا الفصل مفهوم القضاء والقدر ومراتبه الأربع: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، ويؤكد على أهمية الإيمان بها. كما يبين أن الشر في نظر البشر قد يكون خيرًا في تقدير الله، وأن الإيمان بالقضاء والقدر يتطلب التسليم لأمر الله دون الخوض في أسبابه.
يُشير هذا الفصل إلى أن للعبد مشيئة خاصة به، لكنها في النهاية تتبع مشيئة الله تعالى، مستدلاً بالآية الكريمة. يُختتم بالتأكيد على أهمية التوكل على الله والدعاء بأن ينفع بما قيل.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا يا إخواني في الله في المرتبة الثانية من مراتب الدين، وهو ما يتعلق بمسائل الإيمان، من ذلك ما يتعلق بأركانه، وهكذا بشعبه. ومر معنا من أركان الإيمان الإيمان بالله جل وعلا، والإيمان بكتبه ورسله وبالملائكة، وعرجنا على أهم المسائل المتعلقة بهذه الأركان من أركان الدين. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: "واليوم الآخر"، كذلكم لا يصح الإيمان من أحد حتى يؤمن باليوم الآخر، وهو الإيمان بيوم القيامة. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يعتقدون أن لهذه الدنيا فترة ومدة، وبعد ذلك تزول، وبعد ذلك تزول هذه الأرض وتبدل بسماوات غير هذه السماوات، ويكون لها شأن عظيم. وهذه عقيدة من عقائد أهل الإسلام الراسخة التي من لم يذعن لها فهو كافر، وهو ملحد، وهو مشرك. وبعض أهل الكتاب يؤمنون بهذه العقيدة، وإن كان بعضهم أصبح يؤول ويبتعد عن إذعان لهذه المسألة. لكن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان لا يكون ولا يتم إلا بالإيمان باليوم الآخر. وقد ذكر العلماء أن الإيمان باليوم الآخر يتطلب منه أمور ويستلزم منه أمور، من ذلك أن يكون اليوم الآخر من أركانه أن تؤمن بالبعث، فالبعث وإحياء الموتى من قبورهم، فهذه من الإيمان باليوم الآخر أنك تؤمن بأن الله جل وعلا يبعث من في القبور. قال ربنا جل وعلا: ﴿من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن﴾، فربنا جل وعلا يبعث الأموات من قبورهم، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة. وكان الكفار ينكرون هذه العقيدة، قال ربنا جل وعلا: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾، فكان من وصف الكفر والكفار أنهم أنكروا البعث، وأنكروا النشور. وكانوا يستبعدون أنهم إذا أصبحوا رميمًا وأصبحوا رفاتًا أنهم يرجعوا أحياء كما كانوا، فكانوا يستبعدون هذه الهيئة وهذه الحال. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن اليوم الآخر لا يكون إلا بالبعث بعد الموت. كذلك من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالحساب والإيمان بالجزاء، فإن الله جل وعلا في هذا اليوم، في يوم الآخر، يوم القيامة، يحاسب الناس، من كان طائعًا يحاسبه على أعماله الصالحة، ومن كان مفسدًا، من كان مجرمًا، من كان متطاولًا على ربه جل وعلا، يجد جزاء هذه الأفعال المشينة. وهذا من كمال عدل الله جل وعلا، أنك يا عبد الله تعلم أن هناك يوم ينصف الله جل وعلا أهل الإنصاف، وينتقم من أهل الظلم والجور والعدوان والبغي. إذ لو لم يكن هذا اليوم لاضطربت أحوال الناس، لكان الناس في هذه الدنيا الكل يأخذ حقه بنفسه، ويستأثر بالفساد. إذا كان ما هناك حساب ولا جزاء، فما الذي يردعه؟ لكن عندما كانت هذه العقيدة راسخة عند أهل الإسلام عمومًا، تجد منهم أنهم يراقبوا أعمالهم ويهتموا بأفعالهم، لعلمهم أنه سيأتي يوم يحاسبون فيه. قال ربنا جل وعلا: ﴿إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾، وهناك الصراط، وهناك الميزان، وغير ذلك من الأمور التي يحاسب فيها ربنا جل وعلا العباد على كل ما فعلوه، كل ما فعلوه سواء كان مثقال ذرة من خير أو مثقال ذرة من شر، فإنهم سيحاسبون على ما فعلوه. وهكذا من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالجنة والنار، أن الله جل وعلا خلق الجنة وجعلها دارًا للأبرار، وخلق النار وجعلها دارًا للكفار والفجار، وأعدَّ فيها ما أعدَّ للمحسنين من جناتٍ وأنهار، ومن دور ومن خيراتٍ حسان. وأعدَّ لتلك دار الشقاء وجهنم وبئس المآل، جعل فيها ما يكون فيها العذاب والرجس لأهل الكفر وأهل البغي والعدوان. فأهل السنة يؤمنون بهذا، ويؤمنون بكل ما يتعلق باليوم الآخر. وكذلك أضاف العلماء مما له تعلق باليوم الآخر ما يتعلق بالقبر، وما يتعلق بالبرزخ، وذلك في مسألتين اثنتين: المسألة الأولى الفتنة، أن الناس يفتنون في قبورهم، وهناك فتنة، وهناك ابتلاء، وهناك تمحيص، وهناك سؤال في القبر. ما منا من أحد إلا وسيبتل بهذا الابتلاء، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في ذلك، منها ما جاء في الصحيح المسند في مسند إمام أحمد من حديث البراء بن عازب في حديث حال الميت إذا وضع في قبره، فإنه يخرج إليه ملكان أسودان أزرقان، فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فهذه من الفتنة التي سيسأل عنها العباد في قبورهم، يسألون عن دين الله جل وعلا، وحينها العبد سيجيب على قدر عمله. لا تظن يا عبد الله أن الإجابة تكون بحفظ، لا تكون بحفظ. بعض الناس إذا سمع بعذاب سؤال الملكين يقول: سأحفظ الأسئلة وأجيب عليها. لا يا عبد الله، إنما الثبات على قدر الإيمان، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. الثبات لأهل الإيمان، لا لأهل الحفظ الذي يحفظ الأسئلة والأجوبة كما يدعي من يدعي من المتحذلقين. فاعلم يا عبد الله أن من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بفتنة القبر. وكان نبينا كثيرًا ما كان يستعيذ من فتنة القبر، كثيرًا ما كان يستعيذ من فتنة القبر، كما يقول لأصحابه: «تعوذوا بالله من فتنة القبر، تعوذوا بالله من فتنة القبر»، لأن القبر يا عبد الله هي أول مراحل الآخرة. فمن جاوزها بخير فما بعدها أيسر وأسهل، وأما إذا لم يستطع أن يتجاوز هذه العقبة فما بعدها أشر وأصعب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم كذلك مما يلحق بفتنة القبر ما يتعلق بعذاب القبر وبنعيمه، يتعلق ذلك بعذاب القبر ونعيمه. فإن هذه الحفرة يا عبد الله لتراها حفرة ما تتجاوز الأشبار والأمتار القليلة، فإن الله جل وعلا بقدرته يجعلها روضة من رياض الجنة، ينعم فيها أهل الصلاح وأهل الإحسان من أهل الصلاح من أهل التقى والعبادة. وكذلك هذه الحفرة بقدرة الله جل وعلا يجعلها نارًا تلظى تصطلع على أهلها حرا ونارا، وغثيان ذلك في حديث البراء بن عازب، وكثير من الأحاديث التي فيها إثبات لهذه العقيدة، لهذه العقيدة التي أثبتها أهل السنة بخلاف المبتدعة، ومن العقلانيين الذين يزعمون أن يكون هذه الحفرة فيها شيء من ذلك. كما يدعي بعض العلمانيين واللادينيين، وهكذا من بعض العقلانيين ممن يدخل عقله ويجعل العقل هو الحاكم والواقع هو الحكم في هذه المسألة، يقول: ما تتحدثون عنه عن عذاب وعن نعيم لا نرى شيئًا، حسبنا أن نحفر الحفرة، ونجعل فيها الميت، فنأتيها بعد مئات السنين، والحفرة حفرة، ما رأينا اتساعًا، ما رأينا نارًا، ما رأينا حرارة، ما رأينا جنات ولا أنهار، فأين هذا الذي يدعى؟ فيُرد على هؤلاء إخواني في الله من أهل الفساد من الزنادقة، والذي يعترض على شرع الله، يُرد عليه أن يقول: إن هذه العقيدة عند أهل الإسلام، والمسلم يعلم أن ما سمي مسلمًا إلا بالاستسلام، المسلم يستسلم لشرع الله جل وعلا. وقد مر معنا في معنى «محمد رسول الله» تصديقه فيما أخبر، سواء ما كان دخل العقل أو لم يدخل، سواء كان اقتنعت به أو لم تقتنع، فالمسلم يسلم لشرع الله جل وعلا. فربنا هو الذي أمرك أن تعتنق هذه العقيدة، فاعتنقها يا عبد الله، لا تقول: لم؟ ولا لا كيف؟ فأنت مسلم، الأمر الثاني قول العلماء: إن ما يتعلق بعذاب القبر هو من علم الغيب، فكيف سينكشف لك؟ هو من علم الغيب، كيف سينكشف لك؟ لو انكشف أمر القبر، ما يتعلق من نعيم ومن جحيم، لا تساوى الناس في هذا الأمر، ولما كان ذلك من علم الغيب. فأمر الغيب إنما جعله الله للغيب، من باب الابتلاء والتمحيص. وهذا القصد من المسائل الغيبية أن الله جعلها للابتلاء والتمحيص. أخبرك ربك أن هذه إما حفرة من حفر النيران، أو روضة من رياض الجنة، فكيف أنت؟ أنت بين أمرين: إما أنك تذعن وتصدق، فترتبط بأعظم مراتب الإيمان، الإيمان بالغيب، أو أنك تكون دون ذلك جاحدًا ملحدًا، أو أنك تكون بينهما مترددًا متشككًا. فعلى قدر يا عبد الله إيمانك بهذه المسألة يظهر تصديقك بالله جل وعلا. فقال العلماء: إذن ما يتعلق بالعذاب والنعيم هو من أمر الغيب الذي هو الابتلاء والتمحيص. والأمر الآخر يقول العلماء: الفائدة أن نعلم أن هذه المسألة من علم الغيب، أنا لا تقاس بمسائل المشاهدة. لا تقاس مسائل الغيب بمسائل المشاهدة، لا يقاس هذا أمر خارج عن العقل البشري. أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن الأنبياء يصلون في قبورهم، كيف ذاك؟ الله أعلم، فهذا من علم البرزخ الذي جعله الله علمه خافيًا على الناس. فليس يمكنك أن تدخل بعقلك يا عبد الله، أو أنك تحاول أن تبتكر بعض البدع وتدعي بعض الحكايات الدالة على النعيم والجحيم، كما نرى من بعض العاطفيين، من ربما يبتكر بعض الحكايات أو يأتي ببعض القصص أو يلفق بعض الروايات والحكايات على أن هناك ما سمع، هناك ما رؤي. ما في داعي التكلف يا عبد الله، إنما هذا أمر غيبي، فمن آمن فآمن لنفسه، ومن كفر فعليها. وكذا يقول العلماء: من باب الرد لمن أنكر عذاب القبر ونعيمه في القبر، يقول العلماء: إن العذاب والنعيم هو في الحقيقة وحاصل في الميت، هو الذي سيستشعر به. وأنت لست من اللازم أن تراه، هو الذي سيستشعر الميت في قبره، سيرى ذاك الميت إن كان من الأوفياء من الأتقياء الأبرار، سيجد تلكم السعة في قبره، وسيرى تلكم الجنات والأنهار التي تطل عليه من الجنة. وأما الشقي المحروم فهو الذي سيحس بانضمام القبر على صدره، واختلاف الأضلاع بينها فيما بين، وسيحس بالنار والجحيم. وأنت ترى لا ترى ذلك. وهل هذا له تجربة واقعية؟ نعم، هذا موجود في الواقع. يمثل العلماء بمثال بسيط حتى يرد على هؤلاء المكابرين للنصوص الشرعية، ما يتعلق بحال النائم، فربما تجد رجلين، هذا نائم، وذاك بإزائه بجواره نائم، فتجد هذا أحد الرجلين ربما يحلم بالكوابيس، تأتيه الكوابيس العظيمة، يرى أنه يجري المسافات الطويلة فيجري ويجري، وخلفه عدو أو حيوان مفترس يكاد أن ينقض عليه. فإذا بهذا النائم في نومه يرى من نفسه التعب، ربما قام قام فزعًا وهو يتصبب العرق الشديد، ولربما يدق القلب دقات، فيمر بمرحلة من العذاب النفسي ما الله به عليم. وبجانبه وبجواره صاحبه له نائم، ما يحس بشيء البتة، ما يحس بشيء. هل هذا يمكن؟ يمكن، ربما كما قال شخص بجوار شخص، أحدهما يحس بعذاب، الآخر بل ربما الثاني لا يكون نائمًا، قد يكون مستيقظًا ينظر في كتاب، وهذا بإزائه نائم، وهذا يعذب العذاب النفسي الشديد، ويقول العلماء: إذا كان هذا متصورًا في حال الناس في الدنيا، الناس فما رأيك وما ظنك بفعل الله جل وعلا وفي أمور الغيب؟ فهذا يمكن، وهذا يصل إلى أن الميت أمامك تجده ثابتًا، وإن كان منهم من يعذب أو ينعم بأهل النعيم، فهذا ردود سريعة، هناك ردود كثيرة ذكرها العلماء في حق من كبر وتكبر عن نصوص شرعية، فكفر وجحد بما تعلق بمسألة النعيم والجحيم في القبر. فأهل السنة والجماعة، بل أهل الإسلام، فإن من إيمانهم باليوم الآخر أنهم يؤمنون بهذا اليوم، بالبعث وبالنشور، وبالجزاء والحساب، وبالجنة والنار، وبفتنة القبر، وبنعيمه وعذابه. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وبالقدر خيره وشره". قال: "والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾، ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾". فآخر ركن من أركان الإيمان يا إخواني في الله الإيمان بالقدر، وجاء ذلك في حديث جبريل الطويل، نبينا عليه الصلاة والسلام عندما سألوه عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره». فمن عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان بالمسلم لا يكون مؤمنًا بالله جل وعلا إلا إذا آمن بالقدر. أن تؤمن يا عبد الله بقضاء الله وقدره، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره. ما معنى الخير والشر؟ قال العلماء: ضابط الخير هو كل ما يلائم طبيعة الإنسان، كل ما يلائم طبيعة الإنسان فهذا خير. وأما الشر هو الذي لا يلائم طبيعة الإنسان، من مرض، من مصيبة، من كارثة، من ما يتعلق كذلك بالمعاصي والذنوب، كل ذلك يسمى شر. وهل في تقدير الله شر؟ يعني يقول بعض: أنه أمرنا بأن نؤمن بالقدر خيره وشره، وهل في تقدير الله شر؟ يقول العلماء: لا، ليس في تقدير الله شر، وإنما الشر باعتبارك أنت، أنت يا عبد الله تجد الشر، لكن بتقدير الله، فإن الله جل وعلا في تقديره الخير. ولهذا جاء في الحديث: «والشر ليس إليك، والشر ليس إليك». ربنا ما يكون فيه تقدير إلا الخير، أما هذا التقدير إذا وقع المقضي، فإن عند الناس قد يكون هذا التقدير شر، لكنه عند الله خير. وقد مثل العلماء، وقد توسع في ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس الذي جمع فيه شتات الموضوع، والذي سمى بـ «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل». بيّن رحمه الله تعالى وأبان على أن بعض الأمور التي يراها الناس أنها شر، هي في تقدير الله خير، في تقدير الله خير. مثل وجود الكفار، مثل وجود الأشرار، مثل خلق الشيطان، مثل وجود المعاصي والذنوب، هذه وإن كانت شرًا في تقدير الناس، لكنها في تقدير الله خير، في تقدير الله جل وعلا خير. فبوجود هذه المخلوقات الشريرة، من كفار، من جان، من عفاريت، من شياطين، من معاصي، من شرك، من كفر، من إلحاد، فبوجود هذه الأشياء، وإن كانت هي شرًا بالنسبة لنا، لكن في بوجودها فيها خير، خير من حيث ماذا؟ من حيث يا عبد الله أن مقامات العبودية، مقامات العبودية، وأعظم مقامات العبودية ما يتأتى إلا بوجود هذا الشر. فبوجود هذا الشر يظهر التائب، يظهر النادم، يظهر المنكسر لله، يظهر المجاهد في سبيل الله، يظهر المضحي في ذات الله، وفي جنب الله جل وعلا، يظهر أهل الصدق، يظهر أهل الكذب. لو أن هذه المخلوقات لم توجد، وأصبح الناس كلهم على قلب رجل واحد من الإيمان والتقى، هل ستكون هناك توبة؟ لا توبة، لا بكاء، لا خشية، لا خشوع، لا إنابة، لا رجوع، لا جهاد، لا قتال. جميع عبادات تلغى، أو جُلّ عبادات تلغى، لأن الناس كلهم على قلب رجل واحد من الهدى. لكن بوجود هذه الأشياء الشريرة يظهر مقامات العبودية. وأنت توسع ابن القيم رحمه الله تعالى بمبحث نفيس عظيم حول هذه المسائل، أن في تقدير الله كله خير، ولو أنك ترى شرًا بالنسبة لك، لكن في تقدير الله جل وعلا خير. ولهذا يقول العلماء: الإيمان بالقدر أن تؤمن بخيره وشره، على بالنسبة لك هو شر بالنسبة لك، فتؤمن أن ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى. وذكر العلماء أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يقوم إلا بالإيمان بأركانه. وقد ذكر العلماء أن القضاء والقدر أربعة أركان لا يقوم إلا بها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعدما ذكر وعدد هذه المراتب الأربع: "ومن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر". هذه المراتب الأربعة، قال: من لم يؤمن بها فما آمن بالقضاء والقدر، فلابد الإيمان بمراتب القضاء والقدر وهي أربعة. أولاها العلم، المقصود بذلك أن تعلم بأن الله جل وعلا عنده علم السابق، سبحانه وتعالى، العلم الأزلي، علم ما كان وما سيكون، جل في علاه، وكل شيء حاصل بعلم الله جل وعلا. الرتبة الثانية الكتابة، بأن الله جل وعلا كتب ذلك في اللوح المحفوظ. كتب ذلك عندما خلق الله جل وعلا القلم، قال له: «أكتب»، قال: «ماذا أكتب؟» قال: «أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». فكتب ربنا جل وعلا مقادير العباد، وأخلاقهم، وأرزاقهم، وأجالهم، كل ذلك في اللوح المحفوظ. ما هي اللوح؟ كيف هو اللوح؟ الله أعلم بكنهه، الله أعلم بما هيته. لكن نؤمن أن كل الآجال، وكل الأرزاق، وكل الأعمال، كل ما كان يتعلق بمخلوقات من كائنات من موجودات، كل ذلك مسطر في اللوح المحفوظ. فهذا من الإيمان بالقضاء والقدر. الأمر الثالث أن تؤمن أن الله جل وعلا شاء هذه الأمور، أن تؤمن بمشيئة الله النافذة. فما يقع في كون الله، وما يقع في ملكوت الله إلا بإرادة الله جل وعلا ومشيئته. لا يمكن أن يقع شيء بغير مشيئة الله. وهل هذا متصور؟ نعم، قد تفوه بهذه الكلمات الكثير من المبتدعة ممن أرادوا التنزيه على حد زعمهم، ماذا؟ برأوا الله من أشياء، لكن ماذا تنقصوا الله بوجه آخر؟ فذهب جماعة من الناس إلى أن هناك أشياء تقع في الكون بغير إرادة الله، تقع في الكون بغير إرادة الله. وهذا عياذ بالله، والضلال المبين. الأمر الآخر الخلق، وهو الإيجاد، الله خالق كل شيء، كل شيء قد وجد فإنه من خلق الله جل وعلا. فلا يخرج شيء من خلق الله سبحانه وتعالى. فهذه مراتب الأربع، وقد خالف في ذلك القدرية، وخالف في ذلك الجبرية، فأنكروا مسائل القضاء والقدر، منهم من نفى، ومنهم من غلا في الإثبات. ولكن سلم الله أهل السنة والجماعة، وعلموا أن من الإيمان بالقضاء والقدر أن نؤمن بهذه المراتب الأربع. بعلم الله السابق، وأن الله قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن ما يقع شيء إلا بإرادة الرب جل وعلا، وأن الله جل وعلا فعلًا هو الذي أوجد هذه الأشياء، وكل ذلك مناط بحكمة أرادها الله جل وعلا، لحكمة. ولهذا ما ينبغي الخوض في هذا الباب، وخاصة الخوض في باب العلل. الكثير من الناس من يستشكل إذا دخل في باب القضاء والقدر، استرسل في ذهنه، استرسل، استرسل: لماذا هذا غني؟ لماذا هذا فقير؟ لماذا هذا كافر؟ كيف هذا قدر عليه الكفر ثم يعذب بعد ذلك؟ يا عبد الله، لا استرسل في هذا الباب، لا يمكنك أن تدركه البتة، لا يمكنك. لأن هذا الباب متعلق بحكمة الله، وحكمة الله متعلقة بعلم الله، ومن ذا الذي أحاط بالله علمًا؟ حاشا، ما أحد يعلم بعلم الله جل وعلا. فعلم الله كما قال أهل السنة هو سر الله، سر الله، فلا يكشف، ولا ينبغي أن يكشف، ولا تصرع أن تكشفه أنت يا عبد الله. فإنما كما قال العلماء، كما قال ذاك الطحاوي، وابن القيم رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل السنة: أن هذا الباب حقه الاستسلام والإذعان لأمره. وعليك يا عبد الله أن تعمل كما أمرك ربنا جل وعلا، امضي يا عبد الله فلتعمل عملًا صالحًا. قال نبينا صلوات رب وسلام عليه: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». فربنا جل وعلا أعطاك سمعًا وبصرًا، وأهداك إلى طرق الهداية، وإلى طرق الضلالة، فقال ربنا جل وعلا: ﴿وهديناه النجدين﴾، طريق الحق وطريق الباطل. فأنت يا عبد الله لك مشيئة، فانظر إلى أيهما تختار. ومشيئة العبد هي في الحقيقة تابع لمشيئة الله، كما قال جل في علاه: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.