الدرس في شرح الأصول الثلاثة 32، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المهمة الأساسية للنبي صلى الله عليه وسلم كانت الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، حيث بدأ بالنذارة عن الشرك ثم دعا إلى التوحيد حفاظا على دلالة لا إله إلا الله. هذا التوجه كان يهدف إلى تحقيق العبادة الخالصة لله وحده.
كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" تتضمن نفي الشرك وإثبات العبادة لله وحده، ودعوة النبي كانت لتحقيق هذا التوحيد. الآيات الأولى من سورة المدثر أوضحت أهمية التكبير وتطهير الأعمال من الشرك وهجر الأصنام والأوثان.
آية 'ولا تمن تستكثر' فسرت بمعنيين مشهورين، وأكدت على أهمية الصبر في الدعوة إلى الله كما جاء في قوله تعالى 'ولربك فاصبر'. الصبر ضروري لتحقيق النجاح في الدعوة.
الدعوة إلى الله ختمت بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مما يظهر الأهمية الدينية لهذا العمل. الختام أبرز علم الله تعالى وأهمية اتباع سنة النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله من العمر 63 سنة، منها 40 قبل النبوة، و23 نبيا رسولا، نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، وبلده مكة. مرت معنا إخوانا في الله ما يتعلق بفقرات هذه الرسالة، وذكرنا ما يتعلق بأصل النبي، وأنه إما مأخوذ من النبأ بمعنى الخبر، أو مأخوذ من النبوة وهو العلو والارتفاع. ومن هنا ظهر الخلاف في قراءة نبي، إما أنها مهموزة أو أنها بترك الهمز، فيقول بعضهم أنها تقرأ بالهمز نبي أو نبيئين، وتقرأ كذلك بترك الهمز باللين وهو النبي. وهذا الذي درج عليه الكثير من القراء، فقراءة عاصم على الحذف، على حذف الهمز نبي ونبيين. وأما الذي اشتهر عنه القراءة بالهمز نافع رحمه الله تعالى، فإنه يقرأ بالهمز، بل نقل بعض العلماء أن جميع القراء على ترك الهمز، جميع القراء على ترك الهمز، ومن يذكر ذلك إلا في قراءة نافع. فالأصل أن نبي ما أخذ إما من النبأ وإما من النبوة، وهو العلو والارتفاع. ومن هنا نعلم هل هو اسم فاعل أو اسم مفعول على هذا الحال. فإذا كان من النبأ، أي أنه مخبر عن ربه جل وعلا بهذا النبأ العظيم، فهو اسم فاعل. وإن كان من العلو والارتفاع، فإنه قد ارتفع بما أخبره به ربه، فهو اسم مفعول. وبينا ما يتعلق بالحقبة الزمنية التي عاشها نبينا صلواته ربي وسلامه عليه من أولها إلى آخرها، وأنه ملخص بقول المؤلف رحمه الله تعالى: له من العمر 63 سنة، منها 40 قبل النبوة، و23 نبيا رسولا. قال رحمه الله تعالى: بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد. بعثه الله، أي أرسله الله جل وعلا بالنذارة، والنذارة يقول العلماء في تعريف النذارة: هو الإعلام مع التخويف. النذارة هو الإعلام مع التخويف، فليست النذارة هو الإعلام لأن معنى الإعلام هو إيصال العلم، هذا الإعلام، لكن هنا نذارة، النذارة وصف زائد، فهو إعلام لكن مع التخويف. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: بعثه الله بالنذارة، أي أن نبينا قد أرسل بالنذارة أن يبلغ دين الله. ومن هنا نعلم إخواني في الله أن من ظن أن النبي ليس عليه أن يبلغ دين الله، فهذا خطأ لا يتصور. هذا أن يكون بعض من جعل من الفروق بين النبي والرسول أن النبي لا يؤمر بتبليغ الدعوة، لا يؤمر أو لم يؤمر بتبليغ الدعوة، القول بهذا الوصف هذا ضعيف جدا. فإن أنبياء الله جل وعلا أمر بالتبليغ، بدالات الكتاب والسنة، قال ربنا جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من رسول ولا نبي﴾، وربنا أرسل الجميع، الجميع قد أمره ربنا جل وعلا بأن يبعث إلى قومه فيدعو الناس إلى دين الله جل وعلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد. هذا الذي أمره ربنا جل وعلا وبعث به نبينا عليه الصلاة والسلام. وانظر إلى ترتيب المؤلف رحمه الله تعالى، قال: بعثه الله بالنذارة عن الشرك والدعوة إلى التوحيد. هذه الألفاظ كأن المؤلف رحمه الله تعالى اعتنى بالترتيب هاهنا. وجه الترتيب أنه بدأ بالنذارة عن الشرك، أي التحذير عن الشرك، ثم عقب بعد ذلك الدعوة للتوحيد. ما وجه الترتيب هنا؟ أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يحافظ على دلالة لا إله إلا الله. وما وجه ذلك؟ لا إله إلا الله في أول شطر الأول لا إله عبارة عن نفي، وما المنفي هنا؟ المنفي هنا الاشراك بالله، المنفي عن الله لا تشرك بالله أحدا، لا صنما، لا وثنا كائنا من كان، فلا إله في أمرها عبارة عن نفي نفي الشريك. وهذا يتنزل عند قول مؤلف: بعثه الله بالنذارة عن الشرك. والشطر الثاني من كلمة التوحيد إلا الله والإثبات، إثبات العبادة، إثبات الإنصياع لله سبحانه وتعالى. وهذا يتلاءم مع قول مؤلف رحمه الله تعالى: ويدعو إلى التوحيد. فكأن المؤلف رحمه الله تعالى لم يلقي الكلام على عواهنه، وإنما رحمه الله تعالى رحمة واسعة أراد أن يدلل على هكذا كانت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام تحقيقا لكلمة التوحيد، بدءا بالنذارة من الشرك، وهي لا إله، ثم دعوة الناس إلى التوحيد، وهي إلا الله، إثبات العبودية لله سبحانه وتعالى. قال: بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد. والدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمن تستكثر ولربك فاصبر﴾. قال رحمه الله تعالى: ومعنى قم فأنذر، قال: ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد. أما قوله: يا أيها المدثر، قد مر معنا أن المدثر هو المتغطي المتغطي بالأغطية والأكسية. وأصل المدثر المتدثر، أصلها المتدثر، لكن للتقارب بين التاء والدال تم الإدغام، فأضغمت المدثر، وإلا أصلها المددثر. ولماذا هذا اللقب؟ هذا اللقب كان وصفا لنبينا عندما كما جاء في الصحيح من حيث جابر، لما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جبريلا وهو على حاله، امتلأ قلبه رعبا مما رأى، فذهب إلى أهله وأمر منهم أن يغطونه: زملوني، زملوني، فغطي نبينا بالأكسية حتى يذهب عنه الروع عليه الصلاة والسلام. فأنزل ربنا جل وعلا عليه هذه الآيات، فكانت أول آية وأول آيات نزولا بعد فترة انقطاع الوحي عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فقال له ربنا: يا أيها المدثر قم فأنذر، قال: ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد. هذه خلاصة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أنها تقوم على تصفية العقيدة. قال رحمه الله تعالى: وربك فكبر، قال: عظمه بالتوحيد، أي صفه بالعظمة، صفه بالعظمة. وأعظم صفات العظمة التكبير، أن يكبر الله جل وعلا. وقد جاءت الأدلة التكبير في القرآن في موارد عظيمة، أن يكبر الله في الربوبية، أن يكبر الله في الألوهية، في الأسماء والصفات، في القضاء والقدر، وهكذا في الأمر والتشريع. قال: وثيابك فطهر، أي طهر أعمالك عن الشرك. وثيابك فطهر هنا الثياب، أما ربنا جل وعلا بأن تطهر. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر وشرح أن معنى الثياب هنا بمعنى الأعمال. وأن هذا يدخل في باب اللغة، ليس يقول قائل هنا مجاز، لا، ليس عندنا مجاز، وإنما هذا على الحقيقة على الحقيقة اللغوية. قال: والرجز فاهجر، قال: الرجز هو الأصنام، ومنه من يجعل الرجز أعني الأصنام. الرجز هو كل ما عبد من دون الله، كل ما عبد من دون الله من صنم أو وثن. وما الفرق بين الأصنام والأوثان؟ الأصنام هو ما عبد من دون الله وله هيئة، هذا يسمى صنم، الذي يعبد من دون الله وله هيئة يسمى صنم. أما إذا كان الشيء الذي يعبد من دونه ليس له هيئة، يسمى هذا وثن، كما قال نبينا: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». فالأوثان تطلق على ما عبدت من دون الله وليس له هيئة، أي شكل خارج كصورة جثمانية، بخلاف الأصنام فإنها تصور على أش�كال. قال رحمه الله تعالى: الرس الأصنام، وهجرها. أما ربنا جل وعلا بهجر الرس، وكيف يكون ذلك؟ قال: وهجرها تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها. قد مر ذلك معنا ما يتعلق في أول عسال الأولى حول أن من مستلزمات هجر الأصنام، ومن مستلزمات ترك الشرك أنك تترك أهلهم، ودللنا من الكتاب والسنة. قال: ولا تمن تستكثر، اختلفت أقوال العلماء في تفسير هذه الآية على قولين مشهورين، منهم من أضاف الثالث والرابع، لكن الأقوال مشهورة. القول الأول: لا تمن تستكثر، أي أنه لا تمن على الله جل وعلا بعملك فتراه كثيرا، لا تمن على الله بعملك فتستكثر، يعني قد يقع هذا من بعض العباد إذا أصبح عنده شيء من المنة على الله: أنا الحمد لله أنا صليت، وأنا أصوم، وأنا أذكر الله، وأنا وأنا وأنا، ثم إذا رأى هذه المجاميع من العبادات ترى يستكثرها على الله، هذا يكفي ما شاء الله، هذا الحمد للله. ولا تمن تستكثر، أي أنك لا تمن على الله فتستكثره أي في العمل. وهذا الذي رجع إليه كثير رحمه الله تعالى. والقول الآخر على تنزيل هذه الآية: ولا تمن تستكثر، أي أنك لا تطالب ولا تريد بما تمن به على الناس، تريد أن تعطى أكثر، أن تعطى منه أكثر، لا تمن. أي هذا يفعل بعض الناس أنه يعطي، يعطي للناس يبذل لهم الخير، لكن في قرارة نفسه وهو يمن عليهم يقول: هذه مني، مني، خذ هذا، خذ هذا يا عبد الله، وهذا مني لك، فيعطي لكن في قرارة نفسه أنه ماذا يطلب؟ أنه يعطى المزيد، يعطى المزيد. ولا تمن تستكثر، أي لا تفعل ذلك المصانعة، كما قال العلماء: لا تفعل ذلك المصانعة أنك تعطي حتى تنال الأكثر. وهذا القول رجح الطبري رحمه الله تعالى. فهذا وذاك كل ذلك مما ينهى عنه. قال ربنا جل وعلا: ولربك فاصبر. أمره ربنا جل وعلا بالصبر. وهنا قدم الجار والمجرور لربك، وإلا قد تقتضي الآية فاصبر لربك، لكن قدم الجار والمجرور لأمر بلاغي، وتقديم حق التأخير يفيد الحصر، يفيد الحصر، ففيه أهمية الصبر. وهذا كذلك فائدة عظيمة يا عبد الله، يفيد ويستفيدها كل من أراد أن يبلغ دين الله أو يكون له مرتبة من مراتب التبليغ والدعوة والإرشاد، أنك يا عبد الله عليك أن تتحلى بالصبر. انظر لهذه الآيات العظيمات التي تعتبر من أوائل ما أنزل على نبينا، كيف أن الله جل وعلا بدأها بالدعوة وختمها بالصبر. وفي ذلك دلالة عظيمة على أن الداعي إلى الله لن تكلل دعوته بالنجاح، بل لن تكلل بالاستمرار إن لم يحليها صاحبها بالصبر. الصبر يا عبد الله تصبر على الدعوة، تصبر على ما تدعو إليه، تصبر فيمن تدعو إليه، تصبر على النتيجة والثمرة، كل ذاك يحتاج إلى صبر. فمن لا صبر له لا نجاح لدعوته أبدا. ومن نظر يمنة ويسر إلى حال من حرف، وحال من خرج عن الجادة من دعاة أو من جماعات أو من فرق، يعلم أن من أعظم الأوت به من قلة صبرهم، من قلة صبرهم. ذاك الذي يقول بملء الفم: دعوت ودعوت ودعوت، فلم يتغير من حال الناس شيء، فلم يتغير من حال الناس شيء، لا أحد يستجيب، قد بلغ الطغيان في القلوب، قد طبع الران على النفوس، ما الحيلة؟ فتجيب من هؤلاء؟ من فعل؟ ما الذي فعل؟ أنه رجع إلى الشريعة، فما صبر عليها الشريعة، فما الذي فعل؟ غير وبدل، فكم من المحرمات أباحها، كم من المحظورات أحلها، كم من الأشياء الممنوعة للناس أساغها وأخرجها على أنه رخصة شرعية، بدل دين الله جل وعلا، لماذا؟ لقلة صبره. وإلى هنا يا إخوانا في الله، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.