التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 132

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 132

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 132، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ضابط العلة الشرعية وتطبيقها في النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام

يشرح المقطع منهج ابن تيمية في معرفة العلة الشرعية والفرق بين العلة المنصوصة والمستنبطة، مستدلاً بقاعدة دوران الحكم مع علته وجوداً وعدماً. ويطبق ذلك على أحاديث النهي عن صيام يوم الجمعة وحده، مبيناً أن العلة هي التخصيص وأن الشارع قسم الأيام إلى ما يشرع تخصيصه وما ينهى عنه وما يكره تخصيصه إلا بقرينة.

النهي عن تخصيص أوقات معينة بالصيام وبيان مفسدة التخصيص في العبادات

يستعرض المقطع أقسام النهي عن الصيام مركزاً على تخصيص يوم الجمعة وسُرر شعبان ويوم الشك، مبيناً أن العلة هي التخصيص الذي يوهم فضيلة غير مشروعة. ويقرر أن تخصيص زمان أو مكان للعبادة دون دليل شرعي هو منشأ المفسدة والبدعة، مستدلاً بأمثلة كاحتفال المولد والمبالغة في فضل قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

خطر تخصيص الأماكن والأزمنة بالعبادة ومنشأ البدع

يبيّن المقطع أن تعظيم القبور وتفضيلها على المساجد والحرمين، والصلاة عندها أو السجود على ترابها، بدعة نشأت عن تخصيص الأماكن بغير دليل شرعي، محذراً من أن ذلك يؤدي إلى الشرك وتقليد ممارسات الشيعة. كما ينتقد تخصيص أوقات كيوم 27 رجب بالصيام أو القيام بلا سند، مستدلاً بسكوت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين عن ذلك.

بدعة تخصيص ليلة 27 للصلاة ويوم 27 للصيام وعدم ثبوتها عن السلف

يوضح المقطع أن الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام لم يصلوا ليلة 27 ولا صاموا يوم 27، وأن هذه العادة ظهرت فقط بعد القرن الرابع مما يدل على عدم مشروعيتها. وسكوت السلف عنها ينفي علمهم بها، والعمل بها يعد إما اعتقاداً فاسداً أو عبادة لغير الله وهو محرم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتكلم على الأعياد وذم الأعياد غير الشرعية، وذكر أنها بدعة، وذكر بعد ذلك ضابطاً من ضوابط البدع وأسهب فيه رحمه الله. ثم ذكر أيضاً من الوجوه التي يذم بها هذه المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين، وأن الواجب هو اتباع الكتاب والسنة. ثم ذكر مسألة أصولية وهي وجود الحكم والسبب، إذا انتفى الحكم أو السبب انتفت العلة، وأيضاً اعتبار الشرع في الحكم على التأثير في المعاني المناسبة المؤثرة في القياس، مسألة القياس ومتى يكون هذا القياس صحيحاً. وذكر أن العلة قد تكون علة جلية واضحة من النص، وقد تكون علة مستنبطة. هذه العلة المستنبطة قد تكون صحيحة وقد تكون غير صحيحة. قال: "والسبر دليل خاص على العلة". ونظيره من كلام الناس أن يقول: "لا تعطِ هذا الفقير فإنه مبتدع"، ثم يسأله فقير آخر مبتدع فيقول: "لا تعطِ". وقد يكون ذلك الفقير عدواً له، فهل يحكم بأن العلة هي البدعة أم يتردد لجواز أن تكون العلة هي العداوة؟ يقول هنا: "والسبر دليل خاص على العلة". السبر هو جمع المؤثرات، جمع أماكن العلة. فالآن مثلاً يقول: "لا تعطِ هذا الفقير فإنه مبتدع". فهنا ظاهر الكلام أن العلة في عدم إعطائه أنه مبتدع. ثم يسأله فقير آخر مبتدع فيقول: "لا تعطِ". فيقول: فهل يحكم بأن العلة هي البدعة أم يتردد لجواز أن تكون العلة هي العداوة؟ الآن هناك وجدت علة وهي علة الابتداع، وهنا وجدت علة أخرى وهي العداوة. فهل العلة هنا هي علة الابتداع وعلة العداوة؟ قالوا: أما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ورأينا فيه وصفاً مناسباً له لكن الشارع لم يذكر تلك العلة ولا علل بها نظير ذلك الحكم في موضع آخر، فهذا هو الوصف المناسب الغريب؛ لأنه لا نظير له في الشارع ولا دل كلام الشارع وعمومه عليه. فيجوز اتباعه الفريق الأول ونفاه الآخران. وهذا إدراك العلة أو إدراك العلة الشرعية بنفس عقولنا من غير دلالة منها. إذا كانت هذه العلة مستنبطة وليس هناك في الشرع ما يدل عليها وإنما يستنبطها الناس بعقولهم، فهل يقاس عليها؟ فيقول أن القول الأول... أو هل القول الأول يقولون يقاس عليها؟ والصحيح أنها بعيدة. طالما أن الذي قبله إدراك العلة بنفس القياس على كلامه، والأول إدراك العلة بنفس كلامه. ومع هذا فقد تعلم علة الحكم المعين بالسبر وبدلالات أخرى. قال: "فإذا ثبتت هذه الأصول فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع المؤثر في موضع آخر". أن علة منصوصة جاء نصها في الكتاب والسنة، وهذه العلة المنصوصة تؤثر في مكان آخر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. ما دامت العلة موجودة فإذا وجدت هذه العلة في حكم آخر فهذه تكون نفس الحكم. مثلاً كما ذكرنا: علة الخمر إيش؟ الإسكار. علة الخمر الإسكار. كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. فإذا وجد هذا الإسكار في شيء من المواد نقول: إن هذا حرام. خمر مثلاً الحشيشة، المخدرات وغيرها، هذه تسكر، هذه تسكر فهي حرام، بل بإجماع العلماء أنها حرام. ليش؟ لأن العلة موجودة والعلة قد نص عليها. قالوا: ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بالصلاة أو بالصيام، وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم". الآن هذه علة النهي: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تخصيص ليلة بقيام، ليلة الجمعة بالقيام، أو نهار الجمعة بصيام. أنا يقول: اليوم جمعة، الجمعة هذه مباركة وعيد، سأخصها بالقيام، أو أيضاً أخصها بالقيام، أو النهار يقول: هذا اليوم يوم عيد فأخصه بالصيام. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. إيش العلة؟ العلة هو التخصيص. قالوا: في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده". وهذا لفظ البخاري. قال: وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها المصطلقية زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: "أصمتِ أمس؟" قالت: لا. قال: "تريدين أن تصومي غداً؟" أي السبت. قالت: لا. قال: "فأفطري". معنى أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالإفطار. وهذا الحديث كما قال المؤلف: في الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر بن الزبير، قال: سألت... قال: سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت: "أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الجمعة؟" قال: "نعم، ورب هذا البيت". قال: "نعم، ورب هذا البيت". وهذا لفظ مسلم. والحديث أيضاً في صحيح البخاري لكن هذا اللفظ لفظ مسلم. قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تصوم يوم الجمعة وحده". رواه الإمام أحمد. ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون الرجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم". قال: فوجه الدلالة من هذه الأحاديث أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام: قسم شرع تخصيصه بالصيام إما وجوباً كرمضان، وإما استحباباً كيوم عرفة وعاشوراء. أن رمضان هذا يتحرى صيامه وجوباً، يخصص وجوباً أنه يصام كله، وكذلك استحباباً مثل صيام يوم عرفة أو يوم عاشوراء يخصص ذلك اليوم. فهذا القسم الأول: أنه يشرع تخصيص بعض الأيام أو شهر من الشهور بالصيام. وقسم نهى عن صومه مطلقاً، يعني بأي... لا يصام بأي عذر كان، كيوم العيدين: يوم الفطر ويوم الأضحى. لا بد أن يفطر حتى لو لم يكمل الشهر، حتى لو لم يكمل شهر رمضان. مثلاً ناس صاموا، أو مثلاً دولة صامت على أنه لم يروا الهلال أول يوم، معنى الهلال موجود لكن غيم فما رأوه، صاموا اليوم الثاني، وخرج الشهر 29، فسيصومون كم؟ سيصومون 28 يوماً. سيصومون 28 يوماً. وهنا يلزمهم أن يفطروا يوم العيد، يلزمهم أن يفطروا يوم العيد. ما يجوز لهم أن يصوموا، يقول: خلاص عدنا عنهم، مثلاً ما كملنا 29 يوم. لا، يقال لهم: أفطروا يوم العيد، واليوم الثاني صوموا. أن اليوم الثاني في اليوم الثاني من العيد يصوموا، يكمل اليوم الذي لهم. أما يوم العيد فلابد أن يفطروا. وهكذا يوم النحر، يوم عيد النحر والأضحى أيضاً كذلك لا يجوز صومها. قالوا: قسم إنما نهى عن تخصيصه كيوم الجمعة، وسُرر شعبان. اختلف في المراد بالسُرر: قيل أواخره، وقيل أواسطه، لكن الأكثر على أنه أواخره. فهذه أيضاً مما خص أنه في أيام معينة كيوم الجمعة، ويوم السبت على تصحيح الحديث، وسُرر شعبان. معنى آخر شعبان وهو يوم الشك، يوم الشك، وكذلك يوماً قبله. فهذه نهى عن تخصيصها. لو جاء مثلاً ناس يصوم يوم الاثنين والخميس فصادف يوم الشك فصامه، ما في شيء. أيضاً ناس قال: سأصوم يوم من هذه الأيام الأيام شعبان، فلم يصم لكن أدرك آخر يوم فصامه، ليس أنه يوم الشك لا، صامه لأنه يريد أن يصوم يوم شعبان. فهذا أيضاً يجوز لأنه لم يخصص الصيام بذلك اليوم على أنه يوم الشك. فمن صام يوم الشك احتياطاً أو صام يومين قبل رمضان احتياطاً فهذا الذي نهي عنه. فالآن النهي جاء على ثلاث أقسام: نهي عن صومه، عن تخصيص الصيام، أو أقصد: شرع تخصيص الصيام إما وجوباً وإما استحباباً. والأمر الثاني: النهي عن صومه مطلقاً، يعني عن صوم أيام مثلاً كيوم العيدين. والثالث: نهي عن تخصيصه كيوم الجمعة، وسُرر شعبان. قال: فهذا النوع، النوع الثالث، لو صيم مع غيره لم يكره؛ لأن النهي هو تخصيصه بانفراده. يعني إذا أفرد فهذا النهي موجود فيه، لكن لو صام يوماً قبله، أي الجمعة، وصام يوماً بعده، يجوز ذلك. قال رحمه الله: "فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره". فإذا خص بالفعل نهي عن ذلك، سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده، وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة. لو لا أنها موجودة، يقول: الآن النوع الثاني هذا، فإذا خص بالفعل نهي عن ذلك. أن أخص الجمعة بالفعل أنه سيصوم لأجل أنه يوم الجمعة، سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده، وسواء اعتقد الرجحان أو لم يعتقد. لماذا؟ لو أنه مثلاً صام يوم الجمعة، يقال له: لا، أفطر. معنا صام يوم الجمعة وهو لا يقصد التخصيص وإنما صامه كذا، يقول: اليوم يوم سأصوم، فصام. فهل هذا يجوز أو أنه داخل في النهي؟ يقول الشيخ هنا: إنه داخل في النهي. لماذا؟ لأنه خص الفعل وهو الصيام في ذلك اليوم. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال لجويرية: "أصمتِ أمس؟" قالت: لا. قال: "تريدين أن تصومي غداً؟" قالت: لا. قال: "فأفطري". قال رحمه الله: "وسواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده، سواء اعتقد الرجحان أو لم يعتقد". ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره لكان إما أن ينهى عنه مطلقاً كيوم العيد، أو لا ينهى عنه كيوم عرفة وعاشوراء. وتلك المفسدة التي أو... ليست موجودة في سائر الأوقات، وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة. فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خُصِّيصة له. يعني المفسدة... انظر إلى كلام شيخ الإسلام الآن يريد أن يصل إلى شيء آخر. فالآن يقول: المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خُصِّيصة له. فمن خصص شيئاً ليس له خُصِّيصة فهنا فدخل في النهي، دخل في النهي كما أشعر به لفظ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فإن نفس الفعل المنهى عنه أو المأمور به قد يجتمع على حكمة الأمر أو النهي، كما في قوله: "خالفوا المشركين" أي في حلق اللحى. قال: في لفظ النهي عن اختصاص الوقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص. فإذا كان يوم الجمعة يوماً فاضلاً يستحب فيه من الصلاة والدعاء والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة ما لا يستحب في غيره، كان ذلك في مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره، أن شرعت فيه أشياء من القراءة والذكر والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والطيب والزينة والاغتسال وغيرها من هذه العبادات التي شرعت في يوم الجمعة. فهذا ما ظنت أن هناك العبادات تشرع أيضاً، فقد يصام، فيقال: أن صومه أفضل من غيره، ويعتقد أن قيام ليلته كصيام في نهاره لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التخصيص دفعاً لهذه المفسدة التي لا تنشأ إلا من التخصيص. وكذلك تلقي رمضان قد توهم أن فيه فضلاً لما فيه من الاحتياط للصوم، ولا فضلاً فيه من الشرع أو في الشرع. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقيه لذلك. أنا الآن الشيخ يريد أن يبين أن مسألة التخصيص هذه، هذه تنشأ المفسدة فيها. لا يجوز لأحد يخصص شيئاً في الشرع عبادة، يخصصها بيوم، أو يخصصها بزمن، أو يخصصها بمكان. فهذا التخصيص هو منشأ المفسدة. هذا التخصيص هو منشأ المفسدة؛ لأنه تشريع. قالوا: هذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن الناس قد يخصون هذه المواسم لاعتقاد فيها فضيلة. أنا الآن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام مع أنه صيام عبادة طاعة، لكن خص النهي عن صيامه. أيضاً الصلاة: نهى أن تصلى الصلاة في أوقات النهي مع أنها صلاة أعظم الأعمال، لكن نهى عنها في أوقات معينة. فالشرع معناه: لابد أن العبد المسلم يتبع الشرع، الشرع له وضعه الله عز وجل، وله شروط، وله أيضاً أمور لابد أن تتبع، ليس أن الإنسان يخترع من رأسه يخصص مكاناً، يخصص زماناً، يخصص كذا بالعبادات. لا، العبادة لابد أن تكون تخصيصها ويأتي من الشرع، وإلا لا يخصص المسلم شيئاً لم يخصصه الله عز وجل في دينه. قالوا: متى كان تخصيص الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد لفضل ذلك ولا فضل فيه، نهي عن التخصيص؛ إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص. وهذا حاصل في كل من يخصص أشياء، سواء كان زيارات أو عبادات من صيام أو من صدقة أو من صلاة، يخصصها في أيام معينة، فهو يعتقد أن ذلك اليوم له فضل على غيره. ولهذا أصحاب الموالد يقولون: أن ليلة المولد أفضل من ليلة القدر. انظروا إلى أين ذهبوا! قالوا: ليلة المولد، مع أنهم خصصوا هذه الليلة وليس هناك تخصيص من الشرع، وجعلوها أفضل الليالي. ليس هناك ليلة أفضل منها، ليس هناك ليلة أفضل منها أبداً. حيانا مثلاً تجد أموراً غريبة يدخلها الغلو. قالوا: معنى بعضهم... تواء... ذكر بعض العلماء الذين تأثروا مسألة القبور وكذا، قالوا: أن مسألة... أو أن المكان الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من العرش، وأفضل من الكرسي، وأفضل من الجنات، وأفضل... وأفضل، أنا أفضل من كل شيء، هذا المكان فقط الذي دفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم. أنهم يريدون تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مثل هذه الأشياء. ولكن الشرع لم يخصص هذه البقعة أن تكون هي أفضل من هذه الأمور. طيب الجنة فضلها الله عز وجل وأنها مكان من أطهر الأماكن جاء في الشرع. حاكياً فنقول مثلاً: هذا ليس صحيح، هناك أطهر منها وهناك أفضل منها، وهي المكان الذي دفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم. لا شك أن المكان لم يفضل إلا بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المكان لم يأت في الشرع أنه أفضل. لكن هؤلاء يريدون إيش؟ يريدون أن يفضلوا القبور على الأماكن المعظمة. أنا هنا يأتي بعد ذلك كما يقول الشيخ: تنشأ المفسدة بعد ذلك بالتخصيص. ليش؟ يقولون هذا... هم بعد ذلك سيتدرجون إلى قبور الصالحين أيضاً. قبور النبي، قبور الأنبياء هي أفضل البقاع، كذلك قبور الصالحين هي أفضل البقاع. فالصلاة عند قبر الولي أفضل حتى من المسجد عندهم. لماذا؟ لأن هذه البقاع أفضل من المسجد عندهم. القبر بقعة القبر أفضل من المسجد كله. بقعة القبر أيضاً في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد كله، المسجد النبوي، وأفضل من الحرم المكي. وهذا يأتي بعد ذلك، بعده مسائل. بعد ذلك يأتي أن الصلاة عند القبر أفضل من الصلاة في الحرم المكي. صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتي، لم يعظم الصلاة عند القبر، إنما يعظم الصلاة في الروضة التي بين منبره وبيته كما جاء في الحديث الصحيحين: "بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". وما جاء بلفظ "قبري" هذه لم تثبت. اللفظة "بين بيتي وقبري" أو "بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" لم يثبت هذا بلفظ القبر، وإنما ثبت في الصحيحين بلفظ "البيت": "بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". فلم يأت في الشرع تعظيم ذلك المكان الذي مثلاً دفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هم يقولون: بإجماع العلماء أن المكان الذي دفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من العرش. انظر إلى هذا الحد وصل! أفضل من العرش. وإذا كان أفضل من العرش، معنى ذلك أنه أفضل من مساجد كل هذه الموجودة في الدنيا. فلهذا يستحبون الصلاة عند القبر لأنه أفضل الأماكن. فما دام أنه أفضل الأماكن فيصلى عنده. كذلك أيضاً قبور الأولياء: فضلت بوجود الأولياء، فضلت هذا المكان، فضل بوجود الأولياء. فالزيارات هذه التي تحصل، وهذه الصلاة التي تحصل عندهم، والدعوات، كله ببركة ذلك المكان. أو يأخذون من التربة ويوزعونها على أهاليهم وأقاربهم كي يتمسحوا بهذه التربة. بعضهم يضعها تحت وسادته، بعضهم يسجد عليها. أنا وجدت من الصوفية من يفعل ذلك مثل الشيعة. الشيعة يأخذون تربة من كربلاء ويمشون معها. يأخذون تراب ويضعون مثلاً فيه ماء ويكون مثل الحجرة، فيمشون بهذه الحجرة. فإذا جاء يصلي وضعها وسجد عليها، حتى يسجد على تربة كربلاء. ما الذي أداهم إلى هذا؟ هذا التخصيص، تخصيص الأماكن وتعظيمها. فهم يرون أن أفضل بقعة هي بقعة الحسين في كربلاء. فلهذا يأخذون من التراب ويجعلونه حجرة ويسجدون عليه. وهكذا فعلى بعض القبورية تجد أنه يأخذ تراب السيد هذا الذي يعظمه، فإذا أراد أن يسجد وضع التراب أمامه فيسجد على هذا التراب. فهكذا تنشأ البدع بالتخصيص. فلهذا يقول الشيخ: أن هذا التخصيص هو منشأ الفساد، منشأ الفساد. قالوا: من قال أن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي، ومع ذلك فأنا أخصها. أنا إذا قال: أنا ما أعتقد أن هذه الليلة أفضل ليالي أو أفضل من الأيام، لكن أردت أن أخصها بصد... قال: فلابد أن يكون باعثه إما موافقة غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم له، ونحو ذلك. والله فهو كاذب. أنا الآن لو قال مثلاً: الآن كثير من الناس يصومون يوم 27 من رجب. لو قلت الآن: ليش تخصص هذا اليوم بالصوم؟ يقول مثلاً: أن هذا اليوم يوم فاضل، يوم الإسراء والمعراج. طيب، لو سلمنا لك أن هذا يوم الإسراء والمعراج، من الذي خصصه بالصيام؟ فيقول: لا، أنا ما أعتقد أن مثلاً هذه الليلة مثلاً لها فضل، أن هذا الذي... هذا لازال يستعي... يقول: ألا ما أعتقد أنها لا فضل، لكن أنا أصوم. ليش لك صوم؟ قال: خلاص عادتي هكذا، عادتي هكذا. أو يقول: وجدت آبائي يصومون فيصوم لأجل آبائه. فتجد أنه يقول هذا الكلام خوف اللوم، خوف أنه يلام، فيقول مثل هذا الكلام. قال: وإلا فهو كاذب. قال: فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد، أو باعثاً آخر غير ديني. وذلك الاعتقاد ضلال. فإنا قد علمنا يقيناً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسائر الأمة لم يذكروا في فضل هذا اليوم، الليلة، ولا في فضل صومه بخصوصه، وفضل قيامها بخصوصها حرفاً واحداً. وأن الحديث المأثور فيها موضوع. وأنها إنما حدثت في الإسلام بعد المائة الرابعة. لا يريد يتكلم على هذه المسألة التي يسمونها بالصلاة الألفية التي في رجب. قال: ولا يجوز والحال هذه أن يكون لها فضل، لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون ولا سائر الأمة، امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلمه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعون وسائر الأمة. ومثل ما قال بعض السلف: فلما جادل بعض من يقول بخلق القرآن، قال: هذه البدعة التي تتكلم فيها، هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لم يعلمها؟ أولاً قال: علمها. قال: إذا علمها لماذا لم يتكلم فيها؟ أولاً قال: لم يعلمها. قال: لم يعلمها؟ قال: أعلمت شيئاً لم يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، بل أقول علمها. قال: إذا كان علمها فهل وسعه أن يتكلم فيها؟ أنا هل هناك شيء حجزه حتى لا يتكلم؟ قال: نعم، لم يسعه الكلام فيها. قالوا: هل علمها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة؟ قال: نعم، علموها. الآن يريد أن يخرج من اللوم الأول أنه ما استطاع أن يقول: لا، لم يعلموها. لأنه لما قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: لم يعلمها، قالوا: شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وأنت علمته؟ يا لكع! أنا كيف يكون شيء في الدين ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم وتأتي أنت وتعلمه؟ فقال: علموها. قال: فهل وسعهم أن يتكلموا به؟ قال: نعم. قالوا: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسكت عنه، والصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة أن يسكتوا ولم يتكلموا، فتأتي أنت فلا يسعك إلا أن تتكلم؟ فلهذا فهذا الكلام باطل. قال: وإن علموا... تنأم... تنعم... مع توفر دواعيهم على العمل الصالح وتعليم الخير والنصح لهم، أن لا يعلموا أحداً بهذا الفضل ولا يسار إليه واحد منهم. قال: إذا كان هذه فيه فضل هذه الليلة، لماذا لم يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام؟ لماذا لم يتكلم الصحابة؟ لماذا لم يعمل أحد منهم فعلاً؟ ما في أحد من الصحابة صلى ليلة 27 أو صام يوم 27، وهكذا التابعون وتابعوهم، وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهم لم يفعلوا هذه البدعة. وإنما كما قال الشيخ: إنما حدثت بعد المائة الرابعة. قال: قال: فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزماً لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين الله، وللكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم أن لا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحد من اللازمين منتفٍ إما بالشرع وإما بالعادة، أن يمتنع أن يكون يعلمون هذا الشيء وهم يسكتون عنه ولا يبينون فضله ولا أحد يعمله. قال: علم انتفاء الملزوم هو الفضل المدعى. ثم هذا العمل المبتدع مستلزم إما الاعتقاد وهو ضلال في الدين، أو عمل دين لغير الله سبحانه وتعالى، والتدّين بالاعتقادات الفاسدة أو التدّين لغير الله لا يجوز. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. شكراً.