الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 135، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية تقسيم الأعياد إلى مكان وزمان واجتماع، مركزاً على الأعياد الزمانية المحدثة كليلة الرغائب وصلاة أم داود في رجب ومبطلاً مشروعيتها. ثم يرد ادعاء الرافضة بأن يوم غدير خم عيد لنص النبي على خلافة علي، مبيناً كذب ذلك ومخالفته لنقل الصحابة وأمانتهم.
يبيّن المقطع أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة لم يفعلها السلف ولا الأئمة الأربعة، مشبهاً إياه بأعياد النصارى واليهود. وينقل عن ابن تيمية أن من فعله جاهلاً قد يثاب على محبته واجتهاده لا على البدعة، مستدلاً باختلاف طرق الصوفية على عدم ثبوته شرعاً.
يؤكد المقطع أن المولد وغيره من البدع لم ترد عن السلف، وأن حسن القصد لا يصحح البدعة بل قد يفضي إلى فتور عن السنن. ويوضح أن إنكار المنكر يجب أن يقترن بالأمر بالمعروف وتقديم البديل الشرعي مراعاة للمصالح والمفاسد، محذراً من ترك السنة بحجة محاربة البدعة.
يبيّن المقطع أن القرآن جاء بالمثاني من أعمال الخير والشر، وأن النهي عن المنكر يجب أن يقترن بالأمر بمعروف يغني عنه لأن النفوس خُلقت للعمل لا للترك. ويوضح قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد وتقديم أهم المعروف عند التزاحم، وهو من فقه العلماء الراسخين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل: قد تقدم أن العيد يكون اسماً لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع. وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء. معنى العيد قد يسمى باسم المكان، مثلاً: عيد الأندلس، أو عيد كذا، مثلاً عيد بلد معين، أو مكان معين، أو قبر معين، فهذا اسم هذا العيد بالمكان. أو بالزمان، مثلاً: يقال عيد شهر كذا، أو عيد الفطر، عيد الأضحى، هذه أعياد بأسماء الزمان. أو بنفس الاجتماع، اسم الاجتماع الذي يجتمعون فيه يسمى مثلاً: حفل كذا، أو عيد كذا، والمراد به هذا الاجتماع. قال: أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال. أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يكن له ذكر في السلف أن يحتفلون بيوم، مثل الإسراء أو المعراج، أو يوم معين من أيام الأسبوع، آخر خميس في رجب، أو آخر جمعة في كذا. قال: ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، أي: لم يدل على ذلك الشرع، ولا أيضاً أنه جاء عن السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، أي: ليس هناك ما يدل على تعظيم هذا اليوم. قال: مثل أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة، وروي فيه حديث موضوع. وهذا التي كما ذكر المؤلف تسمى صلاة الرغائب، وذكر فيه حديث موضوع، أو روي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، مضمونه فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب. وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم. وهذا مما أحدثه جماعة من الناس، على أن ذلك اليوم تُصلّى فيه هذه الصلاة التي يسمونها صلاة الرغائب، وهي صلاة باطلة، يقرأ فيها «قل هو الله أحد» في كل ركعة عشر مرات، أو كذا. الصلاة مخترعة في زمانها وفي هيئتها. قالوا: الصلاة. والذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة. وقد حصلت مساجلة بين عالمين مشهورين: ابن الصلاح، وأيضاً ابن أبي العز، أو أقصد العز بن عبد السلام. فالعز بن عبد السلام يرى ذلك جائزاً، وهذا يدل على الانحراف في منهجه، وابن الصلاح يرى أنها بدعة قبيحة. وقد ذكر النووي رحمه الله هذه المساجلة التي حصلت، أو أشار إليها، وقال: والصواب أنها بدعة قبيحة. بدعة قبيحة، أي: هذه الصلاة. قالوا: عن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة، وإظهار الزينة، ونحو ذلك، حتى يكون هذا اليوم بمزية غير ملائمة، وحتى لا يكون له مزية أصلاً. وكذلك يوم آخر في وسط رجب يُصلّى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود، فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشرع أصلاً. أن يصلونها في النصف، أو في ليلة النصف من رجب، تسمى صلاة أم داود. وبعض هذه الأشياء قُرِضَت، أي: ما تجد أحداً يصليها، لكن تجد في بعض الأماكن لا زالوا يصلونها، أو بعض الطرق تجد يحافظون عليها، كالأحمدية مثلاً، أو الرفاعية. قال: النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري فيه غيره. ما جرت فيه حادثة من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه، كثامن عشر ذي الحجة. ثامن عشر من ذي الحجة، قبل يوم عرفة، الذي خطب النبي عليه الصلاة والسلام فيه بغدير خم، مرجعه من حجة الوداع. قال: فإنه صلى الله عليه وآله وسلم، معنى ثامن عشر من ذي الحجة ليس الثامن، الثامن عشر من ذي الحجة، معنى بعدما رجع عليه الصلاة والسلام من حجته، حجة الوداع، فخطب، مر على ماء يسمى غدير خم، فخطب فيه. هل النبي عليه الصلاة والسلام خطب في ذلك المكان اعتماداً على ذلك المكان، أو أن ذلك المكان له فضيلة؟ هذا لم يأتِ كما سيبينه الشيخ رحمه الله. قال: فإنه صلى الله عليه وآله وسلم خطب فيه خطبة، وصى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه. فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص الجلي. ولهذا فهم يجعلون، أي: الروافض أخزاهم الله، يجعلون ذلك اليوم يوم عيد، يقولون: عيد غديركم، ويدعون أن ذلك اليوم أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالخلافة لعلي. وهذا كذب مفضوح. هذا كذب مفضوح، لأن هذه الخطبة التي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم قد نقلها الصحابة، وليس فيها ما يذكرون. وإن كان فيها ما يذكرون، فلماذا خفيت على الصحابة رضي الله عنهم وهم معه؟ كيف يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بخلافة علي ثم لا ينفذوا ذلك ولا يذكرونه؟ لو كانت هذه الوصية صحيحة لذكروها في سقيفة بني ساعدة، لذكروها في سقيفة بني ساعدة. لكنه كذب مفضوح، كذب مفضوح. فليس هناك أحد يذكر مثل هذا إلا هؤلاء الروافض أخزاهم الله. قال: بعد أن فَرَشُوا له وأقعدوه على فراش عالية، ذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء. وزعموا أن الصحابة تآمروا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا إلا نفراً قليلاً. مع أن هؤلاء النفر كانوا موجودين، أو أكثرهم، عن الحسن والحسين، وكذلك سلمان الفارسي والمقداد. هؤلاء الذين استثنوهم، تجد أن هؤلاء كانوا موجودين أيضاً مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلماذا سكتوا؟ فلماذا سكتوا عن هذا الأمر؟ وتجد هؤلاء الروافض لا يدخلونهم في هذا الكلام، معنى ما يقولون أنهم فسقوا ولا كفروا، وإنما يجلونهم ويثنون عليهم لأنهم كانوا مع علي رضي الله عنهم. وهذا يدل على تناقضهم. قالوا: العادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم كان القوم ما عليه من الأمانة، وما كان ثم ما كان عليه القوم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق، يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع كتمانه. معنى: الصحابة رضي الله عنهم ما كتموا ما كان فيهم، وما كان ذماً لهم، فكيف سيكتمون شيئاً من هذا؟ ولماذا هم يكتمون هذا الأمر، مادام أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى به؟ لكن هؤلاء يريدون أن يخربوا في دين الله. ومن افترائهم أنهم يقولون في الأذان: «وأشهد أن علياً وصي الله». وهذا يضمن الافتراء على الله عز وجل. وأيضاً الصحابة رضي الله عنهم كانوا أهل أمانة وديانة، كيف سيخفون هذه الأشياء؟ كما قلنا: أنهم ما أخفوا ما كان فيه ذم لهم. جابر بن عبد الله يروي الحديث الذي في سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، عن بني سلمة وبني الحارث من الأنصار، وجابر من بني سلمة، وأتى بهذه الآية، وأتى بتفسيرها، أو بسبب نزولها، وهي فيهم. فلذلك فالصحابة رضي الله عنهم يأتون بما كان فيهم. أبو ذر رضي الله عنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إنك امرؤ فيك جاهلية». فلذلك فالصحابة ما كانوا يكتمون شيئاً أبداً، فكيف سيكتمون مثل هذا؟ قال: وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة، وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له. فلم يكن في السلف، لا من أهل البيت، ولا من غيرهم، من اتخذ ذلك اليوم عيداً، حتى يحدث فيه أعمالاً. إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع، لا الابتداء. قد بين ذلك الشيخ في أول الكتاب. قالوا: للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأعياد أعياداً عن تلك الأماكن. وإنما يفعل هذا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعياداً، أو اليهود. وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه. قالوا: كذلك ما يحدث بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي عليه الصلاة والسلام وتعظيماً، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع، من اتخاذ مولد النبي عليه الصلاة والسلام عيداً. انظر إلى هذا الكلام، كلام واضح فيه أن شيخ الإسلام يرى أن الاحتفال بعيد المولد بدعة. لكن هؤلاء أخذوا قوله: «والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد»، هذه الكلمة أخذوها، وقالوا: أن شيخ الإسلام يثني على المولد، وعلى من يعمل المولد. لكن الشيخ هنا يريد أنه من لم يعلم الأدلة، وفعل ذلك تعظيماً للنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه قد يثاب. لكن يثاب على ماذا؟ يثاب على المحبة والاجتهاد. لكن لا يثاب على البدع، هذه البدع التي فعلها لا يثاب عليها. هذا إذا كان جاهلاً، وإلا فمن أقيمت عليه الحجة، وبين له، فهذا لا عذر له. قال: من اتخاذ مولد النبي عليه الصلاة والسلام عيداً، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له. أي: لم يفعله السلف أبداً، بل أن كثيراً من أهل العلم صرحوا أن هذا لم يكن عند سلف الأمة، ولا الأمة ما كان تعرفه، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا مالك، ولا أبو حنيفة، ولا غيرهم من أئمة الإسلام ما كانوا يعرفون شيئاً اسمه المولد، فيأتون ويحتفلون. وهذا ما يدل على أنهم أهل الأهواء. طيب، لماذا لا يتبعون الشافعي؟ أين كلام الشافعي في هذه المسألة حتى يقال أن هذا المولد شرعي؟ والأمر أنهم يجعلون هذا المولد من مهمات الدين، يجعلونه من مهمات الدين، وكل من أنكر المولد عندهم إما أن يقول أنه لا يحب النبي، أو أنه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، يلمزون من لم يفعله. فقال الشيخ: أن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، أن لو كان خيراً لسبقوا إليه. المقتضى ممكن: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا ولدت في هذا اليوم، فاحتفلوا في هذا اليوم، وصلوا علي في هذا اليوم كثيراً». لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: في هذا اليوم صلوا علي. أنا الآن تخصيص الصلاة في هذا اليوم، أو كثرة الصلاة في هذا اليوم، أيضاً بدعة، لم يأتِ عن النبي عليه الصلاة والسلام. والمقتضى موجود. النبي صلى الله عليه وسلم، كما قلنا، قد، إذا كان هذا شرعياً، لقال: صلوا علي في ذلك اليوم كثيراً. مثل ما قال في الجمعة: النبي صلى الله عليه وسلم قال في الجمعة: «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه». نعم، صرح النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العلماء: يستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة ويوم الجمعة. أما يوم، مثلاً: ربيع الأول، أو 12 ربيع الأول، أو يوم الاثنين، أو يوم كذا، لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا اليوم تكثر الصلاة عليه، يعني: يستحب التأكيد استحباباً، أكثر الصلاة مثل الجمعة. الآن لو قلت لأحدهم: أيهما أولى بالكثرة الصلاة عليه النبي صلى الله عليه وسلم، يوم المولد، أو يوم 12 ربيع الأول، أو يوم الجمعة، أو يوم الاثنين، أو يوم الجمعة؟ لقال: يوم الاثنين. الآن بعض مساجد المبتدعة تجد يعملون مولد ليلة الأحد، ولا يعملون مولداً ليلة الخميس. والمهم أن هذا كله مخالف لشريعة الله جل وعلا. فهذا كما قلنا: المولد بدعة أحدثها أعداء الله، أحدثها أعداء الله من العبيديين والروافض. طيب، قال: قال: فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه. لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. أن هذه الأمور التي ذكرها الشيخ هي دليل على المحبة، ودليل على كمال المحبة، ليس الإحداث. إذا جاء 12 ربيع الأول كثروا، مثلاً، في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. هذا إذا قلنا أن هذا صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هم أولاً يذكرون أشياء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أشياء باطلة، كذب على النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضاً، زد على ذلك أن في الموالد هذه استغاثات بغير الله عز وجل، وتوسلات مبتدعة، وتبركات أيضاً مبتدعة. فكل ذلك تجد في الموالد. وموالدهم تختلف: مولد ابن ديبع يختلف عن مولد العلويين، ومولد فلان، وذاك مولد فلان. معنا موالد الطرق الصوفية تجد أنها تختلف في مسألة الإنشاد، وإدخال الأشعار، وكذلك قد يكون في بعضها استغاثات بغير الله جل وعلا، بشيخهم، أو بكذا. فكل طريقة من طرق صوفية تجد لها طريقة أو هيئة في المولد. طريقة الرفاعية مولدها يختلف عن الطريقة الشاذلية، والطريقة النقشبندية يختلف مولدها عن الطريقة الأحمدية، وهكذا. كذلك الطريقة هنا العلوية يختلف أيضاً مولدهم عن غيرهم. وكأنه ليست شريعة واحدة. فلو كان من عند الله عز وجل لما وجدوا فيه هذا الاختلاف. لكن كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. لما كانت هذه البدع والموالد من عند غير الله، اختلف فيها اختلافاً كثيراً. قالوا: أكثر هؤلاء الذين تجدهم الراغبون في أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد والاجتهاد، الذين يرجى لهم بهم المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول. والشيخ هنا يقدم مثل هذه المقدمات حتى يقبل كلامه ويعقله هؤلاء، إن كان لهم عقول. فيقول: أن من أخلص يثاب. وبعض العلماء يقول: أن هذه المثوبة لا تحتاج لاجتهاد، يأتي الإنسان ويجتهد بعد القرون المفضلة، بعد الأربعمائة، بعد الخمسمائة سنة، يأتي ويجتهد، ويقول: أن هذا المولد سنة. وهذا تجنٍ. بعضهم يقول: المولد سنة، وبعضهم يقول: بدعة، لكنها بدعة حسنة. فهذا الكلام لم يعرفه العلماء، لم يعرفه العلماء. ولو كان، فلذلك فالاجتهاد هذا باطل. ولهذا بعضهم يقول: أن شيخ الإسلام هنا أخطأ في تعميم كلامه. صحيح أن بعض الناس الذين جهلوا هذا الأمر يدخلون في هذا، لكن ليس كل من فعل هذا يثاب. وكلام الشيخ أيضاً يدل على هذا. لكن يقول: يرجى لهم بهما المثوبة، أي: بحسن القصد والاجتهاد في الدين. لكن كما قلنا: الاجتهاد ما يكون يأتي إنسان يجتهد، وبعيد عن الأجلة. وأيضاً كذلك لم يقل بقوله من كان قبله، من كان قبله. فإن الإنسان الذي يأتي بمثل هذه الأشياء، فغالباً قصده سيء. قال: ثم تجدهم فاترين في أمر الرسول. فاترين، الظاهر يريد أنهم ليس عندهم اجتهاد، من الفتور، أي: ليس عندهم اجتهاد في الطاعة، في السنن، لكن اجتهادهم في البدع. عما أمروا بالنشاط فيه. وإنما هم بمنزلة من يحل المصحف ولا يقرأ فيه، زين فقط، أو يقرأ فيه ولا يتبعه. وبمنزلة من يتخذ المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً. وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة. مسابيح، معنا: هذه التي يسمونها السبحة، جمع مسبحة، أو سبحة. وهذه الخرزات التي استعملها للتصوف غالباً، ويعتقدون فيها البركة. أي: تجد بعضهم إذا سبح يمسح يده بالسبحة، ويضعها في ثيابه، ويضعها في وجهه. هذا أيضاً باطل، تبرك باطل. قال: وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع، ما يفسد حال صاحبها. كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم». والحديث فيه ضعف، أخرجه ابن ماجه، لكن فيه ضعف. قالوا: أعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاجتلابه على أنواع من المشروع، وفيها أيضاً شر من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيراً بالنسبة إلى ما اجتلبه من أنواع المشروع، وشراً بالنسبة إلى ما اجتلبه من الإعراض عن الدين بالكلية، كحال المنافقين والفاسقين. وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة. فعليك هنا بأدبين: معنى: يفعل الأعمال أصلها موجود في الشرع، لكن يحدث فيها بدع، مثل هذه الموالد وغيرها. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة، لكن بهذه الطريقة لم تشرع. قال: أحد: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك، وخاصة من يطيعك، وتعرف المعروف وتنكر المنكر. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان. فإذا رأيت من يعمل هذا، ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب. لأن إذا دعوته وترك هذا إلى ما هو شر، فهذا ليس من إنكار المنكر. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما وجد التتار يشربون الخمر، فأراد بعض أصحابه أن يلقى بهم، فمنعه من ذلك، وقال: وجودهم في هذا أفضل من أن يؤذوا المسلمين. نجعلهم يشربون خمر ولا يؤذوا المسلمين. قال: قال: وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمنة المتأخرة. فعليك هنا بأدبين: أحد: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة ظاهراً وباطناً في خاصتك، وخاصة من يطيعك، وتعرف المعروف وتنكر المنكر. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان. فإذا رأيت من يعمل هذا، ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب، أو مندوب، تركه أضر من فعل ذلك المكروه. ولكن إذا كان في البدع من الخير، فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان. أن إذا كان فيها شيء من المشروع، يُنفى وينكر ذلك الزائد، ويوضع ما كان مثله. قال: إذا النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء. أي: لابد تريد بدلاً. قال: لا ينبغي لأحد، وبدل بدع السنة، السنة. مثلاً: لو قلنا الموالد، لو قالوا: ما البديل؟ نقول: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في أي وقت. فأعتبر بديل محبة النبي عليه الصلاة والسلام باتباعه. فعرف بديل، أو تكون بديلاً: الذب عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والدفاع عنها، أيضاً يعتبر بديلاً، فهو يدل على المحبة. قال: فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون، قد أتوا مكروهاً، فالتاركون أيضاً للسنن مذمومون. فإن منها ما يكون واجباً على الإطلاق. عن الذين تركوا السنن أيضاً يذمون. قالوا: منها ما يكون واجباً على التقييد، كما أن الصلاة النافلة لا تجب، ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها. معنى: الصلاة، صلاة النافلة لا تجب. صلاة، مثلاً: بعد ركعتي الفجر، قبل ركعتي الفجر، هذه سنة نافلة. إذا كان، مثلاً، الإنسان سيخل بأركانها، يقال له: لا، لابد أن تأتيها بأركانها. قالوا: منها ما يكون واجباً على التقييد، كما أن الصلاة النافلة لا تجب، ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها. وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة، والحسنات الماحية. ما يجب على من كان إماماً، أو قاضياً، أو مفتياً، أو والياً، في الحقوق. وما يجب على طالبي العلم، أو نوافل العبادة، من الحقوق. أنا الآن: الإنسان لا يضيع السنن، لا يضيع العبادة، يضيع نفسه، خاصة إذا كان طالب علم، يحرص على نوافل العبادات، يحرص على نوافل العلم، نوافل كل شيء فيه خير. قالوا: منها ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة. معنا: من السنن. ومنها ما يكره تركه، ويجب فعله على الأئمة دون غيره. وعامتها يجب تعليمها، والحث عليها، والدعاء إليها. قالوا: كثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات، تجدهم مقصرين في فعل السنن. من ذلك لأنه ما من إنسان اجتهد في بدعة إلا ترك من السنة مثلها، كما قال ابن عباس. قالوا: لعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المجتلبة على نوع من الكراهة. بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لحدهما إلا بصاحبه. فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه، كما يأمر بعبادة الله عز وجل. وهذا هو حال القرآن، تجد أنه يأتي بأعمال أهل الخير، ويأتي بأعمال أهل الشر، يأتي بالنعيم، ويأتي بالعذاب. فهذا من المثاني الذي جعله الله عز وجل في هذا القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال: والنفوس خُلقَت... قال: وينهى عن عبادة ما سوى الله، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله. قال: فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه. هذا الذي ينبغي، حتى يرى صاحب المنكر أن هناك بدلاً. مثلاً: أنكر عليهم جلوسهم في أماكن الغيبة والكذب، أو أماكن الخمر، يحتاج إلى مكان يجلسون فيه، حلق علم، أو مكان فيه نصح وإرشاد، وهكذا. قال: ولا قوام لحد منهما إلا بصاحبه. فلا ينهى عن منكر إلا ويأمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله. والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك. وإنما الترك مقصود لغيره. فإن لم تشتغل بعمل صالح، وإلا لم تترك العمل السيء، أو الناقص. ولكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح، نُهيت عنه، حفظاً للعمل الصالح. أن أحياناً النفوس خلقت لتعمل، لا لتترك. وإنما الترك مقصود لغيره. لكن خلقت لتعمل. فإذا تركت شيئاً، فإن كان هذا تركها لله، وإكراماً على هذا الشيء، فهذا يؤجر عليه الإنسان. قال: فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم، بحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك، أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد. ولهذا قيل: الإمام أحمد، عن بعض الأمراء، إنه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك، فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط. وليس مقصود أحمد هذا. إنما قصدوا أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضاً مفسدة، كره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتادوا بفساد لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور، من كتاب الأسفار، أو الأشعار، أو حكمة فارس، أو الروم. هناك أشياء يريد الشيخ أن يبينها، أو يبين أنحياناً يترك إنكار المنكر، لأجل ما يفسده، أو لأجل أن هذا الشخص إذا أنكرت عليه هذا الشيء، سيرتكب ما هو أكبر منه. قال: فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اجتلبته الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام. فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل. فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، أو جنس الدليل وغير الدليل، يتيسر كثيراً. فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم، أعرف المعروفين، وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإن هو خاصة العلماء بهذا الدين. ثم ذكر المراتب الثلاث. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.