شرح السنة للإمام البربهاري 6

شرح السنة للإمام البربهاري 6

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية اتباع السنة وخطورة الهوى

يناقش الدرس أهمية اتباع السنة النبوية وخطورة اتباع الهوى، ويؤكد على أن الدين جاء من قبل الله ولم يوضع على عقول الرجال وآرائهم. يشير إلى أن الصحابة هم الجماعة وهم السواد الأعظم الذين يجب اتباعهم.

تعريف الجماعة ومعنى الكفر

يناقش الدرس تعريف الجماعة وأقوال العلماء في ذلك، ويخلص إلى أن الجماعة تشمل الصحابة والتابعين ومن سار على منهاجهم. كما يوضح معنى الكفر في الشريعة وأنه ينقسم إلى كفر أكبر وكفر أصغر.

الرد على الاتهام بالنزعة التكفيرية

يناقش الدرس الرد على من يتهم الإمام البربهاري بالنزعة التكفيرية بسبب عباراته الصارمة حول مخالفة الصحابة، ويقدم ثلاثة أسباب لدفع هذا الاتهام. يؤكد على وجود محامل متعددة لكلام البربهاري واستخدام سلطة العلم لتحديد المعتقد الصحيح.

ختام الدرس والدعاء بالقبول

اختتم الدرس بالتأكيد على أهمية ألفاظ الذكر وتعدد محاملها، ثم دعا بأن ينفع الله بما قيل. أنهى بالتأكيد على علم الله تعالى.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف -هو البربهاري- رحمه الله تعالى في رسالته الموسومة بـ "شرح السنة": قال رحمه الله: "واعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئًا بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام". وأضمر ذلك -أخواني- معنا في بيان خطورة اتباع الهوى، وأنه أصل الضلال، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وأنما العلم هو من قبل الله ومن عند رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأما أن تصادم النصوص وترد النصوص الشرعية بأقوال الرجال من المشائخ والسادة ونحو هؤلاء، فهذا لا يجوز، بل هذا كما قال كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من جنس صنيع الكفار، أنهم كانوا يردون النصوص ويردون الشريعة بأقوال فلان وفلان من السادة ومن الأحبار والرهبان ومن الأكابر. وقد قام الإجماع كما ذكر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، قال: "أجمع الناس على أنه من استبانت له السنة لم يجز أن يدعها لقول فلان كائنا من كان"، وهذا بالإجماع لا يجوز أن تدع السنة لقول فلان وعلان. والأسف مما ابتلي به الكثير من المسلمين ممن تعصبوا إلى المذاهب أو تعصبوا إلى بعض الفرق أو تعصبوا إلى بعض الأحزاب، فتراهم يستميتون على بدعهم مقابل أن يتركوا النصوص الشرعية. ثم قال رحمه الله تعالى: "فإنه لا حجة لك، فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته السنة وأوضحها لأصحابه". نعم، نبينا صلوات ربي وسلامه عليه قد بيّن السنة، فلا ترك عليه صلى الله عليه وسلم لشيء متعقب، فليس هناك متعقب أو مستدرك على نبينا عليه الصلاة والسلام. فرسول الله قد ترك الناس على المحجة البيضاء، كما جاء في السنة، قال عليه الصلاة والسلام: "تركتكم على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك"، فما ترك صغيرة ولا كبيرة تتعلق بأمور الدين إلا وبينها عليه الصلاة والسلام. كما ثبت ذلك في مسلم عندما جمع الناس، قال: "إنه ما من نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم من شر ما يعلمه لهم". ونبينا هو من أرسل الأنبياء، وجميع الأنبياء على هذا منوال أنهم قد بيّنوا وأنهم قد حذروا، فلا يأتي أحد يقول النبي قد قصر في الرسالة أو فرّط في دين الله جل وعلا. ولهذا كان ذلك الفعل من نبينا -وهو التبيان التام والكامل لدين الله- محل إعجاب ومحل دهشة من خصوم الدين. يأتي اليهودي كما في صحيح مسلم عند سلمان الفارسي يقول: "إن نبيكم علّمكم كل شيء حتى الخراءة"، يعني حتى التبرز والتغوط، هذا صحيح. ما نريد ملة سواء كانت ملة سماوية على ما يدعي أصحابها أو ملة دنيوية، أنها تسير على غرار هذه الشريعة السمحاء. ما من صغيرة ولا كبيرة حتى في خصوصيات حتى في باب الحمامات وباب التبرز وقضاء الحاجة إلا والإسلام قد بيّن الأحكام الشرعية فيه: كيف الاستقبال، كيف الاستدبار، كيف الاستنجاء، كيف الاستجمار، باليد اليمنى باليد اليسرى، آداب الدخول، آداب الخروج. أين تجد هذا؟ إن جئت عند النصارى، فالنصارى ما عندهم أحكام في الإنجيل، ليس فيها أحكام، النصارى يعرفون ذلك، النصارى ما عندهم في الإنجيل إلا الوعظ فقط، هم فقراء في الإنجيل، ما عندهم أحكام دينية، إن وجد الأحكام عند النصارى ما أخذت من اليهود، ما أخذت من اليهود. وإن جئت عند اليهود، فما بقي شيء من أحكام الشريعة قد حرّف وقد تلاعبت بها الأيدي، فما عندهم شيء سوى الأساطير والأغلال التي كتبت عليهم. أما هذه الملة الحمد لله ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام قد بيّن نبينا الدين بكل صوره، فليس هناك متعقب وليس هناك مستدرك. ولهذا في حجة الوداع في آخر حجة لنبينا وجمع الصحابة بالألوف، قال: "ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟" قالوا: "نعم". قال: "فاللهم اشهد، فاللهم اشهد". شهد الجميع أن النبي قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة. ثم قال رحمه الله تعالى: "وأوضحها لأصحابه". هذه الملة السمحاء الملة العظيمة التامة الكاملة الشافية الوافية بيّنها نبينا عليه الصلاة والسلام لمن؟ لأصحابه. فقال المؤلف: "وأوضحها لأصحابه، وهم الجماعة وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم الحق أهله". إذن أراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذه المقدمة أن يبين منزلة الصحابة. إذا أنت سلمت -يا عبد الله- على أن نبينا قد أكمل الدين بما جاء به نبيه الرب جل وعلا من الشريعة والوحي على رسول الله، فإذا كان الدين تام وكان دين كامل، هذا دين لمن أعطاه نبينا؟ لما أعطاه نبينا أعطاه للصحابة، إذن فالصحابة هم على منهاج النبوة، فهم الجماعة. وأنت قد مر معك أنك ملزم بالأخذ بمنهج الجماعة. فإذا أنا علمت أن نبينا قد أتم الدين وأعطى الدين للصحابة وهم الجماعة، أنت ملزم بأخذ بمنهج الصحابة. فلنفكاك -يا عبد الله- من أنك تدور حول فلك الصحابة والذي كانوا يدورون عليه. فقال: "وهم الجماعة وهم السواد الأعظم". وقلنا الأصل: "هم أصل الجماعة، الصحابة هم أصل الجماعة". وقد بيّن ذلك في دروس ماضية. علمنا مهما ذهب إلى الأقوال المبثوثة والتي رجّح بعض العلماء في تحديد معنى الجماعة، تجد أن الأصل فيهم هم الصحابة، الأصل فيهم هم الصحابة. قال: "وهم الجماعة وهم السواد الأعظم والسواد الأعظم الحق وأهله". وهنا مسألة، المؤلف رحمه الله تعالى ها هنا في هذه الفقرة قد أتى بعدة تعاريف لمعنى الجماعة. هذه الأقوال بالحقيقة هي أقوال بعض العلماء، وهي منسوبة كذلك لبعض الصحابة في تعريف الجماعة: من هم الجماعة؟ من أهل العلم من ذهب إلى أن الجماعة هم الصحابة، وهذا منقول عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعن جماعة من أهل العلم. ومن قائل بأن الجماعة هم السواد الأعظم، وهذا كذلك منقول عن أبي مسعود الأنصاري، وينسب هذا القول كذلك إلى تفسير عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. ومن قائل -كما قال المؤلف رحمه الله تعالى- أن الجماعة هم الحق وأهله، هم الحق وأهله، وهذا قول طائفة من أهل العلم، ورجح ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى. إذن المؤلف هنا جمع هذه التعاريف وجعلها في نمط واحد: الجماعة هم الصحابة، وهم السواد الأعظم، وهم الحق وأهله. مع التدقيق والتحقيق تعرف أن هذه أقوال لبعض الناس: قول لجماعة من الناس، وهذا قول لجماعة من الناس، وهذا قول لجماعة من الناس. إذن ماذا يدل هذا؟ يدل هذا على ترجيح قول بعض المحققين على أن ما يذكر من تحديد ما هي الجماعة، أن هذه عبارة عن تفسير لبعض المعنى، تفسير لبعض معنى الجماعة. وأن الجماعة تشمل هذه المعاني كلها، كل هذا ما يذكر يدخل في الجماعة. فالجماعة هم السواد الأعظم، وهم الصحابة، وهم الحق وأهله، وهم الذين اجتمعوا على أمير، وهم الذين اجتمعوا على الأمر، كل هذه الصفات تدخل في تعريف الجماعة. وأما من حدد قال: "لا، الجماعة هم كذا"، فهي قال هذا تفسير لبعض المعنى. ومن قال: "لا، الجماعة هم هؤلاء"، فهي قال هذا تفسير لبعض المعنى. ولهذا فالصحيح -والله تعالى أعلم- أن التعريف الجامع والمانع لتعريف الجماعة: هم الصحابة والتابعون ومن سار على منهاجهم إلى يوم الدين، الصحابة والتابعون ومن سار على منهاجهم إلى يوم الدين، هؤلاء هم الجماعة في كل زمان وفي كل مكان، وأصلهم الصحابة. أصل هذا التعريف هم الصحابة، ومن يذكر من التعاريف فهذا عبارة عن أوصاف، عبارة عن أوصاف الجماعة. فقول من قال أن الجماعة هم العلماء، فقال أي أن من أوصاف الجماعة أنهم من أهل العلم. وكما ذكر ذلك الشاطبي، قال: "فإن أهل السنة هم العلماء"، وخرج بذلك المبتدعة، فإن المبتدعة لا يعتبر من أهل العلم. ولهم من العلماء، وأن من قال بأن الجماعة هم السواد الأعظم، أراد بذلك وهم من كان على ما كان عليه الصحابة، إذ أنهم السواد الأعظم في فترة الوحي وما بعد الوحي. وهكذا قصة عبد الله، فكل ما يذكر من تحديد طائفة في تحديد الجماعة، فيقال هذا تفسير لبعض المعنى، تفسير لبعض المعنى. وإلا فالصحيح فإن هذه تعاريف كلها تدخل في معنى واحد. وأكبر دليل ما فعله المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا، جمع هذا القول ودخل هذا القول وأتى بهذا القول وجعله كله في تعريف واحد، فدل ذلك على أن تعريف الجماعة هو أوسع ويدخل في ذلك ما ذكره العلماء هاهنا وهاهنا. قال: "وهم الجماعة وهم السواد الأعظم"، قال: "والسواد الأعظم الحق وأهله". فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر. قوله رحمه الله تعالى: "فقد كفر"، أي وهذا الوصف يطلق في حق من خالف الصحابة. ينبغي أن نعلم قبل الدخول في شرح الكلمة أن الكفر عند أهل السنة والفرقة ينقسم إلى قسمين: الكفر عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى كفر أكبر وهو مخرج من الدين والملة، وكفر أصغر أو ما يسمى بكفر دون كفر، كفر دون كفر، وهذا لا يخرج من الدين ولا يخرج من الملة. فليس من اللزوم أنك -يا عبد الله- سمعت لفظة كفر أن صاحب ومرتكب هذا الفعل كافر، لا، ليس بشرط. وقد جاءت الدلالة من السنة تدل على هذا الفحوى وعلى هذا المعنى: أن لفظ الكفر يطلق على ما هو دون الكفر الأكبر، كقوله عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". فهل إذا تقاتل المسلمان كفر؟ لا، ليس بالكفر الأكبر. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". فوصف النبي أن التقاتل ورفع السلاح بين المسلمين هذا يعد ماذا؟ كفر، لكن هل هو كفر أكبر؟ لا، ليس بكفر أكبر، وإنما كفر دون كفر. وبهذا ضل من ضل من المبتدعة كالوعيدية من الخوارج، عندما أخذوا لفظ الكفر على ظاهره، وقالوا: "أينما وجدنا لفظ الكفر فهو كفر مخرج من الدين والملة". فظلوا عن سواء السبيل وكفروا الأمة وكفروا أصحاب الذنوب وأصحاب المعاصي. إذا علينا أن نعلم أن لفظ الكفر في الشريعة قد يأتي إلى الكفر الأكبر، ويأتي إلى الكفر الغير مخرج من الملة، وهو يسمى بالكفر الأصغر أو كفر دون كفر. إذا علمنا ذلك نأتي الآن إلى شرح عبارة المؤلف، قال رحمه الله تعالى: "فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر". حمل الشرح عبارة المؤلف على عدة محامل: المحمل الأول أن المقصود بالكفر هنا هو الكفر الأكبر، وذلك في حق من جحد شيء من أمر الدين، من جحد شيء خالف الصحابة، وذلك بجحوده لشيء من أمر الدين، فهذا قد كفر كفرًا أكبر، ويكون كلامه على ظاهره، ما يحتاج إلى تأويل. وأما القول الآخر، قال علماء: "أو أنهم خالفهم فيما هو دون العقيدة ودون الجحود، كأفعالهم ما دون الجحود". فهذا كفر أصغر، كفر أصغر، وماذا من جنس المعاصي والذنوب والكبائر كان يفعل ويتفق على أمر ما، فتخالفهم في ماذا؟ في منهجهم وفي سبيلهم وفي صراطهم، فأنت مبتدع، وأنت مبتدع، وأنت من أهل الوعيد ومن أهل الكبائر والذنوب، وأنت متوعد بالنار. والقول الثالث من العلم من حمل عبارة المؤلف رحمه الله تعالى "فقد كفر" أن هذا من باب الاستدراج، من باب الاستدراج. وصورة ذلك كما جاء في حديث الذي جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده". هذا الحديث أشكل على بعض العلماء، يقول: "كيف البيضة وهي بيضة كيف يأتي السارق يأخذ البيضة فتقطع يده؟" والمعلوم أن قطع اليد يكون إذا بلغ النصاب، بلغ النصاب، والبيضة دون النصاب. فعلى ماذا؟ فجاء بعض علماء حملوا على عدة محامل، لكن من أهل العلم من حمل هذا الحديث على باب الاستدراج. ووجه الاستدراج قالوا: "أن الذي يبدأ بالسرقة قد يبدأ بشيء صغير يأخذ بيضة، فإذا تسلط على السرقة واعتاد عليها تنمو معه هذه الموهبة الموهبة الخبيثة الإجرامية فيسرق الدجاج يرتقي درجة، فإذا كبر يسرق الأغنام والدواب، فإذا كبر يأخذ المتاع ويأخذ الذهب والأموال والفلوس، إذن فيمسك بعد ذلك فتقطع يده". طيب تقطع يده من الذي أدخله في باب السرقة؟ البيضة، "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده"، أي من باب الاستدراج، أخذ البيضة فتدرج في السرقة حتى وصل به المآل إلى ما هو المتاع الكبير، فقطعت يده. وهكذا قال علماء: "تحمل عبارة المؤلف على الاستدراج أن رجل ربما خالف الصحابة في أمر ما وهو ليس بكفر، ثم المخالفة الثانية ليست بكفر، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم تدرج إلى خلاف جماعتهم، ثم تدرج الخلاف في معتقدهم، فكفر بالله عز وجل". لماذا؟ بالمخالفة الأولى لصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذه عدة محامل -يا عباد الله- لهذه المسألة. ومن هنا جاء التنبيه على مسألة وهي ما قام به بعض المشايخ ممن ينتسب إلى العلم، أخذ مثل هذه العبارات عن المؤلف رحمه الله تعالى، وأخذوا يلمزونه بأنه تكفيري، بأنه تكفيري. فسمع من بعض المشايخ مثلا يقول: "البربهاري -أصلحه الله- فيه نفس تكفيري، فيه نفس تكفيري". ويأتي بمثل هذه العبارات، يقول: "انظر ماذا قال البربهاري، قال: من خالف الصحابة فقد كفر". كيف يكفر؟ عبارة أخرى وسيأتي معنا مثلها من أمثالها، كثير من أمثال هذه العبارة، كثير. أن المؤلف يأتي بألفاظ: "كفر، كفر، كفر، كفار". يأتي، فبعضهم أخذ الحديث هذه الألفاظ وأخذ يلمز ويطعن في المؤلف، يقول: "أن المؤلف نفس تكفيري". وهذا خطأ ورجع على هذه المسألة وعلى هذا الوصف الغير اللائق بأمور ثلاث. الأمر الأول: أن كما رأينا في هذه المسألة أن المؤلف رحمه الله تعالى له محامل، عبارته لها محامل، وكل محمل من هذه المحامل وجيه، لها اعتبار، ولها وجهة نظر. إذن فليس هناك وجه للتكفير أصلا، ليس هناك يعني داعي لأنك ترميه إلى وجود نزعة تكفيرية، وخاصة أن كلامه صواب على المحمل الأول له وجه، على المحمل الآخر له وجه، وعلى المحمل الثالث له وجه. وما كما سيأتي معنا له محامل، فما ينبغي أن نتسرع في وصف البربهاري بأنه فيه نزعة تكفيرية. وهذه المحامل قد ذكرها العلماء، ذكرها العلماء، وما وردضوها، وردضوها، ودافعوا عن المؤلف رحمه الله تعالى. إذن هذا الرجل الأول: أن العبارات المؤلف فيها محامل وليس فيها تكلف. الأمر الثاني: أن ينبغي أن ننظر إلى من المؤلف البربهاري، كيف كان حاله في مجتمعه؟ المؤلف كما مر معنا في بداية ترجمته له: "أنه في قومه ولو كما قال: هيبة عند أهل زمانه، بل وكما له احترامه وحشمته حتى عند السلاطين والملوك". فأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يستخدم هذه السلطة التي بيده -السلطة العلم- بماذا؟ بأن يبين للناس المعتقد الصحيح، بحيث لا يجعل هناك لبس لمن يشكك أو من يفكر بماذا؟ باجتهاد آخر. فقال: "هذا كفر، وذاك كفر، وهذا لا يجوز". فاستخدم العبارات القوية في هذا الباب حتى يسد المسد على الناس أنه لا يخرج عن هذا النطاق وعن هذه المسألة التي حددها وذكرها. فإذا مثلا يأتي العام يقول ماذا قال إمامنا؟ ماذا قال؟ شيء قال: "ما نخالف الصحابة قد كفر، أمره عظيم، أمره كبير، فيهاب الناس". فالمؤلف استخدم سلطة العلم بذكر هذه العبارات لكي يحد من المخالفات، وليجعل مدال لأهل زمانه بالخروج عن النظريات. وخاصة مع وجود المبتدعة في زمانه. وسيأتي معنا أن المؤلف استخدم أعظم من ذلك، وهو أن سيأتينا في آخر الكتاب أن المؤلف ألزم الناس بأن يأخذوا بما في هذه الرسالة، كل ما فيها ينبغي أن يؤخذ، كل ما فيها. حتى أن بعضهم استنكر هذا الفعل، بعضهم استنكر، قال: "كيف يقول البربهاري بهذا الكلام؟" وهذا سيأتي معنا. ومحمل ذلك: أن المؤلف مرتض لأحد أن يخالف حرفا واحدا من كتابه، ليس من باب التقديس، لكن من هذا الباب، أراد أن يلزم الناس بما هو من دين الله جل وعلا، فلا يجتهدوا ولا يأخذوا بالآراء ولا بالأهواء. إذن فأراد المؤلف من عبارات الكفر التي يذكرها في كتابه كثرة أن ماذا؟ أن يجعل هناك وازع ديني للناس بأن لا يخرجوا باجتهادات، بآراء. فألزم بمثل هذه العبارات. والأمر الثالث نقول: من يقول بأن البربهاري فيه نزعة تكفيرية، نقول: من سلفك على هذه اللفظة والوصف لإيمان البربهاري رحمه الله تعالى؟ إما من قبلك الجهاد العلماء ممن نظروا، بل وصرحوا بالرسالة البربهاري، بل ذكروها في كتبهم هنا وهنا، كما شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل السنة. ذكروا عبارات البربهاري، وما تجرأ أحد أن يقول: "أن فيه نزعة تكفيرية". ما قال بها أحد، فما ينبغي -إخواني في الله- أن نأتي بهذا الألفاظ في حقه لهذا الإمام الحبر رحمه الله تعالى. وخاصة كما قلنا أن ألفاظ الذكر من ألفاظ الكفر فإن لها عدة محامل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.