الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 120، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش أهمية التأني في وصف الشخص بصاحب السنة أو تزكيته، ويشترط لذلك معرفة حقيقة حاله واجتماع خصال السنة فيه. يحذر من الحكم على الناس من خلال الظاهر دون معرفة بواطنهم.
لفظ السني يطلق على عدة اعتبارات، فتارة يطلق على من اجتمعت فيه خصال السنة، وتارة أخرى يطلق على من التزم بالعقيدة الصحيحة ولو كان عاصيًا أو فاسقًا. يجب تحرير المدلول المستخدم ليزول اللبس حول المصطلحات.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في رسالة الباب وهي شرح السنة للإمام البربهاري رحمه الله تعالى، حيث قال: «قال ولا يحل لرجل مسلم أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم منه أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، لا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها». هذا الفقر إخواني في الله نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى لما لها من مسائل تتعلق بالأحكام وأوصاف الناس. فقول رحمه الله تعالى: «ولا يحل لرجل مسلم أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم منه أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة»، وفيه تنبيه لمسألة مهمة إخواني في الله، وما يتعلق بما يسمى بالتزكية أو ما يكون من المدح، فما ينبغي لأحد من الناس أن يرمي الأوصاف العظام ويرمي بالألقاب الضخمة ويرمي كذلك بالتزكيات الفخمة لأناس وهو لا يدري عن حقيقتهم. وإنما من هنا وهنا يسمع أو يظهر منه شيء فقط، ثم يحكم على العموم. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن المسلم في هذا الباب في باب المدح والتزكية أن يتأمل وأن يتأنى. وقد ابتلينا في هذه الأزمان إخواني في الله لكثير من الخلق لربما يمدح أناسًا بل ليس مدحًا يلق بهم بل فوق طاقتهم وفوق ما يستحقونه من الألقاب والأوصاف. وإن سئل هذا المادح عن حقيقة هذه التزكية يقول: سمعت الناس، سمعت الناس يمدحونه فأنا أمدح بمدحهم، فلا يعبد الله، لا يحل لك ذلك، لا يجوز حتى تعلم كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال حتى يعلم»، لابد أنك تعلم، لابد أنك تتعرف، إذا عندك معرفة وعندك علم بحقيقة الشخص فلك أن تمدحه. أما ما عندك به علم تقول: الله أعلم، أو أنك تقول: ظهر لما يظهر له كذا، الظاهر منه كذا. أما كتحكم على ظاهره وعلى باطنه بالتقى والبر وبالصدق والإخلاص فهذا ما يتأتى إلا بمعرفة. ورضي الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما نقل عنه أنه سأل عن رجل من يعرفه؟ فقال أحد الناس: أنا أعرفه. فقال له عمر: أأنت معه في مدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: أأنت معه في سفره وترحاله؟ قال: لا. قال: اجلس، فما عرفته. ما هي المعرفة إذن؟ لا أنت معه في خاصة أمره، ولا أنت معه في قضاياه الخاصة من سفر وترحال ومدخل ومخرج، إذن ما هي العشرة؟ كيف ستمدحه لي وتزكيه لي وتثني عليه وأنت لا تعلم شيء من خواصه ومن خصائصه؟ فقال: اجلس، فما عرفته. وهذا الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس يمدحوا ناسًا وربما ظهر له فيحكم على ظاهره بباطنه: فلان تقي، فلان بر، فلان جواد، فلان كريم، فلان فلان. لماذا حكمت على هذه؟ لربما ما ظهر لك منه إلا شيء يسير، فكيف تحكم بعمومه وما في باطنه؟ هذا لا يتأتى لأحد إلا إذا كما قال عمر: تدخل معه في سفره، في ترحاله، في مدخله، في مخرجه، تحكم محاكم ملازمة، مجالسة، مؤانسة. وبعد ذلك إذا عرفت مع السبر ما ظهر من الأخلاق الحميدة تذكر بما ظهر لك هذا الشخص على خلق، على تقى، على صلاح، بما علمت منه. أما لا تعلم منه شيء فلا تزكي يا عبد الله. فبعض الناس ربما بالشكل إذا رأى ذلكم الملبس الحسن وتلكم الهيئة الطيبة والرائحة العطرة قال: ما شاء الله، فلان هذا على خير، خير عظيم. كيف حكمت على خير؟ وننظر لشكله، هذا ما يتأتى بالنظر بالشكل أنك تحكم على صلاحه وعلى خيريته. فنبه المؤلف رحمه الله تعالى فقال: «ولا يحل لرجل مسلم أن يقول فلان صاحب السنة حتى يعلم حتى يعلم منه أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة». مسألة الثانية في هذه الفقرة ما يتعلق بمن هو صاحب السنة. صاحب السنة ضبطه المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة هو من تجتمع فيه السنة، من اجتمعت فيه السنة فهذا يكون صاحب السنة. والمؤلف رحمه الله تعالى قال: «اجتمعت فيه خصال السنة»، إذن السنة لها أفراد، فهناك سنة اعتقادية، وهناك سنة عبادية، وهناك سنة في المعاملات، وهناك سنة في الأخلاق، وهناك سنة في السلوك، وهناك سنة في المنهاج. فإذا رأينا من رجل أن خصال السنة قد اجتمعت فيه: عقيدته على السنة، عبادته على السنة، تعامله على السنة، منهاجه على السنة، سلوكه في الدعوة على السنة، إذا اجتمع فيه خصال السنة حين يقال: فلان سني، فلان صاحب سنة. فإن تعثر في أحد الأبواب فلا يسمى صاحب سنة. مثاله: لرب رجل في العقيدة عقيدة على السنة، لكنه في باب العبادات مثاله أحدث أمورًا، أحدث أمورًا بدعًا في بعض العبادات، بدعًا في الدعوة إلى الله جل وعلا أحدث أشياء، فلا يقال له صاحب سنة. لماذا؟ لأن السنة في باب الدعوة، عبادة ما اجتمعت فيه. وقد يكون فلان في العقيدة على السنة، في باب العبادة على السنة، لكنه في باب الأخلاق والآداب ليس على السنة: غليظ، قاسي، شديد، مغتاب، نمام، فلا يسمى صاحب سنة. وهكذا قس. فلابد إذا رأينا أن فلان اجتمعت فيه خصال السنة فهذا يسمى صاحب سنة، يقال عنه صاحب سنة. فإن لم يوجد، وبهذا نعلم خطأ كثير من الجماعات مما لربما تنتسب إلى السنة والسنة منهم براء، بعضهم صحيح: تراهم في باب العقيدة على السنة، في باب الأسماء والصفات، في باب القضاء والقدر، في باب الإيمان، في باب الصحبة والصحابة، في باب الإمامة والخلافة. لكنهم في باب الدعوة مثاله خرجوا على السنة بإحداث أمور يرونها أنها بديلة عن السنة، فهذا الإحداث في هذا الباب أخرجهم عن مسمى السنة. وهكذا قس. هذا الذي أراده بقوله رحمه الله تعالى: «لا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها»، تجتمع فيك خصال السنة، فأنت حين يقال عنك صاحب سنة. تأتي مسألة هنا أنبه عليها في هذا المقام وهي الذي وقع فيها اللبس عند بعض الناس بل عند بعض من ينتسب للدعوة والعلم، وهي مسألة: هل يقال إذن للعاصي بأنه صاحب سنة؟ أو أن فلان العاصي سني أم لا يقال له ذلك؟ هنا هذه مسألة خاض فيها بعض الناس، وبعضهم قال: ما ينبغي، ولا يقال أنه لو يقال للعاصي -حتى مثل بالسارق وهو مثل بأمثلة كثيرة- لكن بعضهم مثل بالسارق قال: لا يقال عن السارق أنه صاحب سنة، هذا السني ما يسمى سني. إذن إذا ما قيل عنه سنة، ماذا يقال عن السارق مثاله؟ فهنا إخواني في الله هذه مسألة أنبه عليها، ولا أتوسع فيها، لكن يهمنا في هذا الباب أن نزيل اللبس حول المصطلحات. لفظ السني ينبغي تنبه، لفظ السني من الألفاظ التي تطلق على عدة اعتبارات، تطلق على عدة اعتبارات. فتارة تطلق السنة على هذا الوصف الذي ذكره الإمام البربهاري رحمه الله تعالى، هو في حق من اجتمعت فيه خصال السنة، فيقال: فلان صاحب سنة، هذا الذي هو على هذا الوصف في العبادة والأخلاق والعقيدة والمنهاج والسلوك والتعبد إذا بلغ في الدين مبلغًا عظيمًا يقال: صاحب سنة. وأحيانًا تطلق السني على من هو دون ذلك، على من التزم ولو بالعقيدة الصحيحة، ولو كان عاصيًا، ولو كان فاسقًا يسمى كذلك سني. هذا يسمى سني، وهذا كذلك يسمى سني. إذن هل هذا يجوز؟ هذا يجوز باعتبار، وهذا يجوز باعتبار. فإخواني في الله فلابد كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بعض كتبه فيما يتعلق بالآداب بالحوار والجدال والنقاش أن يتحرر المدلول، تحرر اللفظ المستخدم: ما الذي أنا أعنيه؟ وما الذي أنت تعنيه؟ حتى يزول اللبس. فبعض الناس ما استوعب لفظ السني، فظن أن الكلمة السني ما تطلق إلا على العابد، على الزاهد، التقي، البر، السني الشديد على المبتدعة. فرأى أن من كان هذا وصف هذا السني، ومن رأى من لم يكن على هذا الحال من كان عاصيًا من كان فاسقًا ما يسمى سني، هذا ليس بصحيح. فإخواني في الله فلابد أن نحرر المقام في هذا الباب أن نعلم أن لفظ السني عند أهل السنة يطلق باعتبار، يطلق باعتبار آخر. فأنت لك أن تطلق لفظ السني وتقول: فلان صاحب السنة، إن أردت بهذا أن صاحب السنة بمعناها العام، وهي السنة الكاملة التي يسميها العلماء بالسنة الكاملة، وهي أن الرجل قد اجتمعت فيه خصال السنة، فهذه لا تطلق على العصاة، لا تطلق على العصاة، لا تأتي عند رجل فاجر ضال، رجل صاحب مجون وكبائر تقول: فلان سني، صاحب سنة، ما يتأتي هذا. لماذا؟ لأنك ما تجمع فيه خصال السنة، لو كان على السنة الحق لما كان عاصيًا، لما كان فاجرًا، لما كان ماجنًا. فإذا أردت بكلمة صاحب سنة أي أنه ماذا؟ اجتمعت فيه خصال السنة، فلا تعطيه للعصاة، ولا للفجرة، فضلًا عن المبتدعة، أكيد لا يعطى لهم. وإنما يعطى لمن كان على هذا الوصف العالي من صفات الكمال النسبية. ولكن إذا أردت أن تطلق على رجل أنه سني على حسب اعتقاده كما قال: عندنا شيعة وعندنا سنة، قد تكون هذا السني فاسق، قد تكون فاجر، قد تكون شارب الخمر، يسمى سني باعتبار اعتقاده، عقيدته ماذا؟ على السنة، خلاف الأشاعرة، خلاف المتصوفة، خلاف الروافض. فتقول: فلان سني، هذا من أهل السنة، هؤلاء سنة، نحن في بلدة، هؤلاء روافض، هؤلاء سنة، هؤلاء رجل سني، قد تكون عاصي، لكن تسميه سني باعتبار ماذا؟ عقيدته، نهيك عن أخلاقه، نهيك كذلك عن عبادته، نهيك عن أعماله، لكن كعقيدة تقول: فلان صاحب سنة، هذا سني، هل هذا يجوز؟ يجوز، لأنك أردت بالسنة هنا إطلاق على هذا المدلول بالنظر إلى اعتقاده. فإطلاقات أهل السنة للفظ السنة لها إطلاقات عامة وخاصة، فلابد التمييز، لابد التمييز. فعند بعض بعض من ينتسب العلم لما ما استطاع أن يحرر المدلولات خرج علينا بكلام غريب عجيب يقول: من درس في الجامعات المختلطة هذا ليس بسني، بل يقول: من فعل الفواحش هذا ليس بسني، من السرق السراق ليسوا بسنة، من قال بهذا؟ لا. إذا أردت أنت بأنهم ليسوا من السنة الكاملة نعم، لكن إن أردت كالنظر إلى اعتقادهم هم من أهل السنة، وعلى هذا جرى السلف، كان الأئمة السلف يطلقون السنة حتى على العصاة. وهنا كلام بديع لإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، قال حول التفريق بين السنة في إطلاقاتها عند العلماء قديمًا وعند المتأخرين. فقال رحمه الله تعالى: «والسنة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، هذا هو صاحب السنة، من اجتمعت فيه الاعتقادات والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». قال: «ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما اجتمع ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض». قال: «وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة فيما يتعلق بالاعتقادات». إذن قديمًا كان اسم السنة يطلق على من اجتمعت فيه اسم السنة، ولهذا المثال ومن درس في باب الجرح والتعديل أو من قرأ في باب التراجم تجد هذه العبارة: قال فلان من فلان ثقة سني، فلان من فلان ثقة صاحب سنة. لماذا؟ طبعًا عندك مئات التراجم، طالع عشرات التراجم فيها: سني، صاحب سنة، سني، صاحب سنة، هل مع ذلك الذي ما ذكر عنه صاحب سنة وليس بسني؟ لا، كلهم سنة، طبعًا كلهم سنة على السنة، لكن لماذا هذا خص بهذا اللقب صاحب سنة؟ لأن هذا له ماذا؟ قدم صدق، عبادة وتعبد، عابد زاهد، فيه ردود، فيه منافع عن السنة، فيه ردع المبتدع، فيه اجتهاد، خصال السنة فيه تميز عن غيره. فسمي كوسام شرف صاحب سنة، وليس معنى ذلك أن من قبله ومن بعده ليس على السنة، كلهم سنة، لكن هذا لأنه تميز اجتمع فيه خصال السنة ما لم تجتمع في غيرهم، فسمي صاحب سنة. لكن هذا باعتبار، هذا كان قديمًا يطلقون السنة على هذا، لكن باعتبار آخر كان العلماء كذلك من المتأخرين يطلقون على من كان معتقده سليمًا سني ولو كان عاصيًا ولو كان فاسقًا يسمى سني. مثاله: يقول سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: «إن رأيت ابني يماشي فاسقًا ماجنًا سنيا أحب إلي من أن يماشي عابدا مبتدعًا». فهذا اللفظ ماذا يفيد؟ قال: «أن أرى ابني يماشي فاسقًا ماجنًا سنيا»، إذن جعل أن سني ماجن، إذن يمكن أن يكون سني وهو ماجن، سني وهو فاسق، باعتبار أن السني هنا ماذا؟ بالنظر إلى اعتقاده، معتقده معتقد السنة. فلا بأس قد يكون عاصيًا لكن كمعتقد يطلق اسم السني على النظر في معتقده. وهذا من إطلاقات أهل السنة. ومثال يقول إمام أحمد رحمه الله تعالى: «قبور فساق أهل السنة روضة من رياض الجنة، وقبور مبتدعة زهاد أهل البدع حفرة من النيران». قول إمام أحمد رحمه الله تعالى: «قبور فساق أهل السنة روضة من رياض الجنة»، إذن أهل السنة هم فساق، يمكن أن يكون سني وهو فاسق، يمكن هذا. بماذا؟ بالنظر إلى اعتقاده، هذا قد مثل الآن عندنا نحن، كم يقال؟ نقول: الناس كلهم على السنة، من لم يدخل في بدعة من البدع فهذا سني، منهم العصاة، منهم شراب الخمور، منهم أصحاب المجون، أصحاب - هم على السنة - قولنا أنهم سنة بالنظر إلى اعتقادهم، هم لو كانوا أشاعرة، وليسوا بروافض، وليسوا بمرجئة، وليسوا بخوارج، وليسوا من هذه الفرق الضالة، ما دخلوا في شيء من المبتدعة من البدع. لكنهم على المعتقد الصحيح، فأولئك سنة، ولو صدر منهم ما صدر من الفسق والمجون والمعاصي، هم سنة. فإخواني في الله فلابد من التحرير المقام، فإطلاق لفظ السني عند أهل السنة والجماعة له اعتبارات، فتارة يقولون: فلان صاحب سنة، فلان ثقة سني، هذا وصف خاص لمن اجتمعت فيه السنة الكاملة. ونعني بالسنة الكاملة: عقيدة وأخلاقًا وعبادة وتعبدًا ومنهاجًا وسلوكًا، هذا يقال: فلان صاحب سني. وتارة يطلقون العلماء لفظ السني ولو على العصاة، هذا بالنظر إلى اعتقاده فقط، في اعتقاده فقط. وبهذا إخواني بالتمييز هذا المدلول عن هذا المدلول، إذن لا إشكال. ومن هو؟ نعرف الخطأ الذي وقع فيه بعض الدعاة عندما انبرى في بعض المجالس وقال: السراق السراق ليسوا بأهل السنة، واللوطي ليسوا بأهل السنة، وكلام ليسوا بسنة، هذا ليس بصحيح. لابد أنك تحرر من الذي تريد، إن أردت أن العصاة ليسوا من أصحاب السنة الكاملة، وليسوا ممن يسمون بأنهم صاحب سنة، صحيح. أما إنك تخرجهم عن السنة بالبتة لا، لا تخرجهم، ولا يخرجون، لا يخرج الرجل عن السنة إلا بالبدعة. فلو كان على السنة رجل كما قال: على الاعتقاد الصحيح، ولو كان ماجنًا، ولو كان عاصيًا، ولو كان كما قال إمام أحمد: فاسقًا، وكما قال سعيد بن جبير: ماجنًا، لكن على عقيدة صحيحة، فإنه سني. فإخواني فبهذا التحرير نستطيع أن نعرف إطلاقات أهل السنة والجماعة. فقول المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب قال: «لا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها»، هذا الذي يقال له صاحب سنة. نحن الآن في مجتمع سنة، أنا سني، هذا سني، ذاك سني، لكن من منا صاحب سنة؟ تأتي عبارة البربهاري: «من اجتمعت فيه خصال السنة». نحن كعقيدة كلنا على السنة، كلنا نتبنى دين السنة، لكن من منا صاحب سنة؟ هذا الذي زاد عنا، ليس عقيدة سني، بل عقيدة في السنة، عباداته كلها على السنة، تعامله مع الناس على السنة، مع زوجه، مع أهله، مع عياله، مع جيرانه، مع أقاربه، مع أرحامه على السنة. في باب كذلك الآداب مع جميع الخلق، مع الغريب، مع البعيد على السنة، فهذا الذي فاز عنا يقال له صاحب سنة. نحن سنة، وهذا صاحب سنة، فنحن كلنا في دائرة السنة، لكن السنة طبقات، والسنة تتفاوت. فمن كان على عقيدة فهو سني، فمن زاد عن عقيدة أقوالًا وأعمالًا ومنهاجًا فهذا كذلك صاحب سنة. فبهذا إخواني بهذا الإشكال يرفع الإشكال الذي وقع فيه بعض الناس من غير تحرير لمدلولات هذا اللفظ. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.