شرح السنة للإمام البربهاري 134

شرح السنة للإمام البربهاري 134

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 134، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في مقالات سلفنا الصالح

يبدأ المقطع الأول بمناقشة مقولة بشر بن الحارث حول تطابق الإسلام والسنة، ويبرز مكانته كإمام من أئمة أهل السنة. يتم التفريق بينه وبين بشر المريسي المبتدع.

دلالة التطابق والتلازم بين الإسلام والسنة

يشرح المقطع الثاني العلاقة بين الإسلام والسنة، مبينا أن كلا المصطلحين يشيران إلى نفس المضمون. كما يوضح أن السنة الكاملة تشمل الدين كله وتتطابق مع الإسلام.

أهمية طاعة الرسول ومرتبتها

المقطع الثالث يبين التلازم بين الإسلام والسنة، ويشرح أن طاعة الرسول واجبة وأن الإعراض عن السنة قد يؤدي إلى الكفر، مستشهدا بآيات قرآنية وأقوال العلماء.

خاتمة في العلاقة بين الإسلام والسنة

يلخص المقطع الرابع العلاقة بين الإسلام والسنة، موضحًا أنها إما متطابقة أو متلازمة. ينتهي المقطع بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله في هذا الفصل الأخير من رسالة المؤلف رحمه الله تعالى، وذلك بذكر بعض المقالات والآثار المروية عن سلفنا الصالح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال بشر بن الحارث: «الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام». هذه الفقرة، إخواني في الله، وهذه المقالة قد مرت معنا في أوائل هذه الرسالة، لكن المؤلف رحمه الله تعالى في ذلك الموضع لم ينسبها إلى أحد، أما هنا فقد ذكرها، وقد ذكر قائلها، وهو بشر بن الحارث المشهور ببشر الحافي. ومع أن العبارة عند الكثير من الناس إذا ذكرت أحيلت إلى البربهاري رحمه الله تعالى، مع أنه ما هو إلا ناقل، ما هو إلا ناقل لهذه العبارة، وإنما قائلها هو بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: «الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام». وبشر بن الحارث يعتبر من أئمة أهل السنة، وقد بلغ مبلغًا عظيمًا في تدينه وفي ورعه وصلاحه وتقواه، وهكذا حتى في علمه. وكم ذكر العلماء في تراجمهم الصفات الحميدة والسجل الحافل لهذا الرجل، حتى قال عنه الذهبي رحمه الله تعالى عندما ترجم له في السير: «الإمام المحدث الزاهد الرباني القدوة شيخ الإسلام». فهذه الصفات تدل على علو منزلته وعلى علو رتبته التي بلغها هذا الرجل. وكان من عقلاء أهل السنة، حتى قال إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى: «لو وزع عقل بشر على أهل بغداد لصاروا عقلًا». لو وزع عقل بشر بن الحارث على أهل بغداد لصاروا عقلًا، وهذا يدلك على ما تميز به رحمه الله تعالى من المنازل العالية في الفكر والفهم والفقه، وهكذا في التدين. ويقول علماء: في فترته، وفي عهده، كان هناك عندنا من يسمى ببشر السنة وببشر المبتدع، فممن يذكر بأنه بشر السنة، أو بشر السنة، هو هذا الذي بين أيدينا، وهو بشر بن الحارث رحمه الله تعالى، فكان على السنة، والعلماء يذكرون الكثير من العبارات الماتعة النافعة عن هذا الرجل، حتى طار بها الناس في مجالسهم، ويذكرونها لمتانتها ولقوتها، فكان على السنة، وكان موفقًا رحمه الله تعالى. وهناك بالمقابل عندنا بشر المبتدع، وهو بشر المريسي، فعندنا بشر الحارث وهو السني، وعندنا بشر المريسي وهو المبتدع. قال بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: جاء موت هذا الذي يقال عنه المريسي، أي جاء خبر موته، وأنا في السوق، ولولا أن الموضع موضع سجود لسجدت لله شكرًا. فلما بلغ خبر وفاته، أراد أن يسجد لله شكرًا على موته؛ لأن الله قد أراح الأمة من شره ومن خبثه. فهذا هو ما يتعلق ببشر الحارث، ومن أراد أن يتوسع فيراجع ما ذكره علماء التاريخ وكتب التراجم في حق هذا العبد الصالح. وقد توفي، قد استعاش في بغداد وتوفي في بغداد. يقول بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: «الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام». ويقول علماء: العلاقة والدلالة بين الإسلام والسنة أكثر من علاقة، ولها أكثر من دلالة. فمن تلكم الدلالات التي تربط بين الإسلام والسنة هي دلالة التطابق، فإن الإسلام، إخواننا في الله، يجتمع على الأقوال ويجتمع على الأعمال ويجتمع على العقائد، هذا هو الإسلام، الإسلام الذي أمر الله جل وعلا به وأمر جميع خلقه أن يعتنقوه، فهو أقوال وأعمال واعتقاد. وهكذا السنة، فإنها كذلك تجتمع على هذه المعاني، فإنها أقوال، وهي كذلك أعمال، وهي كذلك عقائد. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى، مبينًا السنة، وهي المسمى عند العلماء بالسنة الشاملة والسنة الكاملة: «السنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال». وهذه هي السنة الكاملة. إذن هي هي الإسلام، فالإسلام يشمل أقوالًا وأعمالًا واعتقادات، وهكذا السنة تجتمع على الأقوال والأعمال والاعتقادات. وهكذا ما نقله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى عن أبي الحسن محمد الكرجي رحمه الله تعالى، وقال: «فاعلم أن السنة طريقة الرسول، والتسنن بسلوكها، وهي أقسام ثلاثة: أقوال وأعمال وعقائد». ذكر هذا شيخ الإسلام مؤيدًا له. فالسنة، أخواني في الله، بمعناها العام، وهي السنة الكاملة، فهذه السنة لا يمكن لمسلم أن يقيم الإسلام إلا بها، فلا يظهر الإسلام إلا بالسنة، وبالسنة يظهر الإسلام؛ لأن السنة هي الإسلام، فهي أقوال وأعمال واعتقادات. فهذا الذي يحمل به كلام المؤلف رحمه الله تعالى من أن الإسلام هو السنة، وأن السنة هي الإسلام، بحيث أن هذا هو هذا، الإسلام أقوال وأعمال واعتقادات، والسنة كذلك أقوال وأعمال واعتقادات. وعلى هذا التخريج، إخواني في الله، يظهر خطأ الكثير من الناس ممن ظن أن السنة إنما يغتصر بها على بعض السلوكيات من الأفعال المفضولة، الفضائل والمندوبات، والتنفل. السنة القبلية، والسنة البعدية، يرى أن هذه سنة فقط، لا يا عبد الله، ليس هذه السنة، بل السنة تشمل ذلك كله. وأنت كما من تدرس معنا في هذه الرسالة يرى كيف أن المؤلف رحمه الله تعالى يأتي إلى مسائل العقيدة، ويقول: «وهذه من السنة، والسنة تأمر كذا، ومن السنة كذا»، فيذكر لك مسائل العقيدة، وهذا منه رحمه الله تعالى في بيان أن السنة الكاملة هي التي تشمل الدين كله، تشمل الدين كله. فمن حقق السنة الكاملة فقد حقق الإسلام، وعلى قدر ميولك وانحرافك وقصورك عن السنة يظهر ذلك واضحًا جليًا في إسلامك. فأي خلل في السنة الكامل هو خلل في الإسلام، وأي تقصير في السنة الكامل فهو تقصير كذلك في الإسلام؛ لأن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، كما قلنا بهذا الاعتبار؛ لأن الكل ماذا يدل على الآخر، دلالة مطابقة. الدلالة الثانية مما يستدل بها في هذا المقام من ربط بين الإسلام والسنة ما يقول العنما بأنه من دلالة التلازم. ووجه ذلك أن الإسلام يستلزم السنة، وأن السنة تستلزم الإسلام، ويظهر ذلك من أوجه الدلالات الالتزام في هذا المقام. يقول علماء: وذلك أن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي الإسلام، وأن شهادة أن محمدًا رسول الله تقتضي السنة، ولا يمكن لمسلم أبدًا أنه يكتفي بواحد منها عن الآخر. فلا يمكن لمسلم أن يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله ولا يأتي بالشهادة بأن محمدًا رسول الله، ولا يصح الإسلام من يأتي بأن يقر بأن محمد رسول الله ولا يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله، لا يمكن هذا ولا ذاك. فالكل ماذا يتلازم، فبينهم تلازم وثيق، فمن أتى بالأول يستلزم منه أن يأتي بالثاني، ومن أتى بالثاني يستلزم منه أن يأتي بالأول. فقال العلماء: فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي الإسلام، وشهادة أن محمدًا رسول الله تقتضي السنة، فلا يصح الشهادة إلا بتلك، وهكذا الإسلام لا يكون إلا بالسنة، والسنة لا تكون إلا بالإسلام، أي هذا من باب التلازم، وهذا واضح جلي. وعلى هذا، إخواني في الله، يعلم بحكم السنة أن السنة تصل إلى مرتبة طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن طاعة الرسول من الأمور الواجبة. بل إن الإعراض عن هذه السنة والتي هي من دلالات محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تغضي الكفر، وذلك من رد السنة، ومن أنكر السنة ولم يحتج بها. يقول ربنا جل وعلا: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾، هذا في حق من أعرض عن طاعة الله وعن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام. يقول إمام السيوطي رحمه الله تعالى: «فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولًا كان أو فعل حجة كفر». أي من أنكر كون حديث الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ليس بحجة، سواء كان هذا الحديث قولي أو حديث فعلي، أنكر حجية السنة القولية أو الفعلية، قال رحمه الله تعالى: «كفر، اعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولًا كان أو فعلًا حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفر». هذا في حق من أنكر السنة؛ لأن الإسلام لا يقوم إلا بالسنة، وقلنا: وذلك إذا كانت السنة تقتضي معنى من معاني محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي لا يصح الإسلام إلا بها. وهذا كذلك يدلنا إلى فائدة أخرى، وهو أن نعلم حكم السنة. حكم السنة، كثير من الناس من يرى أن السنة لها مقدار معين، لها حكم ثابت، وهي أن من فعل السنة يؤجر، ومن تركها فلا إثم عليه، لا يا عبد الله، السنة لها أوجه كثيرة، هناك سنة مستحبة، هناك سنة مؤكدة، هناك سنة واجبة، بل هناك سنة لو أنكرت تكفر، وذلك بأشياء التي جاء بها نبينا عليه الصلاة والسلام وأمر بها وحث عليها، وهي من صميم الدين ومن صميم العقيدة. فإن إنكارها كفر، كما قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: «من رد حديثًا صحيحًا وهو يعتقد صحته فقد كفر». فمن رد القرآن يكفر، وكذلك من رد حديثًا صحيحًا يعتقد صحته، ليس عنده تأويل وليس عنده شبهة، وإنما هو هوى وشهوة في النفس، رد حديث رسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يكفر. وبهذا نعلم بهذا الوجه الثاني أن الإسلام هو السنة، وأن السنة هي الإسلام، أي من باب التلازم، فلا يستقيم دين المرء إلا بالسنة، ولا يقوم دين المرء ولا يقوم السنة عند المرء إلا بالإتيان بالإسلام، وإيضاح مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. هذا، إخواني، في الأوجه الحاملة بين الإسلام والسنة، وقلنا: هي الدلالات كثيرة، والتنوع العلماء في شرح هذه العبارة وذكر أوجه الدلالة بين هذا وذاك. وهذا ملخص ما يقال: إما التطابق؛ لأن الإسلام قول وعمل واعتقاد، والسنة كذلك قول وعمل واعتقاد، فالخروج عن السنة خروج عن الإسلام، أو كذلك يحمل من باب التلازم؛ فإن الإسلام يستلزم السنة، والسنة تستلزم الإسلام، وذلك تخريجًا على الشهادتين. هذا ما يتعلق بهذه الفقرة، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.