الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 144، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش خطورة مجالسة أهل البدع ومحبة أصحاب البدع الكفرية، ويوضح أن محبتهم تستلزم محبة كفرهم وردتهم. هذا يؤدي إلى إحباط عمل من يحبهم.
يتناول حكم أعمال المبتدع وتأثير البدعة عليها، حيث يوجد خلاف بين العلماء حول قبول أعمال المبتدع. بعضهم يرى أن البدعة تحبط الأعمال، بينما يرى آخرون أن الأعمال الخالية من البدع تقبل.
يناقش تأثير البدعة على قبول الأعمال الصالحة، مع توضيح الخلاف بين العلماء حول هذا الموضوع. بعضهم يرى أن البدعة تحبط جميع الأعمال، بينما يرى آخرون أن التأثير يعتمد على نوع البدعة.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على قدرة الله وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: «من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه». هذا الأثر، إخواني في الله، مما أثر عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، وقد أخرجته كتب السنة في مصنفاتهم وفي تآليفهم، وفيه ما فيه من تنبيه ما كان عليه سلفنا الصالح من التشديد في أمر المجالسة والمؤانسة مع أهل البدع. ومنه نعلم، إخواني في الله، أن ليس الشأن والن الخطر، وأن الضرر إنما يكمن في المبتدعة، صحيح لهم النصيب الأوفر والنصيب الأعظم من البلاء في الدنيا والآخرة، إلا أنه كذلك سيبتلى بهم من كان بجوارهم، من صاحبهم، من جالسهم، من آنسهم، فكذلك سيصله شيء من الضرر، بل وكذلك من الإثم ومن الوزر، كما مر ذلك معنا في دروس ماضية. ومن هنا، إخواني في الله، ينبغي على كل مسلم أن ينظر في أمر المصاحبة والمجالسة والمؤانسة، وأنك تنظر إلى من يرتضى دينه، لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي، هكذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام. قال علماء الخطاب وغيره: قالوا في ذلك ضرورة ملازمة الأخيار، أنك تماشي من يرتضى في دينه من أهل العبادة والصلاح والاستقامة ممن يرشدك إلى طاعة الله جل وعلا. فأما أنك تماشي من هب ودب، لا، يا عبد الله، وأخطر من ذلك من لا يؤتمن على الدين، كحال الفساق والفجرة، وأخبث من هؤلاء أهل البدع، فإن هؤلاء لا يمكنون من المجالسة ولا من المؤانسة. وتكالبت الآثار الكثيرة في هذا الباب في التحذير من مجالسة المبتدعة، وهنا أضاف المؤلف رحمه الله تعالى أثر الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله: «من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله». حبط الأعمال يكون ويدور مع من جالس المبتدعة. وهل هذا الأثر أو هذا الكلام وهذا الحكم على إطلاقه الصحيح؟ والله تعالى أعلم أن هذا إنما يقال في حق من جالس مع أصحاب البدع المكفرة، أصحاب البدع الكفرية. البدع على قسمين، هناك بدع مكفرة، من قال بها ومن اعتنقها فقد كفر وارتد عن دين الله، وهناك بدع غير كفرية غير مكفرة، فهذه دون ذلك. فمثال البدع المكفرة وكحال من أنكر شيئًا أو أمرًا مجمعًا عليه متواترًا عليه، وهي من الضرورات التي عارفها القاصي والداني، فمن أنكر شيء من ذلك فهذا من أصحاب البدع الكفرية، أو الطعن في ذات الله جل وعلا وعدم تنزيه الرب جل وعلا، كبدعة التجسيم، كمن يشبه الله جل وعلا بخلقه، هذه بدعة مكفرة، أو كنفي الصفات كبدعة الجهمية، هذه بدعة مكفرة، أو كذلك الطعن في الله، كان ينسب إليه الجهل جل في علاه، كمن يقول بأن الله لا يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها، كغلاة القدرية، فهذه من البدع المكفرة. وهكذا قصة عبد الله، فأمثال هؤلاء من ابتلي من كان من أهل البدع المكفرة، وممن ظهر كفره وظهر ردته، ثم يأتي من يأتي ويصاحب هؤلاء، بل ويحب هؤلاء. وانظر لعبارة الفضيل، قال: «من أحب أي يحب هؤلاء»، فمحبة هؤلاء تستلزم محبة ما جاءوا به من كفر وما جاءوا به من ردة، وهنا ستشاركهم في الوزر. فمن أمثال هؤلاء من أصحاب بدع المكفرة، من أحبهم فإن الله جل وعلا يحبط عمله، لأن محبة من أمثال هؤلاء سيستلزم منك، يا عبد الله، محبة ما هم عليه من الطعن في دين الله وفي ذات الله وفي غيرها من البدع الكفرية. فعلى هذا يحمل قول الفضيل رحمه الله تعالى: «من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه». هذا ما يتعلق بمن صاحب أهل البدع. بقي المبتدع، كيف هو مع عمله؟ هل أعماله تحبط أم لا؟ المبتدع بشكل عام، إخواني في الله، عمله لا يقبل، لأن من المعلوم والمعروف في قواعد الدين أن العمل لا يقبل إلا بأمرين اثنين، وبالشرطين اثنين، بالإخلاص والمتابعة، إخلاص العمل لله ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيما جاء به من دين وشريعة. والمبتدع بالإجماع تركوا الاتباع، إذن فإن أعمالهم لا تقبل. بقي الخلاف بين العلماء، ما هو العمل الذي لا يقبل من المبتدع؟ هل العمل الذي ابتدعه أم جميع الأعمال لا تقبل؟ وهذا محل إشكال وخلاف بين العلماء. من أهل العلم من يرى أن المبتدع إنما عمله الذي أحدثه أو الذي أحدث فيه البدع، هذا العمل هو الذي لا يقبل، وأما سائر أعماله على الأصل فإنها تقبل، واستدلوا بما جاء في الصحيح، قوله من حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فهذا الحديث جاء في أن العمل الذي فيه الإحداث هذا الذي لا يقبل يحبط، وأما سائر الأعمال على الأصل أنها تقبل من المبتدع. فمثاله أن مبتدعًا من المبتدعين أتى بصلاة مبتكرة أو أحدث شيء من العبادات، فيقال: هذه العبادة التي أنت أحدثتها لا تقبل، مردودة على وجهك، لصراحة النص في هذا الباب. وأما سائر الأعمال التي خالية من البدع فإنها تقبل على الأصل، من صيام، من زكاة، من حج، من عمرة. لكن هناك قول آخر من أقوال أهل العلم، على أن الصحيح في هذا الباب على أن جميع أعمال المبتدع لا تقبل، الذي أحدث فيها والذي لم يحدث فيها، عقوبة من الله جل وعلا. وهذا قول طائفة من أهل العلم، واستدلوا بأدلة من ذلك، من أصلح ما استدلوا بما جاء في ذكر الخوارج وفي صفة الخوارج، من وجهات النظر الكثيرة في هذا الباب. منها رواية في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تجاوز صلاتهم تراقيهم»، أي أن صلاتهم التي يصلونها لا تقبل، مع أن النبي في أول الحديث أخبر أنهم على عبادة وعلى نسك، بل قال: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم»، فهم على عبادة وعلى تنسك، والصلاة ما أحدث فيها الخوارج إنما كان خروجًا في الصدر الأول بالدم، خروجًا بالسيوف، أما العبادات ما كان عليها غبار في الصدر الأول. فقال نبينا: «لا تجاوز صلاتهم تراقيهم»، فقال علماء: فيه دلالة على أن صلاتهم لا تقبل، مع أنها ليس فيها بدعة، ليس فيها بدعة، لكن ردت. وفي رواية أخرى بمعنى أن يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، حتى القرآن مهما قرأوا القرآن لا يقبل عند الله جل وعلا. فمهما عملوا من عمل فإنه محبط، فبهذا استدل من استدل من أهل العلم على أن المبتدع ولو عمل عملًا ليس فيه بدعة وليس فيه إحداث فإنه يلغى منه ولا يقبل منه، بل يحبط عمله. وهذا الدليل الأول. وكذا الدليل الآخر استدل من ما جاء في صحيح مسلم في قصة لكم الرجال الذين ذهبوا إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنه وأخبروه بخبر القدرية، ممن كانوا ينكرون القدر وأن الأمر أنف. ما الذي قال ابن عمر؟ انظر، أخبروه عن أناس في القدرية عندهم عقيدة - كما صح إن صح التعبير - بدعة عقدية ليس لها عمل في الواقع. فقال ابن عمر رضي الله تعالى: «أخبروا هؤلاء أني منهم بريء، وأنهم مني براء»، والذي يحلف به ابن عمر: «لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر». ونفق الآن النفقة ليس فيها بدعة، وما أحدثوا شيء في النفقة، النفقة هم سيخرجون الزكاة ويخرجونها، ليس هناك ذكر مبتدع أو محدث، وليس كذلك طريقة محدثة في إخراج النفقة. لكن قال ابن عمر: «لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر». فاستدل من استدل من أهل العلم على أن من أحدث بدعة فإن سائر أعماله وطاعاته معلقة، بل تلغى وتحبط. وهكذا استدل من ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا». وقد مر معنا أن الإحداث يشمل في ذلك البدعة، وهذا قول الجماعة، منها العلم أن الإحداث يشمل كذلك البدعة. قال النبي: «فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا»، على قول جمهور العلماء، الصرف هي الفريضة، والعدل هي النافلة. فمن أحدث حدثًا أخبر عليه الصلاة والسلام أن الله لا يقبل منه لا فريضة ولا نافلة. إذن من مجموع هذه الروايات، إخواني، كلها في الصحاح، استدل من استدل من أهل العلم على أن المبتدع ولو كانت بدعته في باب، فإن من جراء من عقوبة الشرع لهذا المبتدع أن جميع أعماله التي عملها ولو لم يكن فيها إحداث فإنها كذلك تحبط، فإنها كذلك تحبط حتى يتوب إلى الله جل وعلا ويدع بدعته. فكما قلنا، فالأمر في هذا الباب على هذه الأقوى، فمن أهل العلم من يرى أن المبتدع إنما بدعته تحبط الذي أوقع فيها الإحداث، وأما سائر أعماله على الصحة على الأصل. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المبتدع إذا ابتدع بدعة فإن سائر أعماله ولو لم يحدث فيها فإن كذلك محبطة. وهناك جمع لأهل العلم في هذا الباب، فرأى أن الأمر فيه التفصيل، وهو قال: إن كان لهذا المبتدع له أصل، وهذا الأصل الذي يعتقده إن بثقت منه الأعمال والعبادات فإنها تحبط. بهذا التفصيل، إن كان هذا المبتدع اعتنق أصلًا مبتدعًا، أصلًا محدثًا اعتنق أصلًا، وهذا الأصل الذي اعتنق منه انبثقت سائر الأعمال والطاعات، فإن هذه الأعمال تحبط، لماذا؟ لأن بما أن الأصل فاسد فما بني على فاسد فهو فاسد، بما أن الأصل باطل فما بني على هذا الباطل فهو باطل. مثل علماء مثاله بمن ينكر حجية السنة، رجل ينكر حجية السنة تمامًا، واجعلها أصلًا يصل عليه ما اعتنق شيء من السنة، فأتى بأديان وجاءت بعبادات كثيرة منبثقة من هذا الأصل الذي اعتمقه وهو إنكار السنة والإبقاء على حجية القرآن وحدها، فأي بدعة بل أصل ستكون، يكون دينه أعماله تنبثق من هذا الأصل المعمول به، تكون هذه الأعمال محبطة لأن الأصل فاسد فما بني على فاسد فهو فاسد. وهكذا مثل بمن يرى بمن طبق هذا الأصل وتحكيم العقل على الشرع، هذا أصل معمول به عند بعض الفرق، أن الشرع أن العقل هو المقدم على الشرع، فما يقوله العقل قلنا به، الشرع أنكره الشرع وافقه ليس في ذلك مزية، فالشرع هو العقل هو الحاكم. فقالوا: هذا أصل، فالعبادات التي ستنشأ من هذا الأصل وهو أن يجعل العبادات كلها كلها تكون تحت مناط العقل، فهي محبطة لأنها قائمة على أصل فاسد. وهذا القول الوسط يجمع بين هذا وذاك. أما من كانت بدعتهم ليست تابعة إلى أصل، وإنما بدعة جزئية هنا وهناك، فالصحيح أن هذه البدعة هي التي تحبط، وأما سائر أعماله تبقى على الصحة. وهذا التفصيل الذي يقول به بعض المحققين من أهل العلم. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بأثر الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: «من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.