التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 138

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 138

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 138، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير ابن عباس للآنداد والتحذير من الشرك الخفي في الألفاظ

يشرح المقطع مناسبة باب "فلا تجعلوا لله أندادا" في كتاب التوحيد، مبيناً أنه عام في كل لفظ شركي بعد الباب الخاص بنسبة النعم لغير الله. ويستعرض تفسير ابن عباس للآنداد بأنه الشرك الأصغر الخفي، ممثلاً له بأمثلة كالحلف بغير الله، ونسبة الفضل لغير الله، والتشريك في المشيئة والاستعاذة، مشبهاً خفاءه بدبيب النمل على صخرة سوداء في ظلمة الليل.

خطر الشرك الخفي وحكم الحلف بغير الله في السنة النبوية

يبرز المقطع خطورة الشرك الخفي في القلوب ويشبهه بدبيب النملة، ثم يناقش حديث ابن عمر عن النهي عن الحلف بغير الله مع تصحيح نسبة الحديث. ويبين أن الحلف بغير الله شرك أصغر يشمل كل مخلوق، بينما يجوز الحلف بأسماء الله وصفاته.

تفصيل حكم الحلف بغير الله والفرق بين الشرك الأكبر والأصغر

يشرح المقطع أن الحلف بغير الله يجوز إذا كان باسم من أسماء الله الحسنى، لكن الحلف بغير الله من المخلوقات يكون شركاً أكبر إذا اعتقد الحالف مساواة المحلوف به لله في التعظيم، وشركاً أصغر إذا كان مجرد عادة مع تعظيم الله أعظم. ويؤكد ابن مسعود أن الحلف بالله كاذباً أهون من الحلف بغيره صادقاً، وأن الحلف بغير الله أعظم إثماً من الكبائر كشرب الخمر وأكل الربا.

عظم الشرك بالله حتى في صورته الصغرى وخاتمة الدرس

يؤكد المقطع أن الشرك بالله، حتى في صورته الصغرى، يعد أعظم ذنباً من الكبائر، مستنداً إلى أثر ابن مسعود رضي الله عنه. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الباب في جلسات قادمة.

  • 17 جمادى الأولى 1446هـ - 18/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: قول الله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ومناسبة هذا الباب: أن الباب الذي قبله خاص بنسبة النعم لغير الله، وهذا الباب عام في كل لفظ شركي، فكأن هذا الباب من باب ذكر العام بعد الخاص، فما تقدم من باب يدخل في عموم هذا الباب. وخلاصة هذا الباب -كما سيأتي معنا- التحذير من بعض الألفاظ الشركية الخفية، وورد في هذا الباب من هذه الألفاظ: الحلف بغير الله، ونسبة الفضل لغير الله، والتشريك في المشيئة، والتشريك في الاستعاذة. فهذا هو ملخص هذا الباب كما سيأتي معنا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تفسير ابن عباس لهذه الآية، فقال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك". هذا قال، رواه ابن أبي حاتم. وقد ذكر شراح كتاب التوحيد أن إسناد هذا الأثر جيد. فهذا تفسير لمعنى الند، ففسر ابن عباس الند بالشرك الأصغر الخفي الذي يخفى على كثير من الناس، مع أن الند هو بمعنى النظير والشبيه، فيكون ذلك في كل شرك بالله. فابن عباس -كما ذكر بعض الشراح- تفسيره للند من باب التفسير بالمثال، يعني مما يدخل في معنى الند أن يشرك بالله عز وجل في مثل هذه الألفاظ الشركية. وسنتمعن في الأحاديث ما يبين معنى هذا الأمر الذي عناه ابن عباس، كما جاء في بعض الأحاديث. وانظر إلى تشبيه ابن عباس لخفاء الشرك الأصغر، فشبهه بأخفى من دبيب النمل. النمل معروف حشرة صغيرة، وإذا مشت على الرمل لا تكاد ترى أثر مشيتها، ومع هذا يقول: إن الشرك الخفي أو الشرك الأصغر أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل. ننظر: سواد الصخرة، وسواد ظلمة الليل، ودقة أثر مشي تلك النملة، فهل ترى شيئا؟ ما ترى شيئا. يعني قول الناس لهذه الألفاظ أخفى من هذه النملة، من دبيب هذه النملة على هذه الصخرة في ظلمة الليل. فهذا يدل على خطورة هذا الشرك الذي يقع فيه كثير من الناس. ولهذا يقول ابن العثيمين: وهذا في هذا التشبيه أبلغ ما يكون في الخفاء، أبلغ ما يكون في الخفاء. قال: فإذا كان الشرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا، فنسأل الله أن يعيننا على التخلص منه. فهذا أمر خطير وأمر عظيم، ينبغي للمسلم ليل نهار أن يدعو ربه أن يخلصه منه وأن يعافيه منه. ثم قال: "وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه". وكأن المؤلف هنا أخطأ في نسبة الحديث إلى عمر، والحديث فهو من حديث ابنه عبد الله بن عمر، فيكون الحديث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وليس عن عمر. قال: "وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»". رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، وكذلك صححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. ووجه الشاهد من هذا الحديث وإرادته في هذا الباب: أن الحلف بغير الله من الشرك. وقد تقدم معنا أن الشرك إذا نكر فيراد به الشرك الأصغر، فالمراد به الشرك الأصغر. نعم، وجه الشاهد ظاهر: أن من حلف بغير الله فقد جعل هذا المحلوف به ندا من دون الله عز وجل، وهذا من الشرك في الألفاظ. وقوله: «من حلف بغير الله»، "من" هنا شرطية، ومعلوم في علم الأصول أن "من" الشرطية أو كذلك أسماء الشرط تفيد العموم، تفيد العموم، فيشمل كل محلوف به سوى الله، كل محلوف به سوى الله سبحانه وتعالى، سواء أكان الكعبة، أو العيش، أو الملح، أو زيد، أو عمر، أو النبي، أو كذلك الأب، أو الأم، أو العمر، أو أي شيء مخلوق، فيشمله هذا الحديث، فلا يجوز الحلف بشيء سوى الله عز وجل. ولا يشمل الحلف كذلك بالصفة، فالصفة تابعة للموصوف، وعلى هذا فيجوز أن تقول: وعزة الله، وعزة الله، وكذلك وقدرة الله، وكلام الله، فهذا كله إن شاء الله يجوز لأنه حلف بصفة من صفات الله، والصفة تابعة للموصوف. فلا يجوز الحلف إلا بالله، يعني باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته. وقوله في هذا الحديث: «بغير الله»، ليس المراد بغير هذا الاسم بمعنى لا تحلف إلا بلفظ الجلالة، لا، وإنما المراد بغير المسمى بهذا الاسم، المسمى بهذا الاسم، فيجوز الحلف بأي اسم من أسماء الله، سواء كان باسم الله، أو باسم الرحمن، أو باسم الرحيم، أو باسم العليم، فبأي اسم من أسماء الله الحسنى يجوز الحلف به. يقول ابن العثيمين: "كفر أو شرك"، أي أكبر، إن اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك أصغر. لأن بعض الناس ربما يعظم هذا المحلوف أكثر من تعظيمه لله عز وجل، ويدل على ذلك فعله. فمثلا لو قيل له: احلف بالله عز وجل أنك ما فعلت كذا، لربما حلف وهو كاذب، لكن لو قيل له: احلف بولي كذا، احلف بولي كذا أنك ما فعلت كذا، فيخاف ويتردد ويمتنع من الحلف، ويعترف بأنه فعل هذا الفعل. هذا يدل على أن المحلوف به مساوٍ لله عز وجل في التعظيم، بل ربما عظمه أكبر وأكثر من تعظيمه لله سبحانه وتعالى. فبهذا المعنى يكون الحلف بغير الله من الشرك الأكبر. أما إذا كان بمجرد الحلف مع تعظيمه لله عز وجل أعظم من تعظيمه لهذا المحلوف، فهذا يكون من الشرك الأصغر. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا". وهذا رواته رواة الصحيح، فهو أثر ثابت عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والشاهد من هذا الأثر: أن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله كاذبا من كبائر الذنوب، والشرك أعظم خطرا. فأيهما أعظم: أن تحلف بغير الله، أو أن تشرب الخمر، أو أن تأكل الربا؟ قال العلماء: أن تحلف بغير الله أعظم، لأن الحلف بغير الله شرك بالله عز وجل، وأما شرب الخمر أو أكل الربا فهو من كبائر الذنوب. كذلك الحلف بالله كاذبا: تحلف بالله لكنك كاذب، فعلت، والله إنني ما فعلت كذا وأنت فعلته، هذه كبيرة. لكن لو تقول: والعيد روس ما فعلت كذا، فأيهما أعظم: أن تقول: والله ما فعلت كذا وأنت كاذب، أو تقول: والعيد روس ما فعلت كذا وأنت صادق؟ لست كاذبا، أنت صادق لكنك حلفت بغير الله. لا شك أن قولك: والعيد روس، وإن كنت صادقا، أعظم إثما من قولك: والله، إذا كنت كاذبا. فانظر إلى عظم الشرك بالله سبحانه وتعالى، وأن الشرك أعظم ذنبا وجرما من الكبائر، وإن كان هذا الشرك من الشرك الأصغر، كما أفاده هذا الأثر، أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. طيب، نكتفي بهذا اليوم، ونكمل بقية الباب في دروس قادمة إن شاء الله. إلى هنا، والله تعالى أعلم.