الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 144، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يناقش المقطع قول بعض العلماء بأن الدهر اسم من أسماء الله مستدلين بالحديث القدسي. ويرد الشيخ ابن العثيمين ذلك بوجهين: بطلان القول بسياق الآية التي نسب فيها المشركون الإهلاك للدهر، وبسياق الحديث الذي يفرق بين المقلب والمقلَّب.
يذكر ابن العثيمين أدلة بطلان قول إن الدهر من أسماء الله، منها أن ذلك يجعل المخلوق خالقاً وأن أسماء الله حسنة مشتقة بينما الدهر اسم جامد، والنهي عن سب الدهر لا يدل على كونه اسماً لله. ويخلص إلى تحريم سب الدهر لأن الله مدبر الليل والنهار، فسب الدهر يعد سباً لله.
يشرح المقطع أن سب الدهر والزمن يعد أذى لله لأن الله مقلب الدهر ومصرفه، ويستدل بالحديث القدسي الذي ينفي الضرر عن الله ويثبت الأذى. ويبين أن النهي يشمل سب الدابة والريح والحمى لارتباطها بخالقها، مع استثناء الخبر المحض، وينقل تفسير آية الجاثية في نسبة المشركين الحوادث للدهر.
يخلص المقطع إلى أن الباب تناول تحريم أمرين: اعتقاد أن الدهر فاعل للحوادث، وسب الدهر لكونه سباً لفعل الله. ويعلن انتهاء هذا الباب وتأجيل الباب التالي لدرس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، في الدرس الماضي تكلمنا عن باب: "من سب الدهر فقد آذى الله"، وذكر المؤلف تحت هذا الباب آيةً وحديثاً. ومن الفوائد التي ذكرها ابن العثيمين عليه رحمة الله تحت هذا الحديث: قال الله تعالى: ﴿يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ﴾، أو: ﴿وَأَنَا الدَّهْرُ﴾. ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدهر اسم من أسماء الله، ومن ذهب إلى ذلك نعيم بن حماد وابن حزم، واستدلالهم بهذا الحديث. وهذا خطأ صدر من هذين العالمين، ومن قال بقولهما. وقد بيّن العلامة ابن العثيمين بطلان هذا القول من عدة أوجه، فقال رحمه الله: هل الدهر من أسماء الله؟ فأجاب: ليس من أسماء الله عز وجل الدهر، وذلك لأسباب: أولاً: سياق الآية يرده، ولو كان من أسمائه لكان اعتقاد الجاهلية صحيحاً؛ لأن أهل الجاهلية قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فلو كان الدهر من أسماء الله لصار معنى كلام هؤلاء: وما يهلكنا إلا الله؛ لأن الدهر من أسماء الله على قول من قال ذلك. فإذن الآية ترد هذا القول. السبب الثاني: سياق الحديث يرد هذا أيضاً؛ لأن في الحديث: "مُقَلِّب" وهو الله، مُقَلِّب الليل والنهار، هو المقلب بكسر اللام باسم فاعل، وهناك مُقَلَّب بفتح اللام، وهو ماذا؟ الدهر، فهو الذي يقلبه الله فيقع عليه التقليب، فهو مُقَلَّب. فإذن معنى مُقَلِّب ومُقَلَّب: المقلب هو الله، والمقلَّب هو الدهر، فلا يمكن أن يكون المقلب هو المقلب، لا يمكن أن يكون المقلب وهو الله هو المقلب وهو الدهر. وهذا واضح، فإذن هذا القول يرده القرآن، وترده كذلك السنة. ومن هذه الأوجه التي ذكرها ابن العثيمين في رد هذا القول: من جعل الدهر هو الله فقد جعل المخلوق هو الخالق؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، والدهر إنما هو الليل والنهار، فمن جعل الدهر هو الله كأنه جعل المخلوق وهو الدهر هو الخالق. أيضاً من تلك الأوجه: رابعاً، أن أسماء الله كلها حسنة، بالغة في الحسن أكملة، ولها معنى، والدهر لا حسن فيه لأنه اسم جامد. وهذه قاعدة من قواعد الأسماء الحسنة: أنها ما سميت حسنة إلا لأنها بالغة في الحسن أكملة. فقولك: الرحمن يدل على الرحمة، الرحيم يدل على الرحمة، الغفار، الغفور يدل على المغفرة، وكلها لها معاني عظمى وحسنى قد بلغت في الحسن أكملة، والدهر ليس كذلك. كذلك أسماء الله كلها مشتقة، والدهر اسم جامد. هذه أيضاً قاعدة: فمن حسن الأسماء الحسنة أنها كلها مشتقة، لا يوجد فيها اسم جامد ليس له اشتقاق، بخلافه الدهر فهو اسم جامد لا اشتقاق فيه. كذلك جاء النهي عن سب الداب والريح والحمة، فهل نقول أن هذه الأشياء هي كذلك من أسماء الله؟ وكما جاء النهي عن سب الدهر، كذلك جاء النهي عن سب هذه المخلوقات التي خلقها الله عز وجل. فبهذا يتبين لنا بطلان قول من قال إن الدهر من أسماء الله، فهو ليس من أسماء الله بالكتاب والسنة وبالمعقول. ثم ذكر المؤلف رحمه الله المسائل، وقلنا: المسائل يذكرها المؤلف كالخلاصة للباب والفوائد المستنبطة من هذا الباب. قال: الأولى: تحريم سب الدهر، والعلة واضحة؛ لأن الله عز وجل هو الذي يدبر هذا الدهر ويتصرف فيه، فمن سب الدهر فكأنه سب الله؛ لأن الله هو مقلب الليل والنهار، وهذا هو الدهر. وعرفنا ما هي الألفاظ التي فيها معنى السب، كما ذكرنا لكم عن بعض الشعراء، وكقول بعضهم: "يا خيبة الدهر"، أو "يا زمان سوء"، أو "الزمان غدار"، أو نحو ذلك من الألفاظ التي فيها السب والذم للدهر والزمن والوقت. المسألة الثانية: تسميته أذى لله، يعني أن هذا السب أذى لله عز وجل؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في الحديث: "يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ"، يعني الأذية بسبب هذا السب. وعرفنا فيما تقدم أنه لا يلزم من الأذية الضرر؛ لأن الله عز وجل أثبت الأذية ونفى الضرر عن نفسه، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، وفي الحديث القدسي قال ربنا سبحانه وتعالى: "يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي"، فنفى عن نفسه سبحانه وتعالى الضرر، وأثبت لنفسه الأذى، فنثبت ما أثبت وننفي ما نفى سبحانه وتعالى عن نفسه. قال: الثالث: التأمل في قوله: "فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ"، أي مقلب الدهر ومصرفه، فلا يجوز. ولذلك جاء النهي أيضاً كما تقدم عن سب الدابة؛ لأن سب الدابة سب لخالقها، والريح والحمى. فمن الذي يصرف هذا، ومن الذي كذلك يدبره؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فجاء النهي عن ذلك، وهذا من تعظيم الله سبحانه وتعالى. قال: الرابع: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه. ولذلك كما تقدم معنا أن المسلم يبتعد، ولو لم يقصد ذلك، إلا إذا قصد الإخبار كما تقدم معنا: الخبر المحض دون قصد السب، فهذا لا بأس به. والأولى أيضاً عدم فعل ذلك؛ لأن الأمر مقيد بالنية، كما تقدم مقيد بالنية كما تقدم معنا. قال الشيخ العثيمين: أضاف خامسة، وهي تفسير آية الجاثية في قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فهؤلاء المشركون نسبوا الحوادث إلى الدهر، أو نسبوا الحوادث إلى الدهر. فكما تقدم معنا أن هذا الباب خلاصته تحريم أمرين اثنين: الأمر الأول: تحريم اعتقاد أن الدهر فاعل للحوادث، والأمر الثاني: تحريم سب الدهر؛ لأنه سب لفعل الله، لأنه سب لفعل الله عز وجل. فهذا هو خلاصة هذا الباب، وبه ننتهي إن شاء الله. والباب الثاني نؤجله إن شاء الله إلى درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.