الدرس في أخطاء المصلين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن تغميض العينين في الصلاة ليس من هدي النبي ﷺ، مستدلاً بأقوال ابن القيم وأحاديث تُثبت أنه كان ينظر في صلاته. ويُشير إلى أن بعض المصلين يزعمون أن التغميض يزيد خشوعهم، لكن التفصيل العلمي يُرجّح إبقاء العينين مفتوحتين ما لم يخلّ ذلك بالخشوع.
الأصل في الصلاة تفتيح العينين، لكن يُستحب تغميضهما إذا كان في فتحهما ما يشوش على الخشوع. أما رفع البصر إلى السماء في الصلاة فهو من الأخطاء المنهي عنها بشدة، وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك بخطفة أبصارهم.
يحذر المقطع من رفع المصلين أبصارهم إلى السماء أثناء الدعاء أو في مواضع أخرى من الصلاة، مستدلاً بحديث جابر بن السمرة الذي يتوعد من يفعل ذلك بأن لا ترجع إليه أبصاره. والسنة الثابتة أن يرمي المصلي ببصره في موضع سجوده، وعند التشهد ينظر إلى أصبعه.
يعلن المتحدث انتهاء المقطع أو الجلسة الحالية مكتفياً بما تم ذكره من أحكام وآداب متعلقة بالبصر في الصلاة. مختتماً كلامه بقوله والله تعالى أعلم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فمن أخطاء المصلين في الصلاة: تغميض العينين في الصلاة. تغميض العينين في الصلاة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة"، وقد تقدم أنه كان في التشهد يؤمئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء، ولا يجاوز بصره إشارته، أي أنه في حال الدعاء في التشهد ينظر إلى أصبعه، فدل ذلك على أنه ما كان يغمض عينيه، ما كان يغمض عينيه. وقد دلت الأحاديث الكثيرة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يغمض عينيه في الصلاة. فمن تلك الأحاديث على سبيل المثال: مد يده في صلاة الكسوف لتناول العنقود، فلو كان يغمض عينيه لما رأى ذلك عليه الصلاة والسلام. وهكذا لما رأى الجنة، وكذلك رؤيته النار، وصاحبة الهرة. وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه، لو كان يغمض عينيه لما رأى هذه البهيمة. فكل هذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أنه من هديه عليه الصلاة والسلام ما كان يغمض عينيه في الصلاة. ولذلك كره الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذلك، وعليه فتوى جماعة من أهل العلم، منهم العلامة ابن باز وابن العثيمين رحمهم الله تعالى. وقد يقول قائل: "أنا أجد عند أن أغمض عيني في الصلاة زيادة في الخشوع". فيقال: هذا الأمر قد يقع، ولكن فيه تفصيل. ولذلك فصل بعض أهل العلم في مسألة تغميض العينين في الصلاة، فقال بعضهم: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وهو من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. وإن كان تفتيح العينين في الصلاة يحول بينه وبين الخشوع فيها، لما في قبلته من أمور تلهيه عن الخشوع، كوجود زخرفة، أو كذلك تزويق، أو كذلك بعض من أمامه يلعب، أو كذلك لربما بعض من أمامه يتكلم، أو نحو ذلك، ورأى أن تغميض عينيه يبعده عن الالتهاء بما يرى أمامه، فلا شك أن هذا التغميض أفضل، هذا التغميض أفضل لمصلحة الصلاة. وإلا فالأصل كما سمعت أن السنة في الصلاة تفتيح العينين لا تغميضها، إلا إذا هناك ما يشوش على المصلي، فرأى أن في تغميض عينيه بعدا، أو كذلك ابتعادا عن هذا التشويش، فلا بأس من أن يغمض عينيه. وأيضا من أخطاء الصلاة الذي ربما يقابل تغميض العينين: رفع البصر إلى السماء. والسماء هو كل ما سماك، أي علاك. فبعض الناس ربما في الصلاة ينظر إلى المروحة، أو ينظر إلى ساعة الحائط، أو ينظر إلى السقف، أو إلى الزخرف الموجودة في المسجد، إن كان توجد فيه زخرف في الأعلى، أو نحو ذلك. فهذا الأمر جاءت فيه الأحاديث، الأحاديث الكثيرة التي فيها النهي الأكيد والوعيد الشديد عن هذا الفعل. فمن تلك الأحاديث: ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟" فاشتد قوله عليه الصلاة والسلام في ذلك، حتى قال: "لينتهين عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم". سبحان الله، هذا وعيد شديد، وعيد شديد لمن يفعل ذلك في الصلاة. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم". وهذا قد يقع من بعض المصلين أثناء الدعاء، لما مثلا يدعو في بعض مواضع الدعاء، سواء كان في التشهد، أو بعد القيام من الركوع، أو نحو ذلك، فتجده يرفع رأسه إلى السماء، كأنه يقول: "يا رب انظر إلي واستجب دعوتي"، فيرفع، بدلا من أن يرفع يديه في بعض المواضع كدعاء مثلا القنوت، أو دعاء النوازل، تجده يرفع رأسه، يرفع رأسه. وهذا نص عليه هذا الحديث، فذكر في هذا الحديث رفع البصر عند الدعاء. والأحاديث الأخرى جاءت بأنه عن رفع البصر مطلقا في الصلاة، عند الدعاء وعند غير الدعاء. ومن تلك الأحاديث أيضا: ما جاء في حديث جابر بن السمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم، أو لا ترجع إليهم"، يعني لا ترجع إليهم هذه الأبصار، فيكونون في عداد العميان. ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذا وعيد شديد وأكيد، ونهي أكيد. فينبغي للمسلم أن يحذر. والسنة عند قيام المصلي أثناء الصلاة أن يرمي ببصره في موضع سجوده، كما ثبت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا أدعى للخشوع، هذا أدعى للخشوع. ترمي ببصرك في موضع سجودك، يعني تحت في الأرض، حتى تجمع أمرك وذهنك في موضع واحد، لا يتشتت ذهنك بالنظر هنا وهنا، عن اليمين وعن الشمال، أو أمام، أو فوق، أو نحو ذلك. فهذه السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وعند التشهد كان يرمي ببصره كما مر معنا من كلام ابن القيم في أصبعه الذي يتشهد بها عليه الصلاة والسلام. فبهذا يكون المصلي قد حصر ذهنه وفكره وبصره في موضع واحد، فلا يتشتت، ولا يخرج عن معنى الصلاة، عن معنى الصلاة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.