المحاضرة بعنوان مبطلات الأعمال ومذهبات الحسنات، والتي كانت بمسجد أبو بكر بن شيخ بالشحر 10 رجب 1446هـ الموافق 10 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد هذا المحور على ضرورة المحافظة على الأعمال الصالحة محذراً من محبطاتها، مبيناً أن الشرك والكفر والنفاق من أعظم ما يُبطل الطاعات كلها. ويستدل على ذلك بآيات قرآنية وقصة عمر بن الخطاب مع راهب نصراني.
يفصل المحور في حكم الرياء كواحدة من أخطر المحبطات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً اختلاف العلماء في العمل المختلط بالرياء بين بطلان الكل أو قبول المخلص منه. ويذكر علاج الرياء باستشعار أن الجزاء من الله وحده.
يحذر المحور من أن الرياء يُذهب أجر الأعمال العظيمة كتعلم القرآن والجهاد والإنفاق، مستشهداً بحديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار. كما يبين أن ظلم الناس يستهلك الحسنات وقد يطرح على الظالم سيئات المظلومين.
يسرد المحور محبطات إضافية كالتألي على الله ورفع الصوت على النبي والابتداع وترك صلاة العصر والمن في الصدقة. ويؤكد أن هذه المخالفات تُبطل الأجر داعياً للزوم السنة والإخلاص.
يبيّن المحور آداب الصدقة الواجبة كإيصالها قبل السؤال وكف الأذى عن الفقير حفظاً لكرامته وإخلاصاً للعمل. ويحذر من إتيان الكهان والعرافين وقراءة الأبراج مبيناً أنها تحبط الأعمال وتمنع قبول الصلاة أربعين يوماً.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، فلا شك أن المسلم في هذه الحياة يحرص على الأعمال الصالحة، يحرص على أن يطرق أي باب من أبواب اكتساب الحسنات. ولكن لنعلم إخواني في الله أن هذه الأعمال وهذه الحسنات تحتاج منا إلى محافظة، حتى نلقى الله عز وجل ولا تزال في صحائف أعمالنا، لا تذهب علينا هباءً منثورًا، ولا يحبطها سبب من أسباب محبطات الأعمال، ولا يذهبها سبب من أسباب مذهبات الحسنات. وقد أمر الله عز وجل عباده بذلك، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. هذا الخطاب للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم من كان حريصًا على المحافظة على الأعمال، ومع هذا يخاطبهم الله عز وجل بهذا الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. فالأعمال لها محبطات. وكذلك في سورة البقرة، في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال في هذه الآية: هو الرجل كان يعمل الأعمال الصالحة، ثم بعث إليه الشيطان فعمل الأعمال السيئة، أي عمل بالمعاصي، فأحرق الله عمله. ولذلك هذه الآية ذكرها ربنا عز وجل بعد ذكر الآيات التي تنهى عن الرياء وعن المن والأذى في الصدقة، لأن هذه -كما سيأتي معنا- من محبطات الأعمال. ثم ذكر الله عز وجل هذه الآية مثلًا واضحًا ظاهرًا: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾. أي: المال المتوفر، الذي هو من أكبر أسباب إخضرار الجنان ونبت الأشجار وكثرة الثمار، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ وأصابه الكبر، ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾. جاء إعصار، جاءت ريح شديدة، وهذه الريح مستصحبة بالنار، فاحترق هذا البستان وصار لا شيء على وجه الأرض. فهكذا لربما بحال من يعمل الأعمال الصالحة، ثم إذا ثبت له الأجر وكُتبت في صفائح حسناته، أتى بما يُذهبها، فتصبح هباءً منثورًا كتلك الجنة. فهذه الآيات كلها تدعو عباد الله إلى أن نحرص على المحافظة على الأعمال الصالحة، وأن لا نحبطها ونذهبها بمُحبطات ومذهبات الأعمال. وما مثل ذلك أيضًا إلا كمثل رجل يجمع مالاً، فاجتمع له من المال الشيء الكثير، ثم بعد ذلك تجده يأتي بأعمال تذهب عليه هذا المال هباءً منثورًا، لا يحافظ على هذا المال، ولا كذلك يمنعه من الذهاب لغير نفقة ينتفع بها. فتجده مثلاً يصدم هذا فيُؤخذ عليه من هذا المال مقابل تصليح هذه السيارة، أو مقابل كذلك علاج ذاك المصدوم، أو نحو ذلك. تجده كذلك يضرب هذا فيُشتكى عليه، فيذهب إلى المحكمة ويأتي بي المحامي ويأخذ عليه ما شاء من المال، ثم يُحكم عليه ربما غُرِّم غرامات، فيذهب عليه هذا المال، ويخرج عليه هذا المال من حيث لا يحتسب. وكذلك الأعمال الصالحة، لربما تذهب على أحدنا وهو لا يشعر، وهو لا يشعر. فإذن هذا الموضوع مهم جدًا أن يعلمه المسلم، وأن كذلك يعلم أسباب محبطات الأعمال حتى يجتنبها وحتى يبتعد عنها. ومحبطات الأعمال قسمها العلماء إلى قسمين اثنين: القسم الأول: محبطات تذهب بجميع العمل، يعني مهما عمل الإنسان من أعمال صالحة فإن هذه الأعمال تذهب عليه كلها، لا ينال من أجرها شيء. وأسباب هذا الأمر سيأتي معنا. ونوع ثانٍ من أنواع محبطات الأعمال: تذهب ببعض الأعمال بحسب وقوع المسلم في محبط منها، ولا يذهب بجميع الأعمال الصالحة. فمن الأعمال المحبطة لجميع أعمال العبد: الشرك بالله عز وجل، والكفر، والنفاق، والعياذ بالله. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. من أشرك بالله الشرك الأكبر كدعاء غير الله، أو الاستغاثة بغير الله، أو الذبح لغير الله، أو كذلك النذر لغير الله، أو دعاء غير الله، أو نحو ذلك من العبادات التي لا يتوجه بها المسلم إلا إلى الله، فوجهها إلى غير الله، فهذا من الشرك، والعياذ بالله، الذي قال الله عز وجل عنه لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وحاشاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يفعل ذلك، ولكن لتعلم الأمة خطر الشرك، وأنه حتى لو وقع من أفضل الخلق فإنه محبط للأعمال، محبط للأعمال. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. فالشرك والكفر بالله عز وجل مذهب لجميع الأعمال، مهما صلى، ومهما صام، ومهما خشع، ومهما كذلك اجتهد في العبادة، إذا كان مقيمًا على الشرك فهذه الأعمال لا تنفعه شيئًا. وقد جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، أنها إحدى أوجه تفسيرها، أن هذه الآية في حق النصارى بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، الذين لم يؤمنوا بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فمهما اجتهد هؤلاء الرهبان في كنائسهم وفي صوامعهم، فإن هذه العبادات لا تغني عنهم شيئًا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. أهل الكتاب من النصارى، من العباد بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، عندهم اجتهادات، وعندهم عبادات، وعندهم طاعات، لكن هذه العبادات لا تغني عنهم شيئًا، لا تغني عنهم شيئًا؛ لأنهم كفروا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبرسالته، وإن الدين عند الله الإسلام. ولذلك لما فُتحت الشام، وجيء لعمر بنصراني من الرهبان، وقد كبر سنه واسودت جبهته من كثرة الصلاة والسجود، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تذكرت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. تذكر هذه الآية؛ لأن هذا يشقى وينصب ويعمل ويجتهد في العبادة وفي الطاعة، ومع هذا يصبح من أهل النار، والعياذ بالله، لأنه لم يؤمن بالله عز وجل. وأما المحبطات من الأعمال التي لا تحبط جميع العمل، وإنما تحبط بعض العمل بحسب ما يرتكب المسلم من هذه المحبطات، فمنها: أولًا: قد يقع المسلم في الرياء، فيحسن أعماله من أجل أن يراه الناس، من أجل أن يمدحوه، أو أن يثنوا عليه، أو أن كذلك يجلوه، أو نحو ذلك. فهذا الرياء من محبطات الأعمال. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». وهكذا جاء عند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عندي عليكم من المسيح الدجال؟» يعني: يتخوفه أنه صلى الله عليه وسلم على أمته أخوف من فتنة المسيح الدجال، وتعرفون عظم فتنة المسيح الدجال، ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاف على هذه الأمة من هذا الأمر وهو الرياء، أكثر من خوفه على هذه الأمة من المسيح الدجال. «ألا أخبركم بما هو أخوف عندي عليكم من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرون، لنظر رجل إليه، لنظر رجل إليه». يعني: يزين صلاته من أجل أن يراه الناس، من أجل أن يراه الناس. هذا هو الشرك الخفي. والحديث حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وقد ذكر العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، أن سبب خوف النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة من الرياء أشد من خوفه على أمته من المسيح الدجال؛ لأن الرياء أخطر من جهتين: الجهة الأولى: أن الرياء عمل خفي، والمسيح الدجال أمر ظاهر، أمر ظاهر. ولا شك أن الخفي يخفى على كثير من الناس، وينطلي على كثير من الناس، بخلاف ما هو ظاهر. والأمر الآخر: أن المسيح الدجال إنما يظهر في زمن محدد، وهو في آخر الزمان، أما الرياء فهو مصاحب لكل مسلم في كل زمن، في كل زمن. فلا شك أن ما هو دائم ومستمر أخطر مما هو يقع في زمن معين ومحدد، ولربما لا يدركه كثير منا. فلذلك كان الرياء بهذه الخطورة. والعمل الصالح إذا دخله الرياء، فقد فصل العلماء في مسألة القبول والرد: متى يرد، ومتى يقبل، وهل جميع العمل يرد إذا كان فيه رياء، أو يرد ما دخله الرياء فقط؟ هذه المسألة فصل فيها العلماء. وخلاصة هذا التفصيل: أن الرياء إذا كان في أصل العبادة، ومعنى "في أصل العبادة" يعني: الرياء متصل في العبادة من أولها إلى آخرها، كل هذه العبادة مبناها على الرياء من أصلها، لم يطر عليها الرياء، لم يطر عليها، وإنما كان الرياء فيها من أولها إلى آخرها. فهذا ذكر العلماء أن هذا العمل لا يقبل، يرد على صاحبه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي المتقدم: «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، تركته وشركه». فمهما صلى، ومهما زكى، ومهما قرأ القرآن، إذا كانت نيته إلا الرياء، فلا شك أن هذا العمل لا يقبل، وإنما يرد على صاحبه، ويحبط عليه هذا العمل. وأما إذا كان الرياء طارئًا، الرياء طارئ يعني: صلى لله، ثم وهو يصلي دخل الناس، فشعر بهم، فدخله الرياء، وحاول أن يزين صلاته. فهنا فيه تفصيل: إذا جاهد نفسه وقطع هذا الرياء، ولم يسترسل معه، فهذا لا يضره، هذا الرياء لا يضره؛ لأنه جاهد نفسه، ولأنه قطع هذا الرياء ولم يسترسل فيه. وأما إذا لم يقطعه، صلى ركعتين وهو مخلص لله، فدخله الرياء بعد الركعتين الأوليين، فما حكم الركعتين الأخريين التي صلاهما بالرياء؟ فإذا استرسل مع هذا الرياء، فالإمام أحمد يرى أن صلاته تقبل فيما أخلص فيه، وترد فيما لم يخلص فيه، يعني: تقبل الركعتين الأوليين، وترد الركعتين الأخريين. هذا قول الإمام أحمد. وشيخ ابن عثيمين يفصل في هذه المسألة، تفصيل طيب وبديع، يقول: إذا كانت العبادة متصلة بعضها ببعض، عبادة واحدة، مثل الصلاة، عبادة واحدة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فقال: هذا يحبط جميع تلك الصلاة، جميع تلك الصلاة؛ لأن الصلاة مرتبطة بعضها ببعض. وأما إذا لم تكن العبادة مرتبطة بعضها ببعض، فهذا يرد ما رئي فيه، وما لم يرأ فيه فيقبل ولا يرد. مثال ذلك في الصدقة: لو تصدق مثلاً أولاً بألفين ريال يمني مخلصًا لله، أعطى هذا الفقير، فلما أعطى هذا الفقير، بعد ما أعطاه رأى الناس ينظرون إليه، فقام وأخرج عشرة آلاف وأعطى هذا الفقير مرة أخرى عشرة آلاف، وكان مرائيًا فيها لما يرى من نظر الناس إليه. فالعشرة آلاف هذه لا نصيب له فيها من الأجر؛ لأنه راءى فيها. وأما الألفان الأوليان، فهذا أخلص فيهما، وهي عبادة مستقلة، تلك صدقة، وهذه صدقة أخرى منفصلة. فهذا ما فصل به العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. وأما إذا راءى بعد انقضاء العبادة، فهذا لا شيء فيه. بعدما صلى، رأى الناس، فدخله شيء من الرياء، أو نحو ذلك، أو ثناء الناس عليه، فهذا لا يضر؛ لأنه بعد انقضاء العبادة. فانظروا يا عباد الله إلى خطورة الرياء، فكن مخلصًا في أعمالك. ومما يعينك على محاربة، أو على علاج الرياء: أن تعلم أن الجزاء من الله، ليس من الخلق. من الذي يجازيك على الصلاة؟ من الذي يجازيك على الصدقة؟ من الذي يجازيك على قراءة القرآن؟ أما الناس، فإن أثنوا عليك وأنت خلاف ما أثنوا، لا ينفعك ذلك شيئًا عند الله عز وجل. فإذن: تعلم أن الذي يجازيك هو الله سبحانه وتعالى. ثانيًا: يستشعر دائمًا وأبدًا فظاعة الرياء، وأن هذا الجهد الذي بدلته في هذه العبادة، وهذا كذلك الوقت، وهذا كذلك المال الذي أنفقته، سيذهب عليك هباءً منثورًا. فهذا يجعلك تبتعد كل البعد عن مراءات الناس، عن مراءات الناس. وهكذا مما يدل على خطورة الرياء، ما جاء في حديث أبي أمامة الباهلي، محسنه العلامة الألباني، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: يا رسول الله، الرجل يخرج للجهاد يريد الأجر والذكر. يغزو الرجل، يغزو يريد الأجر والذكر، يريد الأجر من الله، ويريد أن يذكر عند الناس، وأن يقال: هذا مجاهد، وهذا شجاع، وهذا كذا وكذا. فقال هذا الرجل: فما له؟ ما لهذا الرجل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس له شيء». فكرر الرجل مرة ثانية الكلام المتقدم، ثم قال: ما له؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس له شيء». ثلاث مرات. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثالثة: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، وابتغي به وجهه، وابتغي به وجهه سبحانه وتعالى». فانظروا كيف هذا الرجل معه نيتان: نية الأجر، ونية الذكر. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس له شيء، ليس له شيء من الأجر، ليس له شيء»، لأن هذه النية زاحمتها، هذا زاحمها هذا الغرض الدنيوي وهو الذكر. وقد علمتم أيضًا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ومنهم قارئ، ومنفق، ومجاهد. ما شاء الله، أعمال عظيمة. إنسان قارئ، عالم، يعلم الناس، فيؤتى به يوم القيامة، فيعرف بنعمة الله عز وجل عليه من إعطاء هذا العلم، يقول: ماذا عملت بهذا العلم؟ قال: علمت فيه القرآن يا رب. قال: كذبت، إنما علمت الناس ليقال: عالم، أو ليقال: قارئ، وقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب إلى النار، والعياذ بالله. انظروا إلى خطورة الرياء، ما نفعه هذا العمل العظيم، تعلم العلم وتعليمه، «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، ومع هذا لما كان هذا القارئ لا يريد بتعليمه الناس ما عند الله، إنما ما عند الناس، كانت هذه عاقبته. وهكذا يؤتى بالمجاهد، فيقال: يعرف بنعمة الله عز وجل عليه، فيعرفها، ثم يقال: ماذا عملت؟ قال: قاتلت في سبيلك يا رب حتى قتلت. قال: فيقال: كذبت، وإنما قاتلت ليقال: شجاع، وقد قيل. ثم يؤمر به، والعياذ بالله، إلى النار. وهكذا يؤتى بالجواد المنفق، فيعرف بنعمة الله عز وجل عليه، فيعرفها، ثم يقال: ماذا عملت؟ قال: أنفقت في سبيلك يا رب، تصدقت. فيقال: كذبت، وإنما فعلت ذلك ليقال: جواد، وقد قيل. ثم يؤمر به، والعياذ بالله، إلى النار. انظروا إلى خطورة الرياء، فاحفظ عملك يا عبد الله بالإخلاص لله عز وجل. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. جاهد نفسك، فسلفنا الصالح كانوا يجاهدون أنفسهم. يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتي على نيتي». كان يجاهد النية أن تكون خالصة لله عز وجل، ليس فيها شيء لغير الله سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم. وهكذا عباد الله، من محبطات الأعمال: ظلم الناس في أعراضهم وأموالهم وأنفسهم. فهذه الأمور من مذهبات الأجور والحسنات يوم القيامة. يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم: «من كانت عليه لأخيه مظلمة، فليتحلل منه قبل أن لا يكون دينار ولا درهم». يتحلل منه، أي: في هذه الدنيا. فإن يوم القيامة مسألة المقاضاة والمصافاة بين العباد لا تكون بالدينار والدرهم. أخذت عليه في الدنيا مليونًا، سترده ليوم القيامة؟ لا، ما فيه إلا الحسنات والسيئات. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فيأخذ من حسناته» يعني يوم القيامة، يأخذ من حسنات هذا الظالم. قال: «فيأخذ من حسناته فتعطى لصاحبه، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه، فحملت عليه». انظر: المسألة مسألة أخذ حسنات، وكذلك إعطاء سيئات. أخذ حسنات من الظالم، وكذلك وضع عليه من السيئات فوق سيئاته، والعياذ بالله. ويبين ذلك ويوضحه أيضًا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أتدرون... أتدرون من المفلس؟» قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. مفلس: ما عنده شيء من المال، ولا من متاع هذه الدنيا، هذا هو المفلس في عرف الناس. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة». انظروا: أركان هذا الدين، أعمال عظيمة: صلاة وصيام وزكاة. قال: «يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا». قال: «فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت، انتهت الحسنات». ضرب هذا، شتم هذا، أخذ مال هذا، كل هذه حقوق للعباد. ولو تمعنت هذا الحديث لرأيته قد اشتمل على حقوق مالية، وحقوق في العرض، وحقوق في النفس. حقوق العرض: شتم هذا، قذف هذا، ضرب، قذف هذا، هذا كله من العرض. حقوق المالية: أخذ مال هذا. حقوق في النفس: سفك دم هذا، ضرب هذا. الحديث اشتمل على أعمال في العرض والمال والنفس. فيأتي هؤلاء أصحاب الحقوق فيطالبون، فيعطون من حسنات الظالم. انتهت حسنات الظالم، وبقي ناس يطالبون. بقي صاحب الضرب، بقي صاحب القتل، ما أخذ حقه. أيش الحل؟ ما عنده رصيد، انتهى رصيده، انتهى رصيده من الحسنات. انظروا كيف ذهبت عليه الحسنات. كم صلى، كم صام، كم زكى، كم عمل من الأعمال الصالحة، كلها ذهبت بكثرة هذه المظالم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا فنيت حسناته، أخذت من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار، والعياذ بالله». يخفف على المظلومين من سيئاتهم، فتؤخذ من كواهلهم وتوضع على ظهر هذا الظالم. انظروا يا عباد الله إلى خطورة الوقوع في الأعراض، وفي الأموال والأنفس. فلا تظلم يا عبد الله، تعد عن الظلم، لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا، فالظلم آخره يفضي إلى الندم، الندم في الدنيا والندم في الآخرة، والعياذ بالله. فأد الحقوق يا عبد الله، وأنت على قيد الحياة، وأنت في وقت الإمكان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد» أي: يقتص يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. الشاة البهاء من... يقتص شاة ما عندها قرون، جلحاء، وشاة عندها قرون، إذا تضاربت، من تغلب؟ من تقتس وتظلم التي فيها القرون. فيوم القيامة يؤخذ حق الجلحاء من القرناء. فكيف بالخلق؟ كيف بالإنسان الظلوم الجهول الذي حمل هذه الأمانة العظيمة، أمانة الدين وأمانة القيام بالحقوق؟ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. فاحذر من الحقوق يا عبد الله، احذر من أن تظلم مسلمًا، فتذهب عليك حسناتك، ويذهب عليك عملك. وهكذا جاء عند الإمام أحمد، ويحسنه العلامة الألباني، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام امرأة كانت تكثر... انتبهي لرواية الحديث: تكثر من الصيام والصلاة والصدقة، ولكنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها. كانت تؤذي، يعني: تقع في أعراضهم، تقع في كذلك سبهم وشتمهم وأذيتهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». ذهبت هذه الأعمال عليها، ذهبت هذه الأعمال عليها، لماذا؟ لأنها لم تراع حق الجيران، فظلمت واعتدت، واعتدت، فكان هذا الجزاء، والعياذ بالله. انظروا إلى خطورة الوقوع في الأعراض. انتبه من الغيبة، من النميمة، من سب الناس، من شتمهم، خصوصًا أهل الخير وأهل الصلاة وأهل كذلك الدين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «قال الله: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب». وهكذا غيرهم من الناس، من الجيران، من الإخوان، من الضعفاء، من النساء، من الأطفال. حتى الطفل لا يجوز لك أن تظلمه لضعفه، ولا يجوز لك أن تأخذ حقه لصغر سنه. فهذا كله محاسب عليه عبد الله، فيذهب عليك عملك بسبب هذه الأعمال والوقوع في الأعراض. وهكذا من أسباب، أو من محبطات الأعمال أيضًا: التألي على الله، التألي على الله عز وجل. ومعنى التألي: أن تحلف جازمًا أن الله عز وجل لا يغفر لفلان، أو لا يدخل فلان الجنة، أو لا يرحمه الله، أو لا كذلك يوفقه، أو نحو ذلك من الأمور التي مردها إلى الله سبحانه وتعالى، لا إلى أحد من الخلق. فأنت ليس لك من الأمر شيء. قلنا، بارك الله فيكم، أن من محبطات الأعمال: التألي على الله. فقد جاء في الصحيح من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت له، وأحببط عملك». أحبط عمل هذا المتأل. لا تضيق وتحجر واسعًا، فرحمة الله عز وجل وسعت كل شيء. قال أبو هريرة: «كلمة قالها، أوبقت عليه دنياه وأخراه». هذا اللسان من أعظم أسباب إحباط الأعمال. انظر: كلمة قال: «والله لا يغفر الله لفلان»، غفر الله لمن قال فيه ذلك، وأحبط الله عمل هذا المتأل. لا تغتر، مهما وصلت في درجات العبادة والطاعة والعلم، فلا تتأل على الله، ولا تعجب بعملك. فهذه من أسباب، أو من محبطات الأعمال. كذلك من محبطات الأعمال: رفع الصوت فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا في حياته، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال العلماء: وبعد موته، رفع الصوت على سنته، بمعنى: رد سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وعدم العمل بها، والانقياد لها. ولذلك هذه الآية ذكرت في أول سورة الحجرات، والآية الأولى من سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. ذكر أولاً: أن لا يقدم المسلم بين يدي الله ورسوله شيئًا، لا رأيًا، ولا كذلك قولًا لأحد من الناس، وإنما يقدموا قول الله وقول رسوله عليه الصلاة والسلام. فلا ترفع صوتك فوق صوت السنة، ولا تعارض سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فيخشى من أن يحبط عملك وأنت لا تشعر. ومن ذلك أيضًا: أن تعمل الأعمال على غير هدي النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه الأعمال المخالفة لسنته مردودة على صاحبها، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». في رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». البدع والمحدثات ترد على أصحابها؛ لأنه من شرط قبول الأعمال: الإخلاص، كما مر معنا، وكذلك المتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا تتعب نفسك في عبادات لم ينزل الله بها من سلطان، ولا تخترع وتبتدع عبادات وتشريعات لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتعب نفسك من غير أجر ولا ثواب. فحديث النبي صلى الله عليه وسلم صريح في ذلك، صريح في ذلك. فاتبع السنة يا عبد الله، واحرص عليها. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. ولذلك كان سلفنا الصالح يقولون: «اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة». لو عملت العمل اليسير، لكنه على السنة وعلى هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا خير لك من أن تعمل الأعمال الكثيرة والصلوات العديدة، لكنها مخترعة ومبتدعة، لم يأمر بها شرع الله. فإذا احذر من البدع والمحدثات، والأعمال المخالفة لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. فمن رحمة الله عز وجل أن أكمل لنا هذا الدين، وأتم علينا نعمته بتمام وكمال هذا الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وهكذا يا عباد الله، من محبطات الأعمال: ترك الصلوات، خاصة صلاة العصر، الصلاة الوسطى. فقد جاء في البخاري من حديث بريدة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله، فقد حبط عمله». وحمل العلماء ترك الصلاة متعمدًا، من ترك صلاة العصر متعمدًا. لم تأت لفظة "متعمدًا" في الحديث، ولكن عمومات الأدلة تدل على هذا المعنى. فمن ترك صلاة العصر متعمدًا فقد حبط عمله، فقد حبط عمله، جزاء وفاقًا لما فعل من هذا الذنب العظيم، ألا وهو ترك الصلاة. فاحرص يا عبد الله على المحافظة على الصلاة، واحذر من أن تضيعها، أو أن تنام عنها، أو أن تغفل عنها، فإن ذلك من محبطات الأعمال. وهكذا من محبطات الأعمال: في الصدقة، المن والأذى. تتصدق ثم تمن على من تتصدق عليه، تقول له: أنا تصدقت عليك، تعال اخدمني، أعطيني، احترمني، افعل لي كذا وكذا. ثم في صدقتك، وتؤذي هذا الفقير أو المسكين بقولك: ألم أعطك؟ ألم أنعم عليك؟ ألم أتصدق عليك؟ ألم، وألم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. فالمن والأذى مما يبطل الصدقة. أنت تتصدق تريد وجه الله. ولذلك من صفات المخلص في صدقته: أنه لا يرجو جزاء من المتصدق عليه، ولا يرجو جزاء من الناس أنه تصدق. أخف صدقتك يا عبد الله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. فصدقة السر تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى. فاجعل صدقتك سرًا، حتى ربما لا يعلم بك الفقير والمسكين، فضلاً أن تؤذيه. لا يعرف، تتصدق، ولا يدري المسكين من أين جاء هذه، هذه الصدقة. يذكر عن الفضيل بن عياض، كان إذا جن الليل ذهب وأوصل الطعام إلى بيوت الفقراء والمساكين، وحملها على ظهره، يحمله على ظهره، يطرق الباب: من هذا؟ لكم. يرمي عند الباب ويذهب، لا يدرون من الذي أتى بهذا. هذه الصدقة التي هي أقرب إلى الإخلاص، وإلى عدم المن والأذى. أما اليوم، تجد واحدًا يتصدق على الفقير والمسكين، يصوره ويبث هذا، وهكذا يستفيد من هذا الفقير ربما في أموال أخرى ونحو ذلك. هذا هو الإذلال بعينه، وهذا هو الأذى في الصدقة. أليس يؤذي المسكين حين تعطيه ثم تصوره؟ هل يرضى أحد منا إذا أعطاه شخص دقيق أو رز: «تعال، صورة أنا وأنت، وأنت حامل الكيس الرز وحامل الكيس السكر، ويصوره»؟ أليس هذا من الأذى؟ حتى يعلم جميع الناس أن: أنا فقير، وأنه تصدق علي، وأنني كذا وكذا. هذا هو الأذى في الصدقة. وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. هذا هو الأذى في الصدقة. فما أجمل وما أوقع أن تكون الصدقة بعيدة عن كل ما يؤذي ذلكم الفقير. بل حتى من عدم أذية الفقير: ألا تحوجه أن يسألك، وأن يضرب بابك، بل أنت الذي تتحرى، وكذلك تبحث عن المحتاج، فتوصل إليه هذه الصدقة قبل أن يسألك، قبل أن يسألك، وقبل أن يشعر بذل المسألة. هذا أيضًا أقرب وأدعى للإخلاص في هذه الصدقة، الإخلاص في هذه الصدقة. وهكذا من محبطات الأعمال: الذهاب إلى السحرة، الكهنة، العرافين. إذا لم تصدقهم، وإنما ذهبت للفضول، كما يقال. أما إذا ذهبت مصدقًا لهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». لكن من ذهب، ليس من أجل أن يصدق، وإنما هكذا فضول، أو راح مع صاحبه، أو ما يفعل اليوم البعض في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض المواقع، يدخل في بعض القنوات المتخصصة في السحر والكهنة. لماذا يا أخي؟ قال: من أجل أن يعني أعرف إيش عند القوم. هل أنت عالم حتى ترد عليهم؟ هل أنت علامة وباحث حتى ترد شبهاتهم؟ لا. إذن لماذا تدخل؟ فلربما ينالك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أتى عرافًا، لم تقبل له صلاة أربعين يوم، ليلة أربعين ليلة، لا تقبل له صلاة». هل معنى أنه لا يصلي؟ خلاص، طالما أنه ذهب عند الكاهن أربعين يوم لا يصلي؟ لا، يجب عليه أن يصلي، واجب عليه أن يصلي. لكن هذه الأربعين ليلة، كل الصلوات هذه لا ينال منها أجرًا، لا ينال منها أجرًا، عقوبة له. أحبطت عليه هذه الصلوات، لا ينال من أجرها، عقوبة له. لماذا؟ لأنه أتى هذا الكاهن، ولو لم يصدقه، ما صدقه، لكن أتى إليه، أو دخل في مواقعهم، أو كذلك ما يسمى بـ "الأبراج"، علم الأبراج الذي يأتي في الصحف، يقرأ