الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 179، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع باب ما جاء في المصورين مبيناً أن التصوير مماحاة لخلق الله وانتقاص لتوحيد الربوبية، وكان سبباً لأول شرك في قوم نوح. وتستعرض الأحاديث تحذيرات شديدة للمصورين وتوعدهم بأشد العذاب يوم القيامة مع تفصيل عقوبتهم في النار.
يستعرض المقطع ست عقوبات للمصورين منها أنهم أشد الناس عذاباً وملعونون وكلفوا بنفخ الروح في صورهم يعجزون عنها. ويبين وجوب طمس الصور المحرمة مطلقاً لذوات الأرواح سواء عبدت أم لا.
يخصص النهي بالتصوير لذوات الأرواح من إنسان وحيوان وطير ويجوز تصوير ما لا روح فيه كالأشجار. وينص على تحريم نحت التماثيل بالإجماع واختلاف في الرسم باليد مع استثناء الصورة المتهانة الموطأة.
يذكر النوع الثاني من التصوير وهو الرسم باليد مستثنياً النقوش غير ذات الأرواح كالورود في الثياب. ويشير إلى ظهور التصوير بالآلات الحديثة كمسألة عصرية ستفصل لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في المصورين. ومناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد وفي هذه الأبواب: أن التصوير خلق وإبداع، فيكون به المصور مشاركاً لله في ذلك الخلق والإبداع، ففيه مضاها، أي مشابهة لخلق الله عز وجل، فكأن المصور شارك الله في خلق الخلق وحسن صورهم، وهذا يخدش في تعظيم الله عز وجل في توحيد الربوبية، في توحيد الربوبية. كما سيأتي في الأحاديث أن من حكم تحريم التصوير المضاها، المضاها لخلق الله عز وجل. وأيضاً وجه آخر في إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد، وهو أن أول شرك وقع في الأرض في قوم نوح كان سببه التصوير والتماثيل، فإذا التصوير وسيلة إلى الشرك، وسيلة إلى الشرك، ولذلك ذكره المؤلف هنا في كتاب التوحيد حتى يحذر من الشرك ووسائله، من الشرك ووسائله. وتعلمون حديث ابن عباس في البخاري: أن قول الله عز وجل ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾، هؤلاء قال ابن عباس: رجال، أسماء رجال صالحين كانوا من قوم نوح، لما هلكوا، أي ماتوا، قال أو قال الناس: صوروا لهم صوراً حتى تتذكروا عباداتهم، فصوروا لهم هذه الصور، ولم تعبد في أول الأمر، فلما انقرض ذلكم الجيل وجاء الجيل الذي بعده عبدوهم من دون الله عز وجل، فكانت هذه الصور سبباً لعبادتهم، كانت سبباً لعبادتهم من دون الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى خمسة أحاديث فيها تحريم التصوير: قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟» يعني لا أحد أظلم، أظلم مخلوق، ومن فعل هذا، ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً ﴾. وهذا الحديث فيه عقوبة من عقوبات التصوير والمصورين، وهو أنه لا أحد أظلم منه في هذا الباب، لا أحد أظلم منه. وقال: ولهما عن عائشة، يعني البخاري ومسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يظاهؤون بخلق الله»، يعني يشابهون خلق الله، وهم المصورون. فهذا الحديث فيه وعيد شديد لهؤلاء الذين يصورون، أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة، أشد الناس عذاباً يوم القيامة. وفي هذا أن العذاب يتفاوت يوم القيامة لأهل المعاصي. وقال: ولهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». وهذا الحديث يحمل على أنه في النار إذا كان من أهل التوحيد، فيمكث في النار بقدر هذه المعصية، فيعذب ثم يكون مآله إلى الجنة، لكن يعذب بقدر ذنبه. وفي هذا الحديث يعذب بقدر عدد تصويره، لأنه قال: «يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم»، لو صور مليون يعذب بمليون نفس، نعم، فكل نفس من هذه يعذب بها، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم، فكلما أكثر من التصوير كثر عذابه والعياذ بالله في النار، وهكذا يعذب، يعذب كثرة وقلة. وقال: ولهما عنه مرفوعاً عن ابن عباس: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». ما يستطيع ذلك، لكن يقال له ذلك زجراً، وكذلك زجراً له بسبب هذا الفعل والعياذ بالله، ولا يستطيع أن ينفخ فيها الروح لأن هذا الأمر من خصائص الرب سبحانه وتعالى. وقال: ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». وهذا فيه كذلك وجوب طمس الصور لتحريمها، فطمس الصورة دليل على تحريمها، دليل على تحريمها، وإلا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها. فخلاصة هذه الأحاديث الخمسة جاءت فيها عقوبات ست، ذكرها ابن عثيمين ولخصها: فالعقوبة الأولى أنهم أشد الناس عذاباً أو من أشدهم عذاباً، وأن المصور ملعون، المصور ملعون، وكذلك أن الله يجعل له بكل صورة نفساً يعذب بها في نار جهنم، وأنه في النار، كل مصور في النار، وأنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، وأنه لا أحد أظلم منه في هذا الباب، أو أنه في قمة الظلم، في قمة الظلم. وقوله: «إلا طمستها»، يقول ابن عثيمين: إن كانت ملونة بوضع لون آخر يزيل معالمها، يعني مرسومة باليد مثلاً، طيب، فطمسها بوضع لون آخر على ملامح الصورة حتى لا يتبين أنها صورة أو أن فيها رأساً أو نحو ذلك. وإن كانت تمثالاً فإنه يقطع رأسه، إنه لا يمكن أن يزال بالألوان. وإن كانت محفورة فيحفر على وجه حتى لا تتبين معالمه، يعني مثلاً منحوت في صخرة أو في تراب أو نحو ذلك، فيقوم بحفر ذلك الموضح حتى لا يتبين معالم رأسه. فالطمس يختلف. وظاهر الحديث قال: سواء كانت تعبد من دون الله أو لا، إنه قد يقول هذا النهي فقط في التماثيل التي أو الصور التي تعبد من دون الله، لا يوجد هذا التفصيل في هذه الأحاديث، الأحاديث عامة، فيكون تحريم الصور مطلقاً، سواء كانت تعبد من دون الله أو لا تعبد من دون الله. والمراد بالصور هنا لا شك أنها صور ذوات الأرواح، ويستدل على ذلك ببعض ألفاظ هذه الأحاديث، منها قوله في الحديث: «يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم»، وهكذا يكلف أن ينفخ فيها الروح. قال في حديث ابن عباس: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح»، فدل ذلك على أنها من ذوات الأرواح، من ذوات الأرواح. وأيضاً جاءت في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، أحيوا»، فهذا دليل على أنهم من ذوات الأرواح، ليس من غيرها. فصور الأشجار والأنهار والبحار، وكذلك ما لا نفس له، فهذا لا بأس به، لا يدخل في هذا النهي، وإنما النهي في الصور التي لها أرواح، فصورة الإنسان أو الحيوان من الجمال أو الحمير أو الأغنام أو كذلك الطيور أو نحو ذلك مما لها أرواح، مما لها أرواح. وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فليخلقوا ذرة» كما جاء في حديثي، نعم كما جاء في حديثي أبي هريرة: «فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة»، وهذه ليست من ذوات الأرواح، فالمراد بذكر هذه الأشياء ذكرها على سبيل التحدي، أي أن هؤلاء عاجزون عن خلق هذه مع صغرها، فالله عز وجل يتحداهم أن يخلقوا هذه الأشياء الصغيرة، فلماذا هم يضاهون بخلق الله ويتشبهون بفعل الله عز وجل في الخلق وكذلك حسن الخلق ونحو ذلك؟ فهذا ورد مورد التحدي، مورد التحدي. والمراد أيضاً هنا في مسائل كثيرة، منها المتفق عليه ومنها المختلف في أمر الصور، فالصور أنواع، الصور أنواع، صور ذوات الأرواح أنواع، فمنها نحت التماثيل، نحت التماثيل بذهب أو فضة أو كذلك سمنت أو جير أو طين أو نحو ذلك مما يشكل وينحت، فهذا محرم بالإجماع، فهذا محرم بالإجماع، ولو لم يقصد به المضاهاة، فهذا محرم، لا يجوز نحت لا إنسان ولا حيوان ولا طير ولا شيء، فهذا مما أجمع عليه العلماء. وأنواع التصوير من ذوات الأرواح أيضاً: الرسم باليد، الرسم باليد، يأتي بقلم أو بمعلم أو بألوان فيرسم ذوات الأرواح باليد، فهذا فيه خلاف يسير، فجمهور أهل العلم، منهم الأئمة الأربعة، يرون تحريمه لعموم الأدلة، لعموم الأدلة. وأما ما ورد في بعض الأحاديث: «إلا رقماً في ثوب»، فحمل العلماء هذا الاستثناء على تفسيرين اثنين: التفسير الأول: «إلا رقماً في ثوب» يحمل على المهانة، يعني أو رقماً في ثوب، أي هذا الثوب مهان، مهان بمعنى يعني يؤطى عليه، يؤطى عليه. فبعض أهل العلم استثنى ذلك، الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين استثنوا ذلك، واستدلوا أيضاً بحديث عائشة أنها كانت اتخذت على سهوة لها سترة، سهوة يعني مثل ما نقول منور أو فتحة في الجدار أو شيء، اتخذت لها يعني ماذا؟ سترة، لكن فيه تماثيل، يعني فيه صور، قال: فهتكه النبي صلى الله عليه وسلم، أي نزع هذا الستر، قال: فاتخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيت يجلس عليهما، نمرقتين يعني مثل الفرش يوضع ثم يوطأ عليه وينام عليه. فقالوا: يعني لم يرد في هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها طمست هذه الصور، وإنما جعلت كالفرش يوطأ، هذا يعني استدلال بعض أهل العلم، وهي مسألة اجتهادية. وبعض أهل العلم قال: الحديث ليس بصريح، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم أنكر يعني على عائشة ستر السهوة لأنها فيها التصاوير، فلما طمستها، فلم يعني تسع لستر هذه السهوة، فجعلتها كالفراش أو كالمجلس أو ك يعني ما نسميه نحن اليوم بالمدحقة أو نحو ذلك، وهو أمر يكون أسهل في الأرض مما لو كان معلقاً في الجدار. فهذا تفسير لبعض أهل العلم في قوله: «أو رقماً في ثوب». وبعضهم قال: يحمل «أو رقماً» أو «إلا رقماً في ثوب» أي النقوش والتصاوير التي ليست من ذوات الأرواح، الأرواح، ليست من ذوات الأرواح التي تكون في الثياب من غير صور، مثل مثلاً صورة وردة أو صورة الشجرة أو نحو ذلك مما قد يكون الآن في بعض الملابس وفي بعض الأثواب، فيحمل «إلا رقماً في ثوب» على الرقم الذي ليس من ذوات الأرواح، لعموم الأدلة. فهذا هو النوع الثاني من أنواع التصوير، وهو الرسم باليد. وبقي الآن التصوير بالآلات الحديثة، وهو ما يسمى بالكاميرا، وكذلك الشاشات ونحو ذلك، وهذه مسألة عصرية، ما كانت هذه الأمور موجودة من قبل، لكن هذا ظهرت في الأزمان الأخيرة، والعلماء لهم كلام في ذلك وتفصيل. وانتهى الوقت، إن شاء الله تعالى نفصل في ذلك في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.