الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المؤلف أن أصل ضلال أهل البدع يعود إلى سوء الظن بالله وعدم تقديره حق قدره، مما يؤدي إلى تعظيم المخلوق فوق الخالق. ويرد على الجهمية والمعتزلة الذين ينفون صفات الله وأفعاله الاختيارية، مؤكداً أن صفات الله وأفعاله قائمة بذاته ومتصلة بقدرته ومشيئته.
يؤكد السلف وأئمة السنة أن الله متصف بصفات عظيمة تليق بجلاله ومتصلة بذاته، وينفون أفعال المشيئة الاختيارية كما تفعل الفرق الضالة. ويحذر النص من عقائد الحلول والاتحاد كقول النصارى والحلولية والاتحادية وابن عربي وابن سبعين والحلاج، الذين يجعلون الله حالاً في المخلوقات أو عين الوجود.
ينتقد المؤلف قول الروافض إن الله رفع أعداء رسوله (بني أمية) ووضع أولياءه (أهل البيت)، معتبراً ذلك قدحاً في حكمة الله وعدله. ويشبه هذا القول بمزاعم النصارى أن الله أيد نبياً كاذباً ظالماً لقرون، مستنتجاً أن من عبد غير الله فقد عبد شيطاناً.
استشهد المحاضر بآية من سورة يس (60) حيث يذكر الله عهده لبني آدم بألا يعبدوا الشيطان. وأشار إلى أن تفصيل ذلك سيؤجل للدرس القادم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: إن جميع طوائف الضلال والبدع، إذا تأملت ضلالهم، فأصل ضلالهم راجع من شيئين: ظنهم بالله ظن السوء، وأنهم لم يقدروا الرب حق قدره. لم يقدروا الله عز وجل حق قدره، فلذلك عظموا المخلوق كتعظيمهم للخالق، بل أشد من تعظيمهم للخالق. ولهذا قد يحلف الواحد منهم بالله عز وجل أكثر من مرة ولا يبالي، لكن لا يستطيع أن يحلف بهذا الذي يعظمه إلا في الأشياء العظيمة، وهذا لا شك أنه تعظيم أعظم من تعظيمه لله. وقال: وقول هؤلاء شر من أشباه المجوس، القدرية، الأدلين. ولا قدروا حق قدره من نفى رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وحكمته مطلقًا، هم الجهمية. وحقيقة قولهم: أي أنه لا يفعل شيئًا. وهذا أيضًا قول الجهمية والمعتزلة معنا، يقولون: إن الله عز وجل ليس له فعل، فلذلك ينكرون أفعاله، فلا يؤمنون بصفات الأفعال. قالوا: لم يجعل له فعلًا اختياريًا، بل أفعالهم مفعولات منفصلة عنه، بمعنى أنها منفصلة عن الذات. فالجهمية والمعتزلة وغيرهم يقولون: إن هذه الصفات لا تقوم بالذات، بمعنى أنها ليست متصلة بذات الله جل وعلا، وإنما شيء منفصل. وهذا كلام باطل. الفصل بين الأسماء والصفات، أو الذات والصفات، كلام باطل. بل صفاته جل وعلا من ذاته. وأيضًا يقولون: إن هذه الأفعال من الخلق والرزق وغيرها هي أفعال منفصلة عن الذات، لا تتعلق بقدرته ومشيئته. وهذا إذا كان من أفعال الله عز وجل. وأما ما يحدث في المخلوقين، فيقولون: هذا بمشيئته وقدرته، فلا يكون بمشيئته وقدرته إلا ما كان مخلوقًا مفصلًا عنه. هكذا يقولون، وهذا باطل. وأما السلف وأئمة السنة والحديث، فيقولون: إنه متصف بصفات عظيمة، بصفات تليق بجلاله، وهي أيضًا متصلة بذاته، متصلة بذاته، كما دل الكتاب والسنة على ذلك؛ لأن الله عز وجل أضافها إليه، أضاف هذه الصفات إليه سبحانه وتعالى. قال: ولم يجعل فعلًا اختياريًا، بمعنى: ينفون أفعال المشيئة، بمعنى: أفعال اختيارية، بل أفعال مفعولات منفصلة عنه، بمعنى: ينفون المحبة والرضا وغير ذلك. ولا قدره حق قدره من جعل له صاحبة وولد، كالنصارى، أو جعله يحل في مخلوقاته، كالحلولية، أو جعله عين هذا الوجود، وهذا كالاتحادية. معنى: غالبًا يكون الحلول اتحاديًا. والاتحادية يقولون: إن كل شيء هو الله. والحلولية يقولون: إن الله عز وجل حل في المخلوق. لكن يختلفون: منهم من يقول ك الذين ينتسبون إلى الشيعة، يقولون: إن الله عز وجل يحل في الأولياء. كذلك اعتقاد بعض الصوفية القبورية، يعتقدون أن الله عز وجل يحل في الأولياء. ومنهم من هو أعظم، يقولون: إن الله يحل في كل شيء. وهذا عقيدة ابن عربي وابن سبعين وغيرهم من هؤلاء الغلاة، والحلاج. هؤلاء اتحاديون وجوديون. هؤلاء ما قدروا الله عز وجل حق قدره، فيقولون: إن الله في كل مكان، وفي كل جسم، وكل شيء هو الله. لهذا يقول ابن عربي وغيره: الرب عبد، والعبد رب. يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبدًا فهذا رب، وإن قلت ربًا فهذا عبد. عنه: أنه حل الرب في العبد. وهذه عقيدة، كما قلنا، وحدة الوجود والاتحاد. وأيضًا سأذكر ذلك معنا من هذه العقيدة الفاسدة: ابن الفارض في قصيدته التي سماها التائية، وهذه من أسوأ القصائد الكفرية، حتى أنه يخاطب الله عز وجل بالأنثى. قال: ولا قدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وجعل فيهم الملك، ووضع أولياء رسوله وأهل بيته. وهذا يتضمن غاية القدح في الرب تعالى. عن قول الروافض: من يقول: إن الله عز وجل رفع أعداء رسوله، يريد: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجعل فيهم الملك، يريد: بني أمية، ووضع أولياء رسوله أهل بيته، فلم يكن فيهم الملك. وهذا كذب. الله عز وجل رفع من أراد رفعه سبحانه وتعالى، سواء كان من أهل بيته، من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كعلي مثلاً، أو غيرهم. فمن أراد الله عز وجل رفعته، فإنما رفعه خاصة في الخير، رفعه لأجل تقواه. قال: وهذا يتضمن غاية القدح في الرب تعالى. عن قول الرافضة. وهذا مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين: إنه أرسل ملكًا ظالمًا، فادعى النبوة، وكذب، وكذب على الله، ومكث زمانًا طويلًا، يقول: أمرني بكذا، ونهاني عن كذا، ويستبيح دماء أنبياء الله وأوليائه وأحبابه، والرب تعالى يظهره ويؤيده، ويقيم الأدلة والمعجزات على صدقه. هذا كلام النصارى الضالين. قالوا: يقيم دولته على الظهور والزيادة، ويذل أعداءه أكثر من ثمانمئة عام. فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الروافض. لأن الروافض ليسوا إخوان المسلمين، وإنما من إخوان اليهود والنصارى؛ لأنهم ليسوا على الإسلام أبدًا. قال: تجد القولين سواء. عن إذا تأملت في قول النصارى وقول الروافض، تجد أنه نفس القول، لكن تختلف فقط ذكر الأشخاص. قالوا: لا قدره حق قدره من زعم أنه لا يقي الموت، ولا يبعث من في القبور، ليبين لعباده الذين كانوا فيه يختلفون. حول الكفرة من قريش وغيرهم. قالوا: الذين كفروا، أنهم كانوا كاذبين. ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وبالجملة، فهذا باب واسع. والمقصود: أن كل من عبد مع الله غيره، فإنه عبد شيطانًا. قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [يس: 60]. طيب، إن شاء الله نترك هذا في درس اللاحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.