الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بعد نجاة موسى وبني إسرائيل من فرعون، توجه موسى إلى جبل الطور ليلتقي بربه، ومر بقوم يعبدون الأصنام. كانت هذه الرحلة تمهيدًا لأحداث مهمة.
التقى موسى بربه في جبل طوى بعد أربعين ليلة، وتلقى التوراة من الله مباشرة. كانت هذه الواقعة مهمة جدًا في تاريخ بني إسرائيل.
طلب موسى رؤية الله، فتجلى للجبل وجعله دكا، وسقط موسى صعقا. أوضح الله لموسى أنه لن يراه في الدنيا.
أثناء غياب موسى، وقع بنو إسرائيل في فتنة السامري، حيث أضلهم بصنع عجل من الذهب. كانت هذه الفتنة نتيجة لغياب موسى واتباعهم للسامري.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فنحن في هذه الدورة المباركة، وفي هذا الوقت من الأوقات، سنتدارس وإياكم ما يتعلق بمختصر سيرة الأنبياء والرسل. وهذا الدرس في الحقيقة هو عبارة عن استكمال لما مضى معنا في الدورة السابقة، لمن حضرها وانضم لهذه الحلقة. علمًا كيف أننا بدأنا من أول خلق آدم عليه السلام، ثم تتابعنا في ذكر الأنبياء والرسل. ولم يكن القصد من هذه الدروس، إخواني في الله، عبارة عن ثقافة عامة. ما أظن أن تسمعون، طيب. فالقصد، إخواني في الله، أن هذه السلسلة، يعني لم يكن القصد منها فقط معلومات عامة، وإنما هي في الحقيقة أمور يستفيد المسلم من خلالها، فيها من عدة أمور، منها ما يتعلق بتفسير القرآن؛ لأن جل هذه القصص، أو القصص من قصص الأنبياء والرسل، جاء ذكرها في القرآن. ولهذا، في معرفة جوانب هذه القصة النبوية، ستعرف التفسير لكلمات ومعاني القرآن. كذلك من فوائد هذه الدروس، حفظكم الله، ما يكون من التصور الصحيح للوقائع والأحداث. تسمع عما وقع لموسى، ما وقع لعيسى، ما مر علينا من قوم صالح، وما وقع لقوم هود وعاد، لكن ما نتخيل كيف الذي صار. لكن عند الشرح والبيان، تظهر لك عدة معاني، تتصور ما هي الصورة وما هي المسألة. كذلك من أعظم ما يستفاد من هذا السرد التاريخي، ما يكون من فائدة التتبع للحوادث التاريخية، كما أشرنا في قصة موسى عليه السلام، وهي من أكثر قصص القرآن ذكرًا، أكثر من مئة وثلاثين مرة. لكن تجد أن قصة موسى جاءت هنا وهنا وهنا وهنا، فلا يدري بعض الناس متى كان هذا ومتى كان هذا ومتى كان ذاك. لكن عندما تستمع إلى السرد التاريخي لقصص الأنبياء، ستعرف البداية والنهاية، فتقرأ قصة إبراهيم عليه السلام، ما يتعلق ببدء أمره، ما كان في وقته في أرض العراق، ومتى ذهب إلى الشام، ومتى ذهب إلى أرض الحجاز، عندما بين القبلة، و،متى ما أراد أن يضحي بابنه. هذه وقائع، لكن جاءت في القرآن غير مرتبة. لكن عند السرد التاريخي، سترتب لك. قصة موسى عليه السلام، كما أشرنا، هي من أكثر قصص القرآن ذكرًا، لكنها جاءت مفرقة هنا وهنا، فعند سرد التاريخي، ستعلم كيف الترتيب، بدءًا من مولده وميلاده عليه السلام، إلى أن توفاه الله جل وعلا. كما سيأتي، فالحاصل، إخواني في الله، أن هذه المجالس من المجالس العلمية الشرعية. وقد ألف فيها العلماء والمصنفون الكتب والرسائل والمصنفات في تاريخ الأنبياء والرسل. وسنبتدئ هذه الليلة، إخواني في الله، في استكمال ما وقفنا عليه. ومن كان معنا في هذه الدورة، وفي هذا الجامع، وقفنا عند قصة موسى عليه السلام، وخاصة بعد أن أنجاه الله جل وعلا من فرعون، وتجاوز البحر. وقفنا عند هذه المرحلة. صحيح، من باب الفائدة، استكملنا الدروس، وذلك في أرض طيبة، وفي منطقة طيبة، في مسجد السنة، استكملنا الدروس، وانتهينا من قصة موسى، ودخلنا في بعض الأنبياء والرسل، وما استكملناهم. لكن نظرًا لأن جل الطلاب ما حضروا، الذي واصلنا فيه في مركز السنة؛ إذ أن أكثر الحضور إنما من أهل طيبة، ولم يكن من أهل الدورة. فحين أرى، من باب الإنصاف والمتابعة، أني أقف وأستمر من حيث ما وقفنا، ها هنا في الدورة السابقة. وقفنا عند نجاة الله لموسى، فنستمر من هذه المرحلة، ونواصل. فيتكون لبعضكم ممن كان معنا في طيبة، ستكون الآن هذه الدروس الأولية مراجعة له، هذا إذا ما أصابها النسيان والذهول. الدرس الأخير، إخواني في الله، والذي ختمنا به هذا المجلس في الدورة السابقة، كان حديثنا في قصة موسى عليه السلام، عندما أنجاهم الله جل وعلا من فرعون، وذلك عندما وصلوا إلى الضفة الأخرى من البحر. وقفنا، إخواني في الله، في الدرس الأخير من هذه الدورة المباركة، أو الدورة السابقة، في قصة إنقاذ الله جل وعلا لموسى. موسى وجد نفسه في الضفة الأخرى، ومعه أمة عظيمة من بني إسرائيل. حصلت أمور قد أشرنا إليها، وهي من الأمور البدهية؛ إذ أن من معه طلبوا سقي الماء، فكان من ذلكم أن الله عز وجل أنبع لهم الينابيع من الحجر. وذكرنا لكم قصة الحجر الذي كان يسير معهم، فيضرب موسى بعصاه الحجر، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا. وهكذا شكوا إلى موسى الجوع، فأنزل الله عز وجل عليهم المنة والسلوى. وأشرنا حينها أن المنة، قال من قال، هي مادة عسلية يجدونها على النباتات، وفي الأشجار. وقيل منهم من قال بأنها عسل، والسلوى عبارة عن طائر يأتي إليهم، فيأخذونه ويذبحونه ويأكلونه. وهكذا مما كان من شكاويهم، ما كان من أمر الحر؛ لأنهم يسيرون بلا بيوت ولا ظلال، فمن الله عز وجل عليهم بالظلال، فمن الله عليهم بالغمام الذي كان يسير معهم حيثما ساروا. وكان من فعل موسى مع قومه حينها، لكثرتهم، أن قسمهم إلى اثنتي عشرة قبيلة. وهذا يعود إلى أصولهم، وإلى أجدادهم. من كان من بني يوسف، من كان من بني يوشع، ومن كان من بني لاوي، إلى آخر هذه القبائل. وجعل على كل قبيلة نقيبًا من النقباء، هم الواجهة لبني إسرائيل. الحاصل أن موسى عليه السلام، بعدما أنجاه الله عز وجل من البحر، هيئ هذه الأسباب في استقرار الأوضاع، في التنظيم الاجتماعي، وفي المأكل والمشرب والمأوى. الآن سنبدأ، إخواني في الله، في الدخول في مرحلة جديدة. هذه الأمة من أمة بني إسرائيل، ومعهم موسى عليه السلام، ما المطلوب منهم؟ المطلوب أن الله جل وعلا أمر موسى عليه السلام بأن يتوجه إلى جبل الطور، إلى جبل الطور. وأنجيناكم من عدوكم، وباعدنا بينكم وبين الطور الأيمن، إلى جهة الطور، عند جبل الطور تحديدًا، من الجهة اليمنى؛ لأن الجهة اليسرى من جبل الطور هي منطقة ساحلية، بخلاف الجانب الأيمن من جبل الطور، هي منطقة يابسة، تكون محلاً للاستقرار. فأمر الله عز وجل موسى بأن يأخذ قومه إلى تلك الجهة. وكانت هذه المسافة يقدرها من يقدرها من أهل العلم، ما يقدر بثلاثمائة كيلو. ثلاثمائة كيلو سيقطعونها مشيًا، حتى يصلون إلى هذه المنزلة، وهذه المحلة. فتحرك موسى، وطبعًا سيكون مشيهم فيه نعمة التأني؛ لأن هذا الشعب فيهم الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والذراري. آلاف مؤلفة، شعب كبير يمشي ويسير، وهم يتوجهون إلى المكان الذي أمرهم الله أن يمكثوا فيه. من الأمور التي نذكرها في هذا المقام، أنهم في حال مشيهم، وقع لهم أمر، وهو أنهم مروا على قوم يعبدون الأصنام، يعبدون الأصنام. وقيل أن هؤلاء القوم كانوا من الكنعانيين، وكان الكنعانيون من عقيدتهم يعبدون الأصنام المصورة. وهذه إشارة وتمهيد لما سيأتي من عبادة العجل، لما سيأتي من عبادة العجل. الشاهد أن هؤلاء لما نجاهم الله، أو أمرهم الله بالذهاب إلى جانب الطور الأيمن، مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، كما ذكر ذلك ربنا في كتابه سبحانه وتعالى، كما قال ربنا: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم﴾. حينها قال جماعة من بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. لا زال الناس هؤلاء عندهم لوثة ممن اعتنقوها في دين فرعون. اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. فحينها ذكرهم موسى بعظيم ما أنعم الله عليهم، وأن هؤلاء قوم متبر ما هم فيه، أي هم فيه هلاك وباطل ما كانوا يعملون. وأمرهم بتوحيد الله جل وعلا. وهذه القصة والواقعة قد ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم لقومه، عندما خرج إلى غزوة حنين، فقال من قال من أصحابه، وكانوا من مسلمة الفتح: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». فنبينا صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الواقعة عن بني إسرائيل، وقد جاءت مصطرة في كتاب الله جل. فنادى موسى في مسيره، هنا لما دنى موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن، لما دنى، كان له موعد مع ربه، كان له موعد مع ربه. أين؟ في الوادي المقدس طوى. أمره ربه أن يأتيه هنالك، أن يأتيه هنالك. فبينما هم في الطريق، موسى عليه السلام طلب من أخيه هارون أن يمضي قدما، امشوا، استمروا في المشي، حتى تأخذهم إلى جانب الطور الأيمن. وأما أنا، فسأذهب إلى طوى، أذهب إلى طوى. موسى سيذهب إلى طوى؛ لأن الله هنالك سيوحي له بأشياء، ومن أعظم الأشياء التي سيوحيها ربنا إلى موسى، أن ينزل عليه الكتاب المقدس. لأن إلى هذه الفترة، إلى هذه الفترة، كان موسى عليه السلام لا زال يعمل بما كان عليه الأنبياء من قبل. لكن بعد هذا الموعد، سيتغير الأمر؛ لأن الله سيخص موسى بشريعة عظيمة. فموسى عليه السلام طلب من هارون أن يمضي قدما بقومه، وأنا سأذهب. فكان موسى سيذهب إلى المشرق، وهارون سيذهب إلى المغرب. طبعًا نحن الآن في مفترق الطريق، موسى سيذهب، تقع له حوادث، وهارون مع بني إسرائيل، ستقع لهم حوادث. نأخذ موسى أولًا عليه السلام، ثم ننتقل إلى حوادث هارون. ما الذي صار مع موسى؟ موسى، وعده ربه عز وجل أن الله سيوحي له بعد ثلاثين ليلة. ووعدنا موسى ثلاثين ليلة، بعد هذه الثلاثين، سيأتيه الوحي من ربه، وسيكلمه ربه، وسيكلمه ربه. هنا أمر يشكي، الإخوان في الله، قد يقول قائل: نعم، مرت علينا الآيات على أن الموعدة ثلاثين ليلة، لكن في بعض الآيات، هناك عدد آخر. ويقول جل وعلا: ﴿ووعدنا موسى أربعين ليلة﴾. فترى هل هي ثلاثين أم أربعين؟ الجواب هي أربعون ليلة، لكن كيف؟ كان الأصل الموعد بعد ثلاثين، ثم جعلها الله أربعين، وذلك كما ﴿قارب وأتممناها بعشر﴾، أتممناها بعشر. زيد في الموعد. وللعلماء في هذا الموعد الذي تغير، بعض الاجتهادات. من أشهرها، ومن أشهرها، أن موسى عليه السلام استعد لهذا الميقات العظيم، في ملاقات ربه، وأن يتكلم مع الله. فكان من تهيئة نفسه، أن صام هذه الفترة، شهرًا كاملًا، شهرًا كاملًا. كما قال ابن كثير: الليلة مع النهار، الليلة مع النهار؛ لأنه أراد أن يتقرب إلى الله بشعيرة الصيام. فلما كاد الموعد أن يقرب، بل كمل موسى ثلاثين ليلة، ما الذي فعل؟ استاك، استاك حتى يغير من رائحة الفم. فلما أراد أن يتكلم مع ربه، أوحى الله إليه: لما فعلت ذلك؟ لماذا غيرت هذه الرائحة؟ أما تعلم أن رائحة الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فحينها أضيفت له العشر، أن يصوم عشرة أيام، ويواصل الصيام، ويأتي برائحته. هذا الذي عليه أكثر العلماء من المفسرين، من رجع إلى هذا الميقات، يسمع بهذه التفاصيل. فالله أعلم. طبعًا، كذلكم حاول جماعة من العلماء أن يلتمسوا التاريخ: متى كانت هذه المدة؟ الذي نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وعن جماعة من التابعين، أن الثلاثين يومًا كانت كذا هذا الشهر، ذي القعدة، صامه موسى كاملًا، وأتممناها بعشر، عشرة أيام من ذي الحجة، والتي ستأتينا. لهذا، بعض العلماء عندما يذكر ويعدد فضائل العشر من ذي الحجة، يذكر هذه القصة. فكذلك العلم عند الله، وإن كان هذا قد ورد عن بعض السلف، كما سمعتم. أشهد أن موسى عليه السلام استعد للقاء ربه. فهنالك أوحى الله عز وجل لموسى ما أوحى إليه. أوحى الله إلى موسى ما أوحى إليه من الوحي، ومن أعظم ما أوحى الله إلى موسى، أن أنزل عليه التوراة. أنزل عليه التوراة، والتوراة، إخواني في الله، يعتبر من أجل الكتب السماوية. ومن عظيم شأن هذا الكتاب المقدس، ومما تميز به عن باقي الكتب، أن الله كتبه بيده. أن الله كتب التوراة بيده سبحانه وتعالى. وكتبنا له فيها. وفي حديث الشفاعة، عندما تأتي الأمم، تأتي إلى موسى، مذكرة له بعظيم ما أنعم عليه: أنت كليم الله، وكتب الله لك التوراة بيده. وفي حديث مجادلة آدم مع موسى عليهما السلام: أن آدم قال: أنت موسى الذي خط الله لك التوراة بيده. فإن من عظيم ما تميزت به التوراة، أن الله كتبها بيده سبحانه، وأن الله عز وجل كتبها في الألواح. والله أعلم بهذه الألواح، وإن كان المفسرون حاولوا، يمنة ويسرة، يتخيلوا أو أن يأتوا بالإسرائيليات، ما يتعلق بوصف هذه الألواح. فالله أعلم بها. ونقف حيث وقف القرآن. وكان من شأن التوراة الذي أنزله الله على موسى، نزل كله كاملًا، دفعة واحدة، كاملًا دفعة واحدة. وهذه الصفة، كما يقول العلماء، هي كل الكتب السماوية تنزل على أنبيائها دفعة واحدة، إلا كتابًا مقدسًا واحدًا، ما نزل دفعة واحدة، ألا وهو القرآن. القرآن هو الكتاب المقدس السماوي الذي أنزله الله منجما، مقطعًا، على حسب الحوادث والوقائع. أما التوراة، فقد نزل، أنزله الله على موسى عليه السلام، وكان دفعة واحدة. والقرآن يعد أعظم كتاب بعد القرآن. ولهذا يذكر كثيرًا في كتاب الله جل وعلا. إذا قرأت القرآن، تجد ذكر التوراة كثيرًا. بل إن بعض الأحكام والمسائل والآيات والنصوص التوراتية موجودة في القرآن، موجودة في القرآن. فمن هذه الأحكام، مثلًا، تحويل القبلة. فإن القبلة أول ما كانت، كانت إلى الكعبة، إلى مكة، أول ما كانت في زمن إبراهيم عليه السلام، عندما بنى الكعبة، وجهت الصلوات إليها. واستمر الأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام إلى التوجه إلى القبلة، إلى مكة، إلى أن جاءت شريعة موسى، فحولت القبلة من مكة، إلى بيت المقدس، إلى بيت المقدس. ثم استمر الأنبياء من بعد ذلكم، عيسى وداود وزكريا وسليمان، كل هؤلاء بعد ذلكم توجهوا إلى بيت المقدس، حتى في زمن رسول الله، لما بعث نبينا عليه الصلاة والسلام في العهد المكي، جلس يستقبل بيت المقدس في الفترة كلها، إلى أن انتقل بعد الهجرة إلى المدينة، أخذ عدة أشهر، لا زال يستقبل بيت المقدس، حتى نسخت وتحولت القبلة إلى الكعبة، ورجعت إلى ما كانت عليه. وكذلك من أحكام ما يتعلق بالتوراة، ومن نصوصها، ما كان من ذكر بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. فإن التوراة فيها ذكر لوصف نبينا عليه الصلاة والسلام، وصفًا دقيقًا. بل كما قال ربنا عز وجل، حاكيًا عن اليهود، وعن بني إسرائيل: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾. ما كانت علامات الرسول عليه الصلاة والسلام تلتبس على أحد من أهل الكتاب؛ لأن التوراة كانت واضحة جلية في بيان صفات النبي عليه الصلاة والسلام. لكنه الحقد والحسد في بني إسرائيل، جرهم إلى أنهم ينكروا ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. كذلك مما ذكر في ما جاء في التوراة، وجاء ذكره عندنا في القرآن، بعض الشرائع والأحكام. ومنها ما جاء في قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾. فكان في شريعة بني إسرائيل، أن الواحد منهم لا يتجاوز على قتل أخيه. وأيضًا في قوله تعالى: ﴿ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم﴾. هذا مما نهى الله عز وجل عنه بني إسرائيل في التوراة. لا يجوز لأحد منكم أن يخرج أخاه من بيته، فردًا كان أو قبيلة، لا تهاجم قبيلة منكم قبيلة أخرى، فتخرجها من دارها. هذا لا يقع، هذا مما جاء كذلكم في التوراة. وكذلكم من أحكام التوراة، بعض النصوص القرآنية، ما جاء في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصل بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾. هذه الآيات: ﴿قد أفلح من تزكى﴾، موجودة في التوراة. و﴿ذكر اسم ربه فصل بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا﴾ المذكور موجود، أي في الصحف الأولى، في صحف إبراهيم، وفي صحف موسى. هذا مما نقرأه من التوراة، ومما حفظه لنا القرآن. وأيضًا من نصوص التوراة، موجودة في القرآن، ما جاء في قوله تعالى: ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ إلى آخر الآيات. هذه الآيات التي نتلوها، هذه موجودة في التوراة، لقول ربنا: ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى﴾. هذا موجود في صحف موسى، ما يتعلق بالجزاء والإيمان والثواب والعقاب، إلى آخر الآية. وأنه أهلك عادًا الأولى، وثمود، فما أبقى. يعني حتى قصص الأنبياء والرسل موجودة في التوراة. بل حتى أن بعض الباحثين يرى، بل قرأ، ووقع في يده، أن قصة يوسف عليه السلام موجودة عند أهل الكتاب، كالتي عندنا. قصة يوسف الموجودة في كتاب الله، هي موجودة عند أهل الكتاب، بمثل الذي عندنا. قالوا: اللهم لم يذكر فيها قصة البئر فقط، لم يذكر فيها قصة البئر، أي دخلها التحريف عندهم، وإلا القصة، غالب ما فيها من التفاصيل، هي التي موجودة عندنا في القرآن. ولهذا فالتوراة قد جمعت وشملت الأحكام الكثيرة. وكذلك من أحكام التوراة، الذي ذكرها لنا ربنا في القرآن، أن التوراة كانت فيها الحدود، الحدود الشرعية. فحين أن تنازع اليهود، حين أن تنازع اليهود في واقعة حصلت في زمنهم، في زمن رسول الله، وحادثة الزنا، ترافعوا، وأرادوا أن يتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ربنا لنبينا: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾. فيها حكم الله، أي الحدود الشرعية موجودة في التوراة. فحينها أمرهم نبينا بأن يأتوا بالتوراة، ففتحت التوراة، وأمر نبينا من أمر من أصحابه أن يقرأ التوراة في بعض أوراقها، فإذا بآية الرجم، فإذا بآية الرجم ظاهرة واضحة تلمح. ولهذا، إخواني في الله، فالتوراة كان من الكتب العظيمة التي يأتي ذكرها كثيرًا في القرآن، في بعض إجمالاتها، وفي بعض ذكر تفاصيلها، بذكر بعض أحكامها، وما ذكره الله عز وجل فيها. وطبعًا، وحتى لما جاء عيسى بالإنجيل، الإنجيل لم يغير كثيرًا في التوراة، لا الإنجيل، إنما تؤيد ومصدق للتوراة. ولهذا التوراة أعظم شأنًا، أعظم شأنًا، إلى أن جاء القرآن، ثم نسخ التوراة. فالشاهد أن موسى عليه السلام لما استمع إلى كلام ربه، وبعدما أن أوحى الله إليه ما أوحى، هنا جاءت مسألة أخرى، وهي أن موسى عليه السلام سأل ربه أمرًا آخر. وكما قال العلماء: لما تلذذ موسى بالخطاب، سأل ربه أن يرفع الحجاب. قال: ﴿ربي أرني أنظر إليك﴾. ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال: ﴿ربي أرني أنظر إليك﴾. لما جاء موسى لهذا الميقات، وهذا الموعد، وأوحى الله عز وجل إلى موسى ما أوحى إليه من الأحكام والشرائع والتوراة، حينها طلب موسى هذا الطلب: ﴿ربي أرني أنظر إليك﴾. فقال له ربه عز وجل: ﴿إنك لن تراني﴾. معنى ﴿إنك لن تراني﴾، أي أنك لن تستطيع، ولن تقدر على ذلك. ولا يستدل مستدل من أهل الأهواء والبدع على أن ﴿إنك لن تراني﴾ فيه نفي الرؤية مطلقًا، لا. وكيف هذا؟ وقد جاءت الأحاديث الكثيرة على رؤية الرب عز وجل، وأن الله يرى، ولكن يوم القيامة. وهذا بإجماع أهل السنة. وإنما ربنا عز وجل لا يرى في هذه الدنيا؛ لأن ما نحن عليه من الخلق البشرية، ما نستطيع، ولن نتحمل، ولن نملك أن نرى ربنا عز وجل في هذه الدار. فقال ربنا عز وجل لموسى: ﴿إنك لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾. لكن انظر لهذا الجبل، وانظر كيف هو في مقام الرؤية، هل يثبت أم لا؟ ومن الخطأ ها هنا أن بعض الناس يرى أن هذا الجبل هو جبل الطور، أن هذا الجبل هو جبل الطور، لا؛ لأن كما قلنا، من الذي في جبل الطور؟ في جبل طور هناك هارون عليه السلام مع بني إسرائيل. وأما موسى هنا، أين؟ في الوادي المقدس طوى، في الوادي المقدس طوى، المكان الأول الذي أوحى الله إلى موسى. وكم بينهما؟ قدرت المسافة بينهما بستين كيلو، بين قوم موسى وهارون، وبين مكان موسى، بين يوشع وبني إسرائيل وبين موسى، قدر ستين كيلو، مسافة، مسافة تقريبًا من الشحر إلى المكلة، هكذا على ما أذكر، مسافة. ولهذا، المقصود بالجبل هنا، لكن انظر إلى الجبل، هي عبارة عن تلكم الزلجلة الجبلية؛ لأن في جبل أو في وادي المقدس، في طوى، هناك سلاسل جبلية عظيمة، سلاسل جبلية عظيمة. فكان الحديث عن أحد هذه الجبال: ﴿فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾. لكن الأمر كما قال ربنا عز وجل: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا﴾. سقط موسى عليه السلام لعظيم هذا. مع أن الله قد تجلى للجبل، وأما الجبل فانهار لعظيم ربنا عز وجل. موسى صعقًا، واختلف العلماء: هذا الصعق من موسى، هل هو بمعنى الموت؟ مات، فبعثه الله؛ لأن الصعق يأتي بمعنى الموت. فنفخ في الصور، فصعق، فصعق، أي مات. هل موسى صعق بمعنى مات؟ أم أن موسى صعق بمعنى أغمي عليه؟ قيل هذا، وقيل هذا. وأكثر العلماء على أن الصعق هاهنا بمعنى الإغماء، أن موسى أغمي عليه. وهذا عليه أكثر المفسرين، استدلالًا بقول ربنا: ﴿فلما أفاق﴾. فلما أفاق. فالشاهد، وهذه القصة قد أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم، عندما قال: «لا تخيروني بين الأنبياء؛ فإني أول من أفيق»، أي يوم القيامة. فإذا بموسى عليه السلام قابض بقائمة العرش. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فلما أفاق موسى عليه السلام، لامه ربه، قائلًا: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾. ما أعجلك؟ لماذا تعجلت؟ لأن كما قلنا، كان موسى من المقرر أنه يبقي بنفسه مع بني إسرائيل في الجانب الأيمن، يرتب أوضاعهم وأمورهم، ثم يأتي. لكن ما الذي فعل موسى؟ ما انتظر، بل عندما وصل إلى مفترق الطريق، وكل الأمر إلى هارون: أنت امضِ، وأنا سأذهب. فقال له ربه: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾. قال: ﴿هم أولئك على أثري﴾، يعني هم عندي قريب، ليسوا ببعيد، كما قلنا: ستين كيلو، يعني بالقرب. ﴿عجلت إليك ربي لترضى﴾، أي ما استطعت أني أصبر، أني أوصلهم وأجلسهم، وهي أمورهم، ثم أتيك. نفسي من شوقي إليك عجلت. فقال له ربه: ﴿فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾. فأخبره ربنا جل وعلا بما جرى خلفه من فتنة، وهي فتنة السامري. فحينها رجع موسى إلى قومه، غضبان أسفًا، أخذ الألواح، ورجع إلى قومه، وقد ملئ غضبًا وغضبًا، أسفًا، شدة الغضب. نأتي الآن ما هذه الفتنة التي صارت لبني إسرائيل؟ ﴿فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾. الآن ننتقل كما قلنا ننتقل إلى أحداث هارون عليه السلام، من بدايتها، حتى نعلم ما الذي صار. ما الذي صار مع يوشع حتى وصلوا إلى الفتنة الذي صار؟ أن يوشع عليه السلام، طبعًا موسى أوصى هارون: ارجع بقومي، واخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين. انتبه يا هارون، لا تتبع سبيل المفسدين. ويكأن موسى يلمح لهارون أن هناك من شعبنا من فيه ضعف في إيمانه، من فيه خور في عقيدته، من قد ابتلي بالشك والريب، منهم من هم من أهل النفاق. هؤلاء لا تجعل لهم صولة ولا جولة، ولا تتبع سبيل المفسدين. أوصى بهذه الوصية، فتفرقا هارون عليه السلام، أخذ بقومه، وآتى بهم إلى جانب الطور الأيمن، وجهز أمورهم. هنا وردت مسألة، وهي أن بني إسرائيل تحدثوا بعظيم ما أنعم الله عليهم: أن الله أنجاهم من فرعون، وأنقذهم من الغرق، وأعطاهم المن والسلوى، ومن عليهم بالسقية، وأن الله عز وجل ظللهم بالغمام، إلى غير ذلك. وأنهم قد فعلوا حرامًا، وما هو؟ أنهم أخذوا زينة القوم، حمّلوا أوزارًا من زينة القوم. ما قصة الأوزار هذه؟ وما معنى زينة القوم؟ بني إسرائيل لما خرجوا ليلًا من مصر، طبعًا خروج مفاجئ، أخرجهم موسى في جنح الظلام، وأسري بعبادي ليلًا. لما خرجوا، لما خرجوا ليلًا، لم يأخذوا معهم متاعًا، لكن استطاعوا أن يأخذوا الشيء الخفيف الغالي، وهو الذهب. وكان من الذهب الذي أخذوه من ذهب المصريين، من ذهب المصريين؛ إذ كان من الذهب ما هو عبارة عن ودائع وأمانات، ودائع وأمانات. كان هناك تعامل بين المصري وبين الإسرائيلي في البيع والشراء، ودائع ورهن وأمانات. فلما جاءت فرصة الانتقال ليلًا، قام بعض من بني إسرائيل وأخذوا الودائع والأمانات التي ليست لهم، وإنما للمصريين، أخذوها معهم وارتحلوا. فلما جلسوا في هذا المكان، في الجانب الأيمن، تحدثوا، تذكروا وتذاكروا هذه الجريمة: كيف طابت لنا أنفسنا أن نأخذ هذا المال الحرام، وهو ليس لنا؟ وقد أنعم الله علينا بما أنعم. فحينها ماذا؟ تبرأوا من هذا الذهب، وأجمعوه، وأجمعوا في مكان، حتى أصبح كومًا كبيرًا من الذهب. أتحدث عن شعب كبير، بالآلاف. وقد ذكرني إخواني في الله، تذكرون من حضر معنا: أن إحصائية من يذكر من المؤرخين، أن عدد من خرج بهم موسى بالملايين، تصل إلى مليون. وإلا اليهود يدعون أنهم ثلاثة ملايين، لكن هذا عدد كبير، قد يصل إلى نحو تسعمائة ألف نسمة، كثير. فهؤلاء منهم من أخذ الوديعة، فقاموا برمي الذهب. طيب، أقف إلى هذا الحد؛ لأن المقام سيطول في ذكر تفاصيل قصة فتنة السامري، ورجوع موسى عليه السلام. لكن في الغد، إن شاء الله، نواصل. والآن الدرس العام عند أخينا شيخ أبي همام عبد الله بن علي باسعد، حفظه الله. وإياكم الله خيرًا.