سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 3

سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 3

الدرس في سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

السمة الأولى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: العناية بالتوحيد ونشره

أعظم سمات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو جعل التوحيد محور الدعوة والشغل الشاغل لأئمتها اقتداءً برسل الله، والنجاح مرهون بإقامة التوحيد والعلم النافع، بينما فشلت الدعوات التي انشغلت بالسياسة أو الحاكمية أو الأخلاق دون التوحيد. عني الشيخ بنشر التوحيد عبر التدريس اليومي في المساجد بكتاب "الأصول الثلاثة" صباحاً ومساءً لحقه على العباد.

منهج أئمة الدعوة في تفصيل التوحيد وسد ذرائع الشرك

اهتم أئمة الدعوة بالتوحيد عناية يومية مستمرة وأدرجوه في كل الفنون والعلوم، ولم يقتصروا على الذكر الإجمالي بل فصّلوا أنواع التوحيد والشرك الأكبر والأصغر والجلي والخفي. كما عنوا بسد الذرائع الموصلة إلى الشرك كتعظيم القبور والإطراء المفرط، وألفوا مؤلفات مختصرة دقيقة قعدت القواعد وضبطت الضوابط والشروط والأركان.

القاعدتان الممهدتان لقبول التوحيد: معرفة الحق بالرجال وعدم اتباع الكثرة

يركز أئمة الدعوة على قاعدتين لتسهيل قبول التوحيد: الأولى أن الرجال يُعرفون بالحق لا العكس، فيُرجع إلى الكتاب والسنة لمعرفة الحق وأهله. والثانية أن الكثرة ليست دليلاً على الحق، بل العبرة بموافقة الوحي وإن قلّ التابعون، كما دلّت عليه آيات القرآن الكريم.

عناية أئمة الدعوة السلفية بتوحيد الله ودعوة الناس للحق

يؤكد المقطع اهتمام أئمة الدعوة السلفية بتفصيل مسائل التوحيد وبيان دقائقه، كما يدعون الناس لقبول الحق ومعرفة الرجال بالحق لا العكس، ويختتم بالتأكيد على أن الله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ صالح السندي رحمه الله في كتابه "سمات دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي" رحمه الله: السمة الأولى لهذه الدعوة المباركة: أن الدعوة إلى التوحيد والتحذير من ضده ديدن أئمة الدعوة الشيخ فمن بعده عليهم رحمة الله، وهجيراهم، والشغل الشاغل لهم، وهو الشغل الشاغل لهم، وأكبر قضية في دعوتهم وجهادهم. بمعنى أن أعظم عناية هذه الدعوة بأمر التوحيد، توحيد الله سبحانه وتعالى، لأن التوحيد هو دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. فالدعوة إلى التوحيد هي من أهم وأعظم الواجبات وأول المهمات. ولذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». فأي دعوة لا تقيم لأمر التوحيد بالاً ولا قدراً وشأناً فهي دعوة ضالة، فهي دعوة فاشلة. فمن أعظم سبب نجاح دعوة الشيخ ومن أعظم سماتها الاعتناء بأمر التوحيد. ولذلك فإن أهل السنة والجماعة يعتنون بهذا الباب عناية فائقة، عناية عظيمة، لما سمعتم من أهمية توحيد الله سبحانه وتعالى، بخلاف غيرها من الدعوات. فبعض هذه الدعوات اهتمت بأمر السياسة والوصول إلى السلطة ونحو ذلك كجماعة الإخوان المسلمين، ففشلت هذه الدعوة، وكره الناس هذه الدعوة لانحرافها وعدم صحة سيرها. وهكذا بعض تلك الدعوات اهتمت واعتنت بأمر الحاكمية وأمر التكفير والتفجير، وكذلك بأمر المظاهرات والانتخابات ونحو ذلك، ففشلت كجماعة السرورية والقطبية، وجماعة كذلك داعش وما تفرخ منها من تلك الجماعات المسلحة كجماعة القاعدة ونحوهم، ففشلت تلك الدعوات لأنها لم تلق لهذا الباب بالاً. وهكذا بعض تلك الجماعات اعتنت بأمر الفضائل والأخلاق كجماعة التبليغ، ففشلت، ولم تقم على التوحيد ولا على العلم، فلذلك سقطت وضعفت، ولم تلقَ إقبالاً من المجتمعات. ولم تكن دعوة أهل السنة والجماعة قائمة على هذا المبدأ العظيم وهذا الأمر العظيم وهو التوحيد، فكتب الله عز وجل لها القبول والظهور. وهكذا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. قال المؤلف: كان الإمام المجدد رحمه الله يبعث كل يوم بعد الصبح وبعد العشاءين من يعلم الناس ويسألهم، كما يقول ابن بشر في كتاب له اسمه "عنوان المجد في تاريخ نجد"، كما ذكر ذلك في الحاشية. قال ابن بشر: قال عن الأصول الثلاثة: معرفة الله، ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. يعني كان الشيخ محمد عبد الوهاب يبعث طلاب العلم في المساجد بعد صلاة الصبح وبين العشاءين، يعني بين المغرب والعشاء، من يعلم الناس ويسألهم عن الأصول الثلاثة، كتابه المشهور الذي يسمى بـ "الأصول الثلاثة"، فيدرسون هذا الكتاب وما ينبغي على العباد لله سبحانه وتعالى من العبادة، مع التحذير من ضد ذلك. فعرف الناس، الصغير والكبير، بل والذكر والأنثى، التوحيد، واستقر في قلوبهم، استقر في قلوبهم. انظروا إلى هذه العناية، ولله الحمد. هذا الكتاب وغيره من كتب شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله لا يزال أهل السنة يعتنون به ويدرسونه في دوراتهم وفي مراكزهم وفي مساجدهم، لما في هذا الكتاب من معرفة التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. فيا أيها الداعي إلى الله عز وجل، ويا أيها الطالب، ويا أيها العام: لا تمل ولا تكل من دراسة هذا الكتاب، فوالله لو أتقنته وعملت به لكنت بإذن الله عز وجل من أهل التوحيد، وممن عرف التوحيد الذي أراده الله سبحانه وتعالى من خلقه، من خلقه، من خلقه. فهذا يدل على عناية شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب بدراسة التوحيد ونشر ذلك بين الناس في مساجدهم. وهذا فيه كذلك عنايته بالعلم النافع. فهذه الدعوة أيضاً قائمة على العلم. فأي دعوة لا تلق للعلم بالاً، فلا تجد في مساجدها من يعلم التوحيد والسنة، ومن يربّي الناشئة على كتاب الله وعلى سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فاعلم أن وراءه ما وراءه، وأن دعوته ليست هي الدعوة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما إقامة هذه الدورات، ولا كذلك فتح المراكز والمساجد وما فيها من العلم والتعليم، إلا من هذا الباب، ألا وهو الاعتناء بأمر العلم. فلا مخرج للأمة فيما هي فيه من الضعف ومن الجهل ومن الذل إلا بالعلم، إلا بالعلم، أن يتسلح أهل هذه البلاد بالعلم النافع، وأعظم العلم العلم بالله، العلم بتوحيد الله سبحانه وتعالى. قال: ما كان أئمة الدعوة يكتفون أو يكتفون بخطبة يتيمة أو كلمة عابرة أو درس واحد ضمن عشرات الدروس يتكلمون فيه عن التوحيد، كلا، بل كانوا يتكلمون عن التوحيد صباحاً ومساءً. وهذا فيه رد على من يقول: إلى متى ونحن ندرس التوحيد؟ يكفي أن ندرس التوحيد أو العقيدة في عشر دقائق أو في يوم أو يومين أو نحو ذلك. هذا من جهله، هذا من جهله. بل إن التوحيد يدرس كل يوم صباحاً ومساءً، لأنه حق الله على العباد، فإذا لم يعتنوا به فبماذا يعتنون؟ فبماذا يعتنون؟ فأئمة هذه الدعوة ما كانوا يكتفون بأن يبين التوحيد في خطبة أو في درس واحد، ثم بعد ذلك لا يتكلمون عن أمر التوحيد، لا، وإنما كان أمر التوحيد ودراسة التوحيد كل يوم صباحاً ومساءً. وليس معنى ذلك أنهم يهملون بقية العلوم، لا، وإنما المراد أن الاهتمام، وكذلك أكثر ما يعتنون به من الدروس هو فيما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى. فأهل السنة لا يكتفون ببيان التوحيد في خطبة واحدة فقط أو في درس واحد فقط، وإنما كل ما انتهوا من كتاب من كتب التوحيد أعادوه، أو أعادوا غيره مما تكلم عن مسائل أخرى من مسائل التوحيد، من مسائل التوحيد. قال: بل حتى لو تكلم أحدهم في غير فن التوحيد فإنه غالباً ما يعرج عليه. فلو تكلم في الطهارة أو في السيرة أو الأخلاق، فإنه يتلمس المواضع التي يمكن أن تفيد في هذا الباب العظيم. وهذا ينفع المدرس خصوصاً ممن يدرس في المدارس، نعم، وهو مقيد بمناهج معينة، فيستطيع في أي مادة من تلك المواد التي تدرس أن يعرج إلى التوحيد. وهكذا كانت دعوة الشيخ محمد وأحفاد وأحفاده. ربما يتكلمون عن الطهارة، وقد بين ذلك الشيخ في بعض كتبه أنه كان يقول: «كما أن الصلاة لا تصح من غير طهارة، فكذلك العبادة لا تصح من غير توحيد الله سبحانه وتعالى». انظر كيف يربط بين أمر الطهارة في الصلاة وأمر التوحيد في العبادة. وهكذا لو قرأت كتابه "مختصر السيرة النبوية"، هي كتب، هي دراسة في السيرة، لكن ما من موضع إلا ويعرج على أمر التوحيد، وينبه من مسائل أو من فوائد تلك الحوادث وتلك المواقع التي تذكر في السيرة عن أمر التوحيد، عن أمر التوحيد، ليدلنا ذلك على أهمية هذا العلم. وهكذا أنت أيها المدرس، أنت الآن تدرس في مثلاً مادة الأحياء أو مادة الكيمياء، فتستطيع من خلال تلك المادة أن تغرس في قلوب الطلاب توحيد الله سبحانه وتعالى. فلو تكلمت مثلاً عن المجرات أو عن الذرات، فتبين للطلاب عظمة الله عز وجل، ثم تدخل لهم فتقول: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ﴾، أفلا تذكرون؟ هذا الذي خلق هذا الكون، أليس هو المستحق للعبادة؟ فالذي يسجد لغير الله أو يدعو غير الله أو يستغيث بغير الله، هل يستطيع أن يخلق ذرة أو أن يخلق شيئاً يسيراً من هذا الكون؟ وهكذا تدخل لهم في توحيد الله سبحانه وتعالى. وهكذا في غيرها من العلوم. فليكن السلفي السني همه الأعظم هو تقرير التوحيد في كل مكان، حتى في مجالس العوام. استغل هذه المجالس أيها الموحد في بيان التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، والتحذير من ضده، ألا وهو الشرك بالله عز وجل. قال: وكان من ثمرة هذه العناية الفائقة أن أرست هذه الدعوة المباركة دعائم علم التوحيد، وقام بسببها على سوقه، فقعدت قواعده، وضبطت ضوابطه، وبينت الشروط والأركان، وذكرت التقاسيم والأنواع، فكانت مدوناتها بحق أنفع ما كتب في تعلم التوحيد وتعليمه. وصدق رحمه الله، لما اعتنوا بهذا الباب ألفوا المؤلفات الكثيرة في توحيد الله عز وجل، سواء كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو أحفاده. فكم مؤلفات الشيخ محمد عبد الوهاب في باب التوحيد والعقيدة! كتاب التوحيد، الأصول الثلاثة، القواعد الأربع، وهكذا كشف الشبهات، وهكذا غيرها من تلك الكتب التي فيها بيان دقائق وتفاصيل التوحيد. فبالاعتناء بأمر التوحيد كما ذكر المؤلف قعدوا القواعد، وسهلوا هذا العلم بذكر الشروط والأركان والتقاسيم، وهي مؤلفات مختصرة، ما فيها حشو وما فيها تطويل، وإنما هو ذكر المسألة بدليلها من كتاب الله أو من سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. قال: كما تميزت دعوة أئمة الدعوة إلى التوحيد بكونها دعوة تفصيلية لا إجمالية، جلّت أفراده، وأبرزت دقائقه، وحذرت من جلي الشرك وخفيه، فعم نفعها وعظمت بركتها. وهذا أيضاً من الاعتناء بالتوحيد. فلم تكن دعوتهم دعوة إجمالية. إيش معنى دعوة إجمالية؟ يعني ليس التحذير فقط من الشرك أو بيان فضل التوحيد فقط: "عليكم بالتوحيد، توحيد الله عز وجل يجب على كل مسلم"، هذا من باب الإجمال. أو التحذير من الشرك من باب الإجمال: "احذروا الشرك، الشرك صاحبه مخلد في النار، الشرك كذا وكذا"، هذا إجمال. لكن هذه الدعوة اعتنت بتفصيل مسائل التوحيد، وبيان ما هي الأعمال، وما هي الأقوال، وما هي كذلك الأمور التي تعد من الشرك الأكبر، وما هي الأمور التي لا تعد من الشرك الأكبر، وما هي الأمور التي تعد من الشرك الأصغر، في تفاصيل تجدها في كتبهم. كذلك بينت دقائق وتفاصيل مسائل التوحيد، فبيّنت جلي الشرك وهو الشرك الأكبر الظاهر، ومن خفيه وهو الشرك الخفي كالرياء، أو كذلك خوف السر، أو نحو ذلك مما يغفل عنه كثير من الناس. فلذلك علموا الناس هذه العقيدة وهذا التوحيد بتفاصيله لا بإجماله. قال: كما تميزت بعنايتها بأصل أصيل وقاعدة راسخة في الشرع، ألا وهي سد الذرائع إلى الشرك وحماية جناب التوحيد. بمعنى أنها بينت الوسائل التي تفضي إلى الشرك، سواء كان الأكبر أو الأصغر، كمثل تجصيص القبور، بينت تحريم ذلك والأدلة على ذلك، أو السرج على القبور، أو كذلك إدخال القبور إلى المساجد، أو كذلك الإطراء والمدح الزائد، ولو كان في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا هذه الدعوة بينت ذلك واضحاً جلياً. فقد بوب الشيخ الإمام محمد عبد الوهاب بابين في كتاب التوحيد تتعلق بالتحذير من الذرائع التي تفضي إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى. قال: فأبدت فيها وأعادت، أي في هذه الذرائع، ووضحتها تمام الإيضاح. نعم، حتى من يذهب إلى تلك الزيارات لا لقصد دعائها أو الشرك عندها، وإنما من أجل تكثير سواد أهلها أو من أجل التجارة أو نحو ذلك، فهذه الدعوة بينت أن ذلك لا يجوز، لأنه من الإعانة على هذا المنكر العظيم، ألا وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى. وتجد ذلك مفصلاً في كتاب التوحيد وفي غيرها من كتب أئمة الدعوة. قال: ووضحتها تمام الإيضاح، وبينت ما يندرج تحتها مما ينبغي على المسلم اجتنابه من الذرائع القولية والفعلية، ليتحقق للعبد توحيده. قال: يضاف إلى ما سبق أن أئمة الدعوة كانوا يكثرون من التركيز على قاعدتين مهمتين ممهدتين لقبول التوحيد، يعني يركزون على هذين الأمرين وعلى هاتين القاعدتين، لأن من فهمها ومن عمل بهما سهل عليه قبول الحق وقبول التوحيد. ما هما هاتان القاعدتان؟ قال: الأولى: أن الرجال يعرفون بالحق، وليس أن الحق يعرف بالرجال. فكانوا يعلقون الناس بالحق، لا بأذواتهم، ولا بأشخاصهم، ولا بأشخاصهم، وإنما يقولون للناس: اعرفوا الحق من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا عرفت الحق عرفت أهله. إذا عرفت الحق عرفت أهله. فالرجال يعرفون بالحق. كون هذا الرجل هو من أهل الحق أو ليس من أهل الحق، كيف تميز؟ كيف تعرف؟ انظر إلى أعماله، انظر إلى أقواله، انظر إلى كذلك توحيده لله عز وجل، فإن كان ممن يعمل بالكتاب والسنة، وممن يوحد الله سبحانه وتعالى، وممن يستقيم على شرع الله عز وجل، فهذا هو الذي على الحق، كما قال سبحانه وتعالى في مؤمني آل ياسين: ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾. فمن كان مهتدياً بهدي الكتاب والسنة فهذا الذي على الحق. أما من لم يكن كذلك فهو ممن يشرك بالله، وممن يدعو غير الله، بل وممن يأكل أموال الناس بالباطل، أو ممن يستذل الناس ويعصبهم عليه، وهكذا يعلمهم على تقليده ونحو ذلك. فاعلم أن هذا الرجل على باطل وليس على الحق. فما كانوا يدعون إلى أنفسهم، ولا إلى تعظيمهم. علماء التوحيد وعلماء السنة ما كانوا يعلمون الناس أو يعلقون الناس بذواتهم وأشخاصهم، وإنما يعلقونهم بالحق، فيقولون لهم: اعرفوا الحق تعرفوا أهله. فيقولون لهم: الرجال يعرفون بالحق، وليس أن الحق يعرف بالرجال. فلا تقول: الحق ما عليه فلان، ليش؟ لأنه من قبيلة كذا، أو لأنه من ذوات الشرف والرفعة في المجتمع، أو نحو ذلك. هذا ليس دليلاً، وليس علامة على أن هذا الشخص على الحق. وإنما من تقيد بالكتاب والسنة وعمل بهما فهذا هو الذي على الحق. هذه القاعدة الأولى. القاعدة الثانية: إزالة شبهة الاستدلال بكثرة الناس على الحق. فكون الأكثر على قول أو على رأي لا يستلزم أن يكون هو الحق. إنما الحق يطلب من مضانه، من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويلتزم به، وإن كان الآخذ به قليلاً. الشيخ محمد عبد الوهاب كما تقدم في سيرته وجد في مجتمع الغالب في الناس الجهل والبعد عن توحيد الله سبحانه وتعالى. فلربما بعض الناس يحتج يقول: هؤلاء قلة قليلة، معه مجموعة من الطلاب، وغالب الناس على خلاف ما هم عليه، إذن الحق مع الكثرة. لا، هذا مفهوم خاطئ. بل هي حجة من عارض الرسل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. فالعبرة ليست بالكثرة. ليش يا فلان أنت ما تكون مع أهل الحق؟ قال: أنتم قليل، عامة الناس على خلاف ما أنتم عليه، إذن الحق مع أولاك. لا، هذه قاعدة خاطئة. بل قد جاء القرآن ببيان بطلانها، ببيان بطلانها، ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾. فأئمة الدعوة كانوا يقررون هذا الأمر في دروسهم ويبينونه للناس، حتى لا يغتر بعض العامة بما عليه الأكثرية، بما عليه الأكثرية. وهذا إلى زماننا هذا، تجد أهل الحق أهل السنة قلة بالمقارنة مع غيرهم من الطوائف ومن الفرق ومن أهل الجهل. فليس معنى هذا أن أهل السنة على باطل. فالعبرة بإصابة الحق، ليس بالكثرة أو القلة. فإن وجدت الكثرة مع إصابة الحق فهذا لشك أنه خير على خير. وإن لم توجد الكثرة، وإنما وجدت الإصابة، وإن كانوا قليلاً، وإن كانوا قليلاً، فهذا هو المطلوب، التمسك به والأخذ به. فكان أئمة الدعوة يغرسون هاتين القاعدتين في قلوب الناس. فلذلك قال: وبالقناعة، بالقناعة، يعني بالاقتناع بهاتين القاعدتين من قبل الناس، وبالقناعة بهاتين القاعدتين يسهل على النفس قبول التوحيد والتخلي عن ضده، ألا وهو الشرك. فلا يحتج محتج بكثرة ما عليه الناس. قال: إنها دعوة فريدة، أحسنت فهم الواقع وقرأت الحال، فعرفت الداء فشخصت الدواء. إذا عرف الداء عرف المرض، فيأتي الطبيب ويعطيك العلاج المناسب، فيشخص لك الدواء المناسب. وهكذا أئمة الدعوة السلفية يعتنون بهذا الباب، باب التوحيد، وبيان دقائقه وتفاصيل مسائله، وهكذا يدعون الناس إلى قبول الحق، وإلى أن يعرف الرجال بالحق، لا أن يعرف الحق بالرجال. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.