أحاديث قيام الليل 5

أحاديث قيام الليل 5

الدرس في أحاديث قيام الليل 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترك النبي للعمل خشية أن يُفرض على الأمة

يوضح المقطع كيف امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض السنن المستحبة كقيام الليل وصلاة الضحى مخافة أن يظن الناس وجوبها فيثقل عليهم. ويذكر مواقف السلف كمالك وأحمد وأبي بكر وعمر في ترك الأضحية وصيام ست من شوال للسبب نفسه.

صلاة الضحى: مشروعيتها وفضلها واختلاف العلماء

يتناول المقطع مشروعية صلاة الضحى وأدلة فضلها كحديث صلاة الأوابين وحديث المفاصل الـ360، مبيناً أن ركعتين تكفيان عن صدقة كل مفصل. وينقل خلاف العلماء في مواظبة النبي عليها ويروي صلاته ثماني ركعات في بيت أم هاني يوم الفتح.

أخلاق النبي في فتح مكة وتأثيرها في دخول الناس الإسلام

يسرد المقطع أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة حيث عفا عن قريش وأمن من دخل بيته، وعزل سعد بن عبادة لتهديده بالإبادة، مما دفع الناس لدخول الإسلام أفواجاً. ويذكر قصة عكرمة بن أبي جهل وصلاة النبي ثماني ركعات في بيت أم هاني التي اختلف فيها العلماء بين كونها صلاة الضحى أو صلاة الفتح.

خاتمة الحديث

يختتم المتحدث حديثه مكتفياً بما تم ذكره ومستعيناً بالله ومقراً بأن الله أعلم. ولا يضيف أي تفاصيل جديدة بعد هذه الخاتمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، قال: أخبرنا مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الأصبحي رحمه الله، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم». وما سبح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبحة الضحى، وإني لأسبحها. وهذا الحديث ذكره الإمام البخاري هنا في الحث على قيام الليل، لأجل الحديث الذي بعده، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قد يترك العمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. فكان النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك أنه ترك قيام الليل، ترك قيام الليل لأجل أن لا يفرض على هذه الأمة، أو ترك أقصد الاجتماع لقيام الليل، فخشية أن يفرض، أي أن يفرضه الله تعالى، أو أنهم يعملون به اعتقادا أنه مفروض. فلهذا امتنع النبي عليه الصلاة والسلام عن الخروج في الليلة الرابعة، كما سيأتي في الحديث. فلهذا فهو يدعو العمل حتى لا يفرض، أو حتى لا يعتقد فرضيته، حتى لا يعتقد فرضيته. ولهذا أخذ جماعة من أهل العلم، كمالك وأحمد وغيرهما، أنه قد يدع الإنسان العمل لأجل أن لا يحسبه الناس مفروضا. وهذا موجود عند السلف في مسائل كثيرة، فمن ذلك على سبيل المثال ما جاء في الأضحية، فكان أبو بكر لا يضحي، وكذلك عمر، وعللوا ذلك بأنه خشية أن يراها الناس فرضا، أو أن يعتقد الناس أنها فرض، فكانوا يتركون الأضحية لأجل أن لا يعتقد فرضيتها. وهكذا أشياء كثيرة جاءت عن السلف في هذا الصدد، أنهم يتركون بعض الأشياء لأجل أن لا يعتقد أنها فرض، أن لا يعتقد بأنها فرض، فلهذا يتركوها. ومن ذلك أيضا صيام الست، كان بعض السلف لا يصوم حتى لا يعتقد أنها فرض. وتجد الآن في بعض البلاد أنهم يصومون كأنها رمضان، بل بعضهم كأنه يعتقد أنها فرض وواجب عليه. فمثل هذا قد تترك سنة لأجل أن لا يعتقد هذا الاعتقاد. فقالت عائشة رضي الله عنها: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم». ثم ذكرت أيضا مثالا، قالت: «أما سبحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبحة الضحى». سبح، بمعنى: صلى النافلة، السبحة هي صلاة النافلة. فلم يصلي النبي صلى الله عليه وسلم الضحى قط. وإذن لو سبحها... لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يداوم على صلاة الضحى. لكن جاءت الأدلة القولية بالحث عليها، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صلاة الأوابين»، كما في الصحيحين، أو في صحيح مسلم: «حين ترمض الفصال». وأيضا قد أوصى بها جماعة من الصحابة، منهم أبو ذر وأبو هريرة وجماعة من الصحابة، أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الضحى. وبَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن ركعتين الضحى هي صدقة للجسد، إذا لم يستطع الإنسان يتصدق لجسده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد ثلاثمائة وستين مفصلاً، فيتصدق لكل...» قال: «تصدقك على كل سلامى، أن كل سلامى في الجسد يحتاج إلى صدقة». والسلامى: معنى المفصل. ثم ذكر أن في الجسد ثلاثمائة وستين مفصلاً، أن كل مفصل يحتاج إلى صدقة. قال: «ويجزئ عن ذلك». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما المرء في وقت، أو في الضحى، يجزئ عن هذه الصدقات للمفاصل، أنه يصلي ركعتين الضحى». واختلف العلماء: هل النبي عليه الصلاة والسلام صلاها، أو أنه لم يصلها؟ جاء في بعض الحديث أنه كان يصلي أربع ركعات في الضحى، لكن الصحيح أنه لم يثبت. وبعضهم أيضا ذكر ما جاء في صحيح البخاري في حديث أم هاني، لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام عندها في بيتها ثماني ركعات في الضحى. لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، دخلها في النهار ضُحى، ونزل عند أم هاني، وهي بنت عمه، بنت أبي طالب، أخت علي، وشقيقة علي بن أبي طالب. فقيل له: «ألا تنزل في دارك يا رسول الله؟» أو قال: «في بيتك؟» قال: «وهل ترك لنا عقيل من بيت أو رباع؟» إن عقيلاً باع ما كان ملكا لأبي طالب لبني هاشم، ومنها دار النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في الفتح لم يجد بيتا يدخل فيه إلا بنت عمه أم هاني، وهو قد تربى عندهم عليه الصلاة والسلام. فنزل في بيت بنت عمه، مع أنه أمير أو حاكم، بمعنى يستطيع أن يدخل أي بيت، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يراعِ هؤلاء، بمعنى لم يخوفهم، ولم أيضا يستولي على أموالهم، لم يستولي على أموال أهل مكة ولا غيرهم. ولهذا لما رأوا هذه السماحة العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دخل الناس في دين الله أفواجا. ففي فتح مكة دخل كثير من الناس من الرجال والنساء، دخلوا الإسلام عندما رأوا هذه الأخلاق العظيمة التي عاملهم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. ولهذا لما قال سعد بن عبادة، لما جعله النبي عليه الصلاة والسلام في ميمنة الجيش، قال: «اليوم سأبيد خضراء قريش، إنا سنبيدهم اليوم». فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه، أو أنه سمعه، فأرسل إليه فعزله، ووضع بدله ابنه قيس، قيس بن سعد بن عبادة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعاملهم، وجاء في السيرة أنه قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، لكنه لا يصح، لكن صحت الأدلة العامة على أن النبي صلى الله عليه وسلم سامحهم ولم يعاقبهم بشيء، بل قال: «من دخل بيته فهو آمن». فأمنهم عليه الصلاة والسلام في دخول بيوتهم، لأنهم... يعني يريد أن من اعترض فهذا الذي يُقتل. فهناك تجمع بعض الأوباش وبعض الناس من الحبشة وغيرهم مع عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، تجمعوا في أسفل مكة في كَداء، فالتقوا بجيش خالد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر خالدا أن يدخل من أسفل مكة، يدخل من كَداء، فالتقوا بجيش عكرمة، فحصل بينهم قتال، لكنهم لم يستطيعوا أن يقفوا أمام جيش أهل الإسلام، ففر عكرمة وخرج وذهب إلى البحر، ثم رجع بعد ذلك وأسلم. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام عاملهم بهذه المعاملة العظيمة، فلهذا دخل الناس دين الله جل وعلا. فهذا... فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما قلنا، نرجع إلى كلامنا: لما دخل مكة، صلى في الضحى، ونزل في بيت بنت عمه أم هاني، واغتسل في بيت أم هاني، ثم صلى ثماني ركعات. فمن العلماء من قال: إنها صلاة الضحى، ومن أهل العلم من قال: إنها صلاة الفتح، لأنه لم يُعرف عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي في الضحى ثماني، وإنما صلاها في فتح مكة. فمنهم من جعلها أنها شكر لله عز وجل بالفتح، ومنهم من جعلها أنها ضحى، والأمر سهل إن شاء الله تعالى. فإنما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام قد يترك العمل لأجل خشية أن يفرض على الناس، خشية أن يفرض على الناس، وإلا فهو يحب أن يعمل به، كما قالت رضي الله عنها. أيضا قالت رضي الله عنها في الحديث: «خشية أن لا يدع العمل وهو يحب أن يعمل به، وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم». طيب، هذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.