الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُفسر الشيخ سبب نزول آية ﴿كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا﴾ في قصة خباب بن الأرت الذي رفض الكفر مقابل دينه، فتوعده العاص بن وائل بالقضاء بعد البعث فنزلت الآية. ويُستدل بدخول كل مستهزئ بالآخرة في الوعيد، مع مثال لرئيس اشتراكي استهزأ بموقع الجنة والنار جهلاً بسعة الكون.
يبيّن المقطع أن الاستهزاء بآيات الله أو بيوم القيامة أو بأي شعيرة من شعائر الإسلام يُعد كفراً مخرجاً من الملة ويسمى «كفر الاستهزاء». ويستدل بقصة المنافقين في غزوة تبوك الذين سخروا من النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل فيهم قرآن صريح يكفرهم بعد إيمانهم الظاهري، ويؤكد أهل العلم كابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب أن هذا الكفر حقيقي ولا يعذر صاحبه بالجهل.
يوضح المقطع أن الكفر ليس مقتصراً على التكذيب فقط كما زعم بعض المرجئة، بل يشمل كفر الإعراض والاستهزاء والاستكبار، وهذه الأقسام لا ترجع كلها إلى التكذيب، مما يدل على تعدد أقسام الكفر عند علماء السنة.
يُعد كفر التكبر أول أنواع الكفر، حيث كفر إبليس ليس لإنكاره الحق بل لاستكباره ورفضه السجود لآدم محتجاً بأنه خُلق من نار بينما آدم من طين، فامتنع عن الانقياد لأمر الله وصار من الكافرين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا﴾. قال: حدثنا بشر بن خالد، هو العسكري، قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا الضحى يحدث عن مسروق، عن خباب، قال: كنت قينا في الجاهلية، قينا: معنى يعمل في الحديد، معنى حدادا. قال: كنت قينا في الجاهلية، وكان لي دين على العاص بن وائل، قال: فأتيته أتقاضاه، قال: فأتيته يتقاضاه، معنى: هنا حول الصيغة من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب، أن الذي أتى ويتقاضاه هو خباب نفسه. قال: فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقال خباب: لا، والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث. قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث، فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك. فنزلت هذه الآية: ﴿فرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا﴾. ثم قال: ﴿كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا﴾. أي: هذا الذي تجرأ واستهزأ وأراد أن يصخر بالبعث. ومن هذه الآية وغيرها من الآيات يتبين أن كل من يستهزئ بما يكون يوم القيامة فهو داخل في هذه الآية. أن بعض الناس استهزئ بالنار، واستهزئ بالجنة. فيه كان رجلا من الحزب الاشتراكي، كان رئيسا في بعض البلدان، فكان يقول - أخزاه الله -: إذا كانت الجنة أرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ وهذا لجهله، فهو أراد أن يصخر، فظن أن الجنة في السماوات، فالنار أين ستكون؟ وهذا كما قلنا لجهله بهذا، وإلا فالجنة أعظم من السماوات، والله عز وجل جعلها في أعلى السماوات، فل هذا فالنار لها أيضا مكانها. وكأن هذا الرجل يرى أن المكان محصور، ليس هناك أفق. الآن هؤلاء الذين يسمون بأصحاب الهيئة، الذين يتابعون الأقمار وغيرها ويتابعون الأفلاك، لعلهم أجمعوا على أن هناك مجرات كبيرة جدا، وإن كانت هذه نظرية ليست حقيقة، لكن هم يعلمون أن الكون واسع جدا، فهناك مجرات يقولون: هي أكبر من هذه المجرة التي فيها الأرض والكواكب، هنا مجرة أعظم من هذه، وقد يكون هذا - الله أعلم به - رأوا شيئا واسعا. وإلا فهذا ليس حقيقة، ليس حقيقة وإنما هي نظرية، لما رأوا من سعة الكون، فظنوا أو افترضوا أن تكون هناك مجرات أخرى غير هذه المجرة. فأولئك هم كفار، اعترفوا بسعة هذا الكون، لكن هذا لجهله، ولأنه تربى على البداوة، وعلى أيضا عدم العلم، وإنما أخذ إلى بلاد الكفر وبلاد الاشتراكية، فتعلم الاشتراكية، وأعمى الله قلبه عن الإسلام. فالمهم أن مثل هؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله عز وجل وبما يكون يوم القيامة، لهم نصيب منها هذه الآية. فمن أنكر البعث، أو استهزأ بشيء من يوم القيامة، من النار أو الجنة أو الحساب، أو غيرها من هذه الأشياء، فإنه له نصيب في هذه الآية. بعض الناس مثلا يقول: أنا يوم الحساب سأختبئ، كما قالها بعضهم، قال: يوم الحساب سأختبئ. وهذا أيضا استهزاء، وكأنه لا يعلم أن الناس تحت قبضة الله جل وعلا يوم الحساب. غير أن ربنا جل وعلا يجعل هؤلاء الناس كلهم على صعيد واحد، ليس في أرض بيضاء ليس فيها علم لأحد، أرض مبسوطة. فقال جل وعلا هنا لمن يستهزئ بيوم القيامة ويوم البعث: ﴿فرأيت الذي كفر بآياتنا﴾. فالاستهزاء يعتبر من الكفر. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله، ونقله أيضا عنه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وجماعة من أهل العلم، أن من أقسام الكفر: كفر الاستهزاء. أن من أقسام الكفر كفر الاستهزاء، الذي يستهزئ بشيء من دين الله جل وعلا. ولهذا لما استهزأ أهل النفاق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفرهم الله في غزوة تبوك، لما قال بعضهم - بعض هؤلاء المنافقين -: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، يريدون النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، قالوا: ما رأينا مثل قرائنا أجبن، أو قال: أشبع بطونا وأجبن عند اللقاء، أشبع بطونا وأجبن عند اللقاء. فأنزل الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. وهذا الكفر هنا كفر حقيقي، خارج من الملة، وإن كان لم يعرف. وهذا يدل على أنه ليس كل كفر يعرف، وإنما يعرف بالسياق والسباق. وإن كان الأصل أن الكفر المعرف يعتبر كفرا خارجا من الملة، والكفر غير المعرف ليس خارجا من ملة، لكن ليست هذه قاعدة طردية، وإنما هي أغلبية. فقال هنا ربنا جل وعلا: ﴿قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، وهو كفر حقيقي، كفر النفاق، كفر الاستهزاء. فلهذا فالاستهزاء يعتبر من الكفر. فهناك من أقسام الكفر: كفر الاستهزاء. لا كما قال بعض المرجئة، أنهم قالوا: أن الكفر هو التكذيب فقط، وهذه الأشياء كلها تؤول إلى التكذيب، أن الكفر يجعلونه واحدا، أي: المخرج من الملة كفر التكذيب. وهذا ليس صحيح، بل الكفر هناك كفر إعراض، كما ذكر أيضا الإمام ابن القيم، وكفر الإعراض ليس فيه تكذيب، لأنه يعرض عن دين الله جل وعلا بالكلية، لا يتعلمه ولا يسأل عنه، فهذا يعتبر كفر إعراض، وإن لم يكذب. معناه: هو يعرف، بل قد يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه معرض عن هذه الأمور، ومنشغل مثلا بشيء آخر من أمور الدنيا، إما بتجارة، وإما بلعب، وإما بغناء، أو بغيرها من هذه الأشياء، فتجده لا يبالي: صلى أم لم يصل، أو ذكر الله أو لم يذكر الله، فتجده معرضا عن دين الله بالكلية. فمثل هذا يكفر، وكفره كفر إعراض، وليس تكذيبا. فلهذا فليست هذه المقالة صحيحة، أن أصل الكفر التكذيب. لكن أغلب الكفر هو التكذيب والإنكار والجحود، هذا أغلبه، لكن هناك كفر غير هذا الكفر: كفر الاستهزاء. وقد يرجع هذا كفر الاستهزاء للتكذيب، وقد يكون لعدم التكذيب. فإني أحيانا الإنسان يستهزي، ليس لأجل أنه يكفر ويكذب هذه الأمور، لا، وإنما يريد أن يضحك الناس، يستهزي لأجل أن يضحك الناس، يأتي بكلام مثلا لأجل أن يضحك منه، أو لأجل أن يستغرب من كلامه، أو غيرها من هذه الأفعال التي يفعلها بعض هؤلاء الذين قل دينهم، أو أن عدم. فلهذا فالاستهزاء، وكفر الاستهزاء، ليس له علاقة، أو ليس هو كفر التكذيب، بل قد يكون كفرا للتكذيب والإنكار، وقد يكون ليس كذلك. وهذا يدل على ما انتهجه علماء السنة من صحة هذا الانتهاج، وقالوا: أن الكفر ليس قسما واحدا، وإنما هو أقسام. وهؤلاء لما رأوا أن الأئمة يقسمون الكفر، قالوا: نحن نقصد أن أصل الكفر التكذيب، وأن هذه الأقسام الخمسة من الكفر ترجع إلى كفر التكذيب. وهذا أيضا ليس صحيح، وأيضا هذا التعليل، كما يقول الفقهاء، تعليل سقيم. هذا التعليل الذي عللوا به أيضا سقيم، لا ينبغي أن يعلل به لأنه خطأ. فالمهم أن الكفر الذي يقع فيه الإنسان قد يكون من ناحية التكذيب، وقد يكون من ناحية الاستهزاء، وقد يكون من ناحية الاستكبار أحيانا. أيضا كفر التكبر، الذي كفر به أول كافر، وهو إبليس، عليه لعنة الله، فإنه أيضا كفر بكفر الاستكبار، لم يكن يكذب بما كان عند الله عز وجل، لا بالجنة ولا بالنار ولا بشيء من هذه الأمور، لكن استكبر، أبى واستكبر، وكان من الكافرين، لم ينقد لله عز وجل، منعه الكبر، قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾. طيب، إن شاء الله.