كتاب التفسير من صحيح البخاري 56

كتاب التفسير من صحيح البخاري 56

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول الآية: تأخر جبريل عن النبي ﷺ

يسأل النبي ﷺ جبريل عن سبب قلة زياراته، فتنزل الآية الكريمة مبينة أن الملائكة لا تنزل إلا بأمر الله تعالى. يدل ذلك على شدة حرص النبي على الوحي وحزنه عند تأخر نزوله في بداية الدعوة.

طاعة الملائكة وامتناعهم عن دخول البيت الذي فيه كلب أو صورة

يتأخر جبريل عن النبي ﷺ بسبب وجود جرو في بيته، ويبين أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة طاعة لأمر الله. يستدل المقطع بذلك على طاعة الملائكة المطلقة، ويذكر خلاف العلماء في شأن هاروت وماروت.

هوية هاروت وماروت ونزولهما ببابل وتعليم السحر

يناقش المقطع اختلاف العلماء في كون هاروت وماروت ملائكة أم ملكين أرضيين، ويرجح أنهما من ملوك بابل حيث نزل عليهما السحر. يؤكد أن نزول الملائكة يتم بأمر الله فقط لا باختيارهم الذاتي.

سبب نزول الآية: سؤال قريش عن أصحاب الكهف

تسأل قريش النبي ﷺ عن أصحاب الكهف فينتظر الوحي خمس عشرة ليلة، ثم يأتيه جبريل فيقول له النبي: «أبطأت عليّ»، فتنزل الآية مبينة أن الملائكة لا تنزل إلا بأمر الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال البخاري رحمه الله تعالى: باب: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾. قال: حدثنا ابن عيينة، وهو الفضل بن بكين، قال: حدثنا عمر بن دراج، وهو الكوفي، قال: سمعت أبي، وهو دراج بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن جبير، أبي محمد الكوفي، رحمه الله الأسدي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ﴾. فهذا الحديث في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾، أي: الملائكة. أوحى الله عز وجل إلى جبريل أن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: إننا لا ننزل إلا بأمر الله. وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفرح بالوحي إذا جاء ويسر به، فلهذا طلب مزيداً من الزيارات. ولهذا لما أبطأ عليه في بعض الليالي وبعض الأيام في بداية الدعوة، وجد النبي صلى الله عليه وسلم غماً من إبطائه. وأيضاً لما كان قد دخل جرو في بيت النبي عليه الصلاة والسلام كلباً صغيراً، أبطأ عنه جبريل، فتضايق النبي صلى الله عليه وسلم من إبطاء جبريل عليه، حتى وجد ذلك الكلب، فقال له جبريل: «إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة». فهذا أيضاً فيه أن الملائكة -كما قال الله عز وجل في وصفهم في قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾- فالملائكة طائعة لربها جل وعلا. لهذا لما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم، قالت الملائكة -معنا في كلامهم مع ربهم سبحانه وتعالى-: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾، قال: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فالملائكة تقول لله عز وجل: لماذا ستخلق في الأرض خليفة وهذا الخليفة سيأتي ويعصيك؟ فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فالملائكة من صفاتهم أنهم طائعون لله، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولهذا حصل الخلاف بين أهل العلم في مسألة هاروت وماروت: هل هم من ملائكة السماء أم أنهم ملكان من ملوك الأرض؟ فبعضهم جعلهم من ملوك الأرض وليس من ملوك السماء، ومنهم من ذكر القصة تلك التي معنا: أن هاروت وماروت كانا ملائكة من ملائكة السماء، ثم إنهما قالا: لماذا يعصي بنو آدم الله؟ لو خرجنا إلى الأرض لما عصينا الله. فابتلاهما الله عز وجل بخروجهما إلى الأرض، وهي قصة من قصص الإسرائيليات. والظاهر -كما رجح كثير من العلماء وهو الظاهر، قول الحافظ ابن كثير- أنهم ليسوا من ملوك السماء، وإنما هم من ملوك بابل التي كان قد انتشر فيها السحر. ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾، فالملكان: فإما أنهم من الملائكة، وإما أنهم ملكان من ملوك الأرض. وبين الله عز وجل أنهما نزل بهما هذا البلاء ببابل، قال: ﴿ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾، فتعلموا السحر وعلموا الناس، أو علموا الناس السحر. طيب، قوله هنا جل وعلا: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾، فنزولهم بأمر الله جل وعلا، ليس بأمرهم، وليس أيضاً لهم إذن بالنزول. لهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال الله عز وجل لجبريل: قل له: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾. فأيضاً جاء في سبب نزول هذه الآية سبب آخر، ذكره ابن إسحاق: أن قريشاً لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف، مكث النبي عليه الصلاة والسلام خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، حتى بعد خمس عشرة ليلة جاءه جبريل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أبطأت عليّ»، فنزل قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾. فهذا ما يذكره الله تعالى.