أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 12

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 12

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دليل اشتراط العلم في شهادة التوحيد من الكتاب والسنة

يستعرض المقطع أدلة اشتراط العلم كأول شروط "لا إله إلا الله"، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وقوله: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، مبيناً أن العلم القولي القلبي ضروري للعمل بمقتضى الشهادة لا مجرد النطق باللسان.

شروط لا إله إلا الله: العلم والعمل وجمع الأدلة

يبيّن المقطع أن انحراف الناس عن المعنى الصحيح لـ "لا إله إلا الله" أوقعهم في الشرك، ويستدل بآيات وأحاديث على أن العلم بمعنى الكلمة والعمل بها شرط لصحتها، لا مجرد النطق بلفظها، وينتقد منهج الفرق الضالة في الأخذ بجزء من الأدلة، مؤكداً أن منهج أهل السنة يقوم على جمع جميع الأدلة بمنظور شامل.

منهج أهل السنة في جمع الأدلة ورد شبه الصوفية

يوضح المقطع أن أهل السنة يجمعون بين جميع الأدلة الشرعية ولا يكتفون بظواهر النصوص، بينما يأخذ الصوفية بما يوافق مذهبهم فقط؛ فيحتجون بحديث «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» ليدّعوا نجاة من ينطق بالشهادة وإن عبد القبور، فيرد عليهم أهل السنة بضرورة العلم بمعنى الكلمة وتحقيق مقتضاها من إخلاص العبادة لله، مستدلين بحديث «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة»، ومبينين أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية ولم ينفعهم ذلك دون تحقيق التوحيد الصحيح.

تعجب المشركين من دعوة توحيد الإله

يعرض المقطع آية من سورة ص تُظهر استغراب المشركين من دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتوحيد الله وجعل الآلهة إلهاً واحداً، ويختتم المؤلف بالاكتفاء بهذا الاستدلال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فالسؤال العشرون: ما دليل اشتراط العلم من الكتاب والسنة؟ بعدما أجمل المؤلف رحمه الله تعالى ذكر شروط "لا إله إلا الله"، بدأ في الكلام على أدلتها ومعانيها بالتفصيل واحداً تلو الآخر. فبدأ بأولها وهو العلم. فإذا سأل سائل وقال: أنتم يا أهل السنة جعلتم لـ "لا إله إلا الله" شروطاً، وقيدتموها بهذه السبعة، فما دليلكم على ذلك؟ فيقال لهم: اسمعوا، كل واحد من هذه الشروط السبعة له أدلته من الكتاب والسنة. فمن شبه عباد القبور أنهم يقولون: أنتم تقعدون وتقسمون، ولم يرد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، مثلاً كهذه الشروط وأنواع التوحيد الثلاثة ونحو ذلك. فيقال لهم: هذا من باب تقريب العلم، وهذا من باب كذلك تسهيل العلم لطلابه ولمحبيه. وأهل السنة لا يذكرون قسماً أو شرطاً أو ركناً أو واجباً أو مستحباً إلا بدليله من الكتاب والسنة. فبدأ المؤلف هنا يبين أدلته على هذه الشروط السبعة، ابتداءً من الشرط الأول وهو العلم. قال: ما دليل اشتراط العلم من الكتاب والسنة؟ قال: قول الله تعالى: ﴿ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 86]. فقوله "بالحق": كثير من المفسرين ذهبوا إلى أن الحق المراد به في هذه الآية هي "لا إله إلا الله"، أو هو "لا إله إلا الله". ﴿ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: إلا من شهد بـ "لا إله إلا الله"، فهي كلمة الحق: "لا إله إلا الله". فلذلك قال المؤلف هنا: ﴿ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بلا إله إلا الله. ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾: اختتمت الآية بذكر ماذا؟ بذكر العلم: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾، أي يعلمون بقلوبهم، يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم. وكما تقدم معنا أن "لا إله إلا الله" ليست كلمة تقال باللسان فقط، وإنما كلمة تقال باللسان ولها مقتضيات، ولها شروط ينبغي للمسلم أن يعمل بها، أن يعمل بها. فهذه الآية ظاهرة في أن العلم بـ "لا إله إلا الله" من شروط هذه الكلمة. ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين شهدوا بالحق وهم يعلمون، هم أهل السعادة وأهل التوفيق وأهل التوحيد، هؤلاء هم الذين تنطبق عليهم هذه الصفات. فهذا دليل ظاهر في اشتراط العلم بمعنى "لا إله إلا الله". وتقدم معنا أيضاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19]. "فاعلم": أمر، أمر بتعلم معنى هذه الكلمة. وهذا أمر كما دل عليه الشرع، كذلك تدل عليه البديهية: أمر بديهي أنك إذا أمرت بشيء لا بد أن تعرف معناه، أن تعرف معناه وأن تقوم بحقه وأن تعمل بمقتضاه، وإلا فكيف ستعمل به وأنت تجهله؟ فمن جهل شيئاً عاده، من جهل شيئاً عاده. وهذا هو الواقع: لما انحرف كثير من الناس عن المعنى الصحيح لـ "لا إله إلا الله" وقعوا في الشرك، ووقعوا في منافي ونقضهم لهذه الكلمة العظيمة وهي "لا إله إلا الله". فإذا لا بد من العلم. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ [هود: 14]. ومعنى الآية: اعلموا أن هذا القرآن أنزل بعلم الله، فهو من الله، أنزله الله عز وجل على أنبيائه ورسله، واعلموا أيضاً أنه لا إله إلا هو. والعلم بـ "لا إله إلا الله" ليس العلم بمجرد لفظها وقولها، وإنما كذلك يشمل العلم بمعناها، العلم بمعناها، وكذلك العمل بمقتضاها، العمل بمقتضاها. فهذه الآية أيضاً استدل بها العلماء على وجوب العلم بمعنى هذه الكلمة وهي "لا إله إلا الله". نعم، كما في هذه الآيات الثلاث. إذن معنى ثلاث آيات تأمر بالعلم بهذه الكلمة: ﴿ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾، ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾. فهذه ثلاث أدلة تدل على اشتراط العلم في "لا إله إلا الله". وأما الأحاديث، فذكر منها هنا حديث عثمان عند مسلم. قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة». «من مات وهو يعلم»؛ ما قال: «من مات وهو يقول فقط». ولذلك أهل السنة والجماعة يجمعون بين الأدلة فيجعلونها كالدليل الواحد. فلا يأتي آت مثلاً ويقول: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله» خلاص يدخل الجنة، ولو لم ينطق بها. هل هذا صحيح؟ ها؟ إنسان يعلم أن معنى "لا إله إلا الله": لا معبود بحق إلا الله، وأن كل ما عبد من دون الله فقد عبد بباطل. علم بهذا، عرف المعنى الصحيح لهذه الكلمة، لكن قال له: قل "لا إله إلا الله"، قال: أنا ما سأنطق بها، لكن عندي علم، فسأدخل الجنة. هل قوله هذا صحيح؟ ها؟ قوله هذا غير صحيح، قوله هذا غير صحيح. لماذا؟ لأن في بعض الأحاديث جاء ذكر القول: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، وبعض الأحاديث جاء فيها ذكر العلم، وبعض الأحاديث جاء فيها ذكر اليقين، وبعض الأحاديث جاء فيها ذكر الإخلاص. فأهل السنة يجمعون بين جميع هذه الأدلة، ولا ينظرون للأدلة بعين عوراء، لا ينظرون إلى الأدلة من طرف واحد، بل ينظرون إلى الأدلة من جميع أطرافها، من جميع جوانبها. بخلاف أهل البدع: لماذا ضل المعتزلة والأشاعرة والصوفية؟ لأنهم يأخذون بطرف واحد من الأدلة، ينظرون إلى الأدلة بعين عوراء، فيأخذ مثلاً الخوارج بآيات الوعيد، ويأخذ المرجئة بآيات الوعيد، وكل منهما يغفل عن الأدلة الأخرى التي هي ضد معتقده. وهذا هو الضلال، وهذا هو الأخذ بالمتشابه. فإذا أهل السنة يجمعون بين الأدلة، يجمعون بين الأدلة، ولا ينظرون إلى الأدلة بنظر قاصر، بل يأخذون جميع الأدلة فيجعلونها كالدليل الواحد، يجعلونها كالدليل الواحد. وكذلك الصوفية: الصوفية مثلاً يأخذون بالأدلة التي يذكر فيها ما يؤيد مذهبهم، ما يؤيد مذهبهم. مثلاً يقولون: نحن نقول "لا إله إلا الله"، لماذا أنتم تقولون أن هؤلاء عباد قبور، أو أن هؤلاء كفار مشركون يعبدون القبور ويستغيثون بهم؟ نحن نقول "لا إله إلا الله"، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». هذه من شبههم. فيقال: نعم، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أين أنتم من الأدلة الأخرى؟ أين أنتم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم»؟ هل علمتم معنى "لا إله إلا الله"؟ نعم تقولونها بألسنتكم، هل من العلم بمعنى "لا إله إلا الله" أن تذبحوا لغير الله، أو أن تستغيثوا بغير الله، أو أن تنذروا لغير الله؟ هل هذا من المعنى الصحيح لـ "لا إله إلا الله" التي تقولونها بألسنتكم؟ الجواب: لا. لكن أهل السنة يقولون: نعم نحن نقول "لا إله إلا الله"، ولا بد أن نعلم معناها، ولا بد أن نخلص فيها، ولا بد أن نوقن بها، ولا بد أن نعمل بجميع الأدلة التي وردت في وجوب العمل بهذه الكلمة. فإذن قوله عليه الصلاة والسلام: «من مات وهو يعلم»؛ ما قال: «من مات وهو يقول فقط». فلا بد أن نجمع بين القول وكذلك بين العمل. «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة»: بمعنى حقق المعنى الصحيح لهذه الكلمة. ولا شك أن الناس يتفاوتون في القيام بحق هذه الكلمة بحسب قيامهم وتحقيقهم لهذه الشروط. فمن كان بها أعلم كان لها محققاً ومؤدياً لما تقتضيه منه، ومن كان عالماً لكن علمه قاصر بمعناها وبما تدل عليه، فإنه كذلك ينال من تحقيقها بقدر هذا العلم، بقدر هذا العلم. نعم، فإذن لا بد في هذه الكلمة من العلم بمعناها. وقد تقدم أنه من الأخطاء الفادحة أن يعتقد بعض الناس أن معنى "لا إله إلا الله": لا خالق إلا الله، أو لا رب إلا الله، أو لا حاكم إلا الله، أو لا مستغنى عنه إلا الله، وما سواه لا يدعى، أو لا يستغنى، أو لا يعني يرجع إليها، ونحو ذلك. لا، ليس هذا المعنى الصحيح كما يزعم بعض هؤلاء. فمن قال أن معناها "لا خالق إلا الله"، فهذا هو اعتقاد المشركين الأوائل: كانوا يقرون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [لقمان: 25، الزمر: 38، الزخرف: 87]. نعم، ومع هذا هل نفعهم هذا الاعتقاد؟ لم ينفعهم. فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وعاداهم، لماذا؟ لأنهم لم يحققوا المعنى الصحيح لكلمة التوحيد "لا إله إلا الله". فلما دعاهم إليها ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5]. فهذا ما يذكر تحت هذا الشرط، وبه نكتفي. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.