المسائل الفقهية من قول خير البرية 11

المسائل الفقهية من قول خير البرية 11

أحكام الحائض والنفساء في الصلاة والصيام وقضاء الصوم

أجمع العلماء على سقوط وجوب الصلاة والصيام عن الحائض والنفساء مع وجوب قضاء الصيام دون الصلاة، مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها. ويرد الشيخ على مخالفة الخوارج لهذا الإجماع لجهلهم بالسنة النبوية.

تفصيل أحكام صيام الحائض وطهرها نهاراً والإمساك

يبين المقطع بطلان صيام من تحيض قبل الغروب وصحة صيام من تطهر قبل الفجر، مع تفصيل خلاف العلماء في وجوب الإمساك بقية اليوم إذا طهرت الحائض نهاراً في رمضان. ويستند الشرح إلى حديث عائشة وإجماع العلماء على التيسير.

حكم الإمساك لزوال العذر في نهار رمضان وأحكام المستحاضة

يناقش المقطع خلاف الفقهاء في وجوب الإمساك على من زال عذره نهاراً كالمسافر والحائض، مرجحاً قول ابن تيمية بعد الوجوب والاستحباب إلا لدفع التهمة. كما يوضح جواز استعمال الموانع لقطع دم الاستحاضة للصيام بشرط السلامة.

وجوب النفير للتفقه في الدين ونشر العلم الشرعي

تؤكد الآية الكريمة وجوب خروج طائفة من كل جماعة لطلب العلم والتفقه في الدين ثم الإنذار والتحذير. ويشير النص إلى درس الشيخ أبي همام عبد الله باسعد في المسائل الفقهية المستنبطة من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهذه حلقة جديدة من حلقات المسائل الفقهية في قول خير البرية عليه الصلاة والسلام. فنقول: أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فهذا أيضا نذكر حديثا من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونأخذ بعض مسائله. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، فنأخذ إسناد الإمام مسلم رحمه الله. فقال رحمه الله في صحيحه: «وحدثنا عبد بن حميد» وهو أبو محمد الكشي، قال: «أخبرنا عبد الرزاق» وهو ابن همام الصنعاني أبو بكر، حافظ من حفاظ أهل اليمن، قال: «أخبرنا معمر» وهو ابن راشد، أبو عروة، اليماني، سكن اليمن، ويعد في الحفاظ، قال: «عن عاصم» وهو ابن سليمان الأحول، قاضي البصرة، «عن معاذة» وهي بنت عبدالله العدوية، وهي بصرية فقيهة، وهي زوجة صلة بن أشيم رضي الله عنه، قالت: «سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» فقالت: «أحرورية أنتِ؟» قلت: «لست بحرورية، ولكني أسأل». قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». فهذا الحديث - عباد الله - فيه أحكام كثيرة. ومن ذلك: أجمع أهل الإسلام على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، ولم يخالف في هذا إلا الخوارج، الذين كانوا كما قالت عائشة: «أحرورية أنتِ؟» أي: هل أنت من أهل حروراء؟ ولأن هذه القرية كانت قرب الكوفة، وهي أول قرية اجتمع فيها هؤلاء الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه، فسموا حرورية. فلذلك كانوا يأخذون بالقرآن ولا يأخذون بالحديث، فأوجبوا جهلا منهم الصلاة على الحائض. وهذا من جهلهم، لأنه من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا نرى أن الخوارج جهلة بدين الله جل وعلا، ويفهمون دين الله بأفهامهم، فلذلك تجدهم يقتلون أهل الإسلام، ويقتلون جنود المسلمين بسبب جهلهم بدين الله جل وعلا. ولو أنهم رجعوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي الخوارج الذين كانوا في ذلك الزمان - وكذلك هؤلاء الخوارج الذين في زمننا، لو رجعوا إلى العلماء، علماء السنة، الذين قد وثقت بهم الأمة في فتاواهم وفي علمهم، لأبانوا لهم الحق. لكن هؤلاء ما أرادوا ذلك، إنما أرادوا الهوى، وأرادوا ما فهموه بأنفسهم، وهم ليسوا من أهل العلم، ولا من أنصاف أهل العلم. فهنا عائشة رضي الله عنها قالت: «أحرورية أنتِ؟» قالت: «لا، ولكني أسأل». فأجابتها عائشة رضي الله عنها بما يوجب التسليم، فقالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». فلهذا الحائض والنفساء لا يصح الصيام منهما، بل يحرم عليهما أن تصوما. فإذا بلغت أو حاضت المرأة أو البنت، فإنه لا يجوز لها أن تصوم، بل يحرم عليها وتأثم إذا صامت. ومعنى أن تصوم في وقت الحيض أو النفاس، وكذلك تحرم عليهما الصلاة. وقد جاء في صحيح البخاري في حديث أبي سعيد، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نقصان دين المرأة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» فلكن هنا ذكر المؤلف رحمه الله هذا الحديث عن عائشة، أن معاذة سألتها: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» فقالت عائشة رضي الله عنها: «أحرورية أنتِ؟» يعني: هل أنت من خوارج حروراء الذين يلزمون الحائض بقضاء الصلاة؟ فقالت: «لست بحرورية، ولكني أسأل». فأنها رأت أن هذا ركن من أركان الإسلام، وهذا ركن، فكيف تقضي هذا الركن ولا تقضي ذاك الركن؟ فاستشكلت هذا الأمر، فأجابتها عائشة رضي الله عنها بما يوجب التسليم، فقالت: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». والحديث كما ذكرنا مخرج في الصحيحين. قولها: «نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» ليس لأحد كلام، وليس لأحد اجتهاد، وليس لأحد قياس في مقابل النص. وقد أجمع العلماء على ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من وجوب قضاء الصوم دون الصلاة، وهذا برحمة الله سبحانه وتعالى وتيسيره على الناس، لأن الصلاة تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، ففي قضائها مشقة دون الصيام، فالصوم يجب في السنة مرة واحدة وهو صوم رمضان، فلا مشقة في قضائه. وهنا أيضا نقول: توضيحا لهذه المسائل: إذا طهرت الحائض قبل طلوع الفجر، فإنها تصوم وصومها صحيح، ولو لم تغتسل. فإذا طهرت قبل طلوع الفجر، إذا تيقنت الطهر قبل طلوع الفجر، ولو لم تغتسل إلا بعد أن طلع الفجر، فإن صيامها صحيح، كالجنب يصبح جنبا فيصوم، ولو لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر. فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث أم سلمة وعائشة: أنه يدرك الفجر وهو جنب، فيصوم ويغتسل بعد طلوع الفجر. فإذا حاضت المرأة بعد غروب الشمس، فإن صيامها صحيح. لو حست مثلا بأعراض الحيض قبل غروب الشمس، ولم ينزل الدم إلا بعد غروب الشمس، فصيامها صحيح، ولو حست بهذه الأعراض من الأوجاع التي تصحبه قبل غروب الشمس، لأن العبرة بخروج الدم، وليست العبرة بالإحساس. إذا طهرت في أثناء النهار، وجب عليها الإمساك. أو إذا طهرت قبل غروب الشمس - أقصد: إذا طهرت بعد غروب الشمس - فإن صيامها صحيح. إذا حاضت قبل غروب الشمس، فإن صيامها باطل. إذا تيقنت أن الحيض جاءها بعد غروب الشمس، فصيامها صحيح. وهنا ذكر هذه المسألة: إذا طهرت في أثناء النهار. نأخذ هذه المسألة من هذا الحديث: إذا طهرت المرأة في أثناء النهار، فهنا لا شك أنه يجب عليها القضاء، ولا خلاف في ذلك، يجب عليها أن تقضي ذلك اليوم. إذا جاءها الحيض أو جاءها الطهر - مثلاً لو صامت ثم جاءها الحيض قبل غروب الشمس، ولو بلحظات، فهنا يكون ذلك اليوم صيامه غير صحيح، وتقضيه. تقضي ذلك اليوم أيضا. كذلك لو كانت حائضا ثم طهرت بعد طلوع الفجر، طهرت بعد طلوع الفجر، فهنا أيضا هذا اليوم غير صحيح، وتقضيه. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. لكن الخلاف: هل تمسك إذا طهرت مثلاً في النهار؟ هل تمسك بقية اليوم؟ فهنا حصل الخلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إنها تمسك، لأن هذا الأصل، وقد زال عنها العذر. كذلك أيضا يدخل في هذه المسألة المسافر في أثناء النهار في رمضان، إذا رجع من سفره، فهل يمسك أو لا يمسك؟ وكذلك المريض الذي شفي في نهار رمضان، كان مريضا له عذر، فشفي في نهار رمضان، وغيرهم ممن لهم أعذار بالفطر، ثم ذهب ذلك العذر في نهار رمضان. لا شك أنهم يقضون، لكن هل يجب عليهم أن يمسكوا بقية يومهم؟ أن يمسكوا بقية اليوم إلى الغروب؟ فذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أنهم لا بد أن يمسكوا، يجب عليهم أن يمسكوا، واستدلوا كما قلنا بهذا، بما ذكرناه من أن هذا الأصل، وأنه يجب عليهم أن يمسكوا لأنهم أدركوا هذا النهار، فيعتبرون من الذين شهدوا الشهر، وقد ذهب وزال العذر. وذهب جماعة من العلماء في الشافعية وغيرهم إلى أنه لا يجب عليهم الإمساك، لا يجب عليهم الإمساك. مثلاً: امرأة طهرت في نهار رمضان، هل يجب عليها أن تمسك بقية النهار؟ أو مسافر جاء إلى بلده في نهار رمضان؟ أو مريض شفي من المرض في نهار رمضان؟ هل يجب عليهم أن يمسكوا؟ فهذه المسألة كما قلنا: قال الشافعية: يستحب لهم الإمساك، لكن لو أكلوا فلا شيء عليهم. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. لكن قولهم بالاستحباب هنا لا دليل عليه. وقد قال بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: إنه لا يجب ولا يستحب، لا يجب ولا يستحب. لكن قولهم بالاستحباب من باب عدم حرمة الشهر، وخاصة إذا كان عنده ناس، حتى لا يتهم، حتى لا يتهم بالفطر. فلذلك: إذا كان عنده ناس، لا ينبغي له أن يأكل حتى لا يتهم. وأما إذا كان في بيته، وعند من يعرفه، كما لو أن المرأة الحائض يعرفها أهلها أنها حائض، وطهرت مثلا، أو غير ذلك، فلها أن تأكل، لأن هذا لا يجب عليها. فالصحيح: أنه لا يجب الإمساك، ولكن يستحب عند التهمة. فهذا بالنسبة للحائض والنفساء إذا طهرت. أما بالنسبة للمستحاضة، وهي التي يكون معها دم لا يصلح أن يكون حيضا ولا نفاسا، دم أحمر، فحكمها حكم الطاهرات: تصوم وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة، في أصحاب الحدث الدائم من بول أو ريح أو غيرهما. لكن عليها أن تتحفظ من الدم بقطن ونحوه. وإذا استعملت المرأة ما يقطع الدم من حبوب أو إبر، فقطع الدم بذلك - إن بعض النساء تستعمل الحبوب أو الإبر لقطع الدم حتى تصوم شهر رمضان كاملا - فهنا تكون في حكم الطاهرات، وأمرها جائز كما قال العلماء، لأن الحكم هنا معلق برؤية الدم، فبمعنى وجوده أو بنزوله، فإذا لم ينزل ارتفع الحكم، فتكون حينئذ في حكم الطاهرات: صلاتها صحيحة، وكذلك صومها صحيح. ولا مانع من استعمال ما يمنع العادة من أجل متابعة الصيام والقيام مع الناس، لأنه أنشط لها، شريطة أن تسلم من الضرر. إن اشترط أن تسلم من الضرر. أما إذا أدى ذلك إلى ضرر في بدنها، فإنه لا يجوز، لأنها استعملت ما يضرها. مع أن تسليمها لحكم الله سبحانه وتعالى، وعدم استعمال هذه الموانع، أولى، حتى لو لم تتضرر، فإنها ترضى وتسلم بحكم الله. فإذا طهرت صلت وصامت، وإذا حاضت أمسكت. وهذا أولى بها. فهذه بعض المسائل التي تذكر في هذا الحديث، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر.