أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 34

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 34

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية معرفة الشرك الأكبر وخطورته

الشرك الأكبر هو أعظم الذنوب لأنه استهانة بحق الربوبية ومعاندة لأمر الله بعبادته وحده. كما أنه يعد أعظم الظلم بوضع المخلوق نداً للخالق وسوء ظن بالله الذي أورث المشركين الضلال والنار.

أوجه خطورة الشرك وسوء الظن بالله

يستعرض المقطع أربعة أوجه تبين خطورة الشرك منها سوء الظن بالله بطلب الشفاعة من غيره وعقوبة الشرك التي لا تُغفر وتخلد في النار. وينقل تعريف المؤلف للشرك بأنه اتخاذ ندٍّ لله يساويه في المحبة والخوف والرجاء والطاعة.

تقسيم الشرك إلى الاعتقادي والقولي والفعلي

الشرك هو التسوية بين الله وغيره وينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرك الاعتقاد كالمحبة والخوف من غير الله، وشرك القول كالدعاء والاستغاثة بغير الله، وشرك الفعل كالسجود والذبح لغير الله. يؤكد المقطع أن الشرك يتحقق بالقول والفعل أيضاً ولا يقتصر على اعتقاد القلب فقط.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال السادس والأربعون: ما هو الشرك الأكبر؟ وهذا السؤال من أهم الأسئلة ومن أعظمها، ومما يجب على المسلمين معرفتها؛ فإن الشرك الأكبر هو الذي ينقض أصل الإيمان، فهو أعظم الأمور وأفدحها وأخطرها على الإطلاق؛ لأنه أعظم الذنوب، فهو غاية الانتقاص والاستهانة بحق الربوبية والألوهية. فإن المشرك ما صرف خالص حق الله لغيره إلا وهو يستهين بجناب الله المعظم، ولو أنه عظم الله سبحانه وتعالى حق التعظيم ما أشرك بالله. أرأيتم لو أن إنساناً أحسن إلى خادم أو إلى عبد، فعمل هذا العبد لهذا السيد، ثم بعد ذلك أعطى غلته والمال الذي اكتسبه لغير سيده، أعطاه أناساً آخرين، أليس في ذلك إهانة واستنقاص لسيده؟ فهو الذي يطعمه، وهو الذي كذلك يسقيه ويقوم بشؤونه، ثم بعد ذلك يعمل لغيره، غاية في الاستنقاص والاستهانة. وكذلك الشرك من أعظم المعاندة لله رب العالمين؛ فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، قال ابن عباس: إلا ليوحدون. فيأتي هذا العبد الذي أراد منه ربه أن يعبده فيعبد غيره، أليس في ذلك معاندة لله سبحانه وتعالى؟ فإذن الأمر الأول مما يدل على عظم الوقوع في الشرك: أنه استنقاص واستهانة. الأمر الثاني: أنه معاندة لله سبحانه وتعالى. الأمر الثالث: أن الشرك أعظم الظلم، لأن معنى الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فأي ظلم أعظم من أن يجعل المخلوق، أو أن يجعل المخلوق الضعيف من كل وجه نداً وعدلاً للغني العظيم من كل وجه سبحانه وتعالى؟ فأي ظلم كهذا؟ أي ظلم كهذا؟ وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. الأمر الرابع مما يدلون على خطورة الشرك: أن هذا الشرك يتضمن سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، وهذا أعظم الذنوب. فما الذي أردى المشركين في الضلال وفي النار إلا سوء ظنهم بالله سبحانه وتعالى؟ وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴾، ﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فهذا ظن السوء قد وصف الله به المشركين، الظانين بالله ظن السوء، وهكذا وصف به أهل الجاهلية: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾. ومعنى كونه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى: أنهم أشركوا مع الله، فإنهم يطلبون الشفاعة والزلفى والقرب من غيره، فساء الظن بالله أنه لا يرحم، وأنه لا يغفر، وأنه لا يعطي إلا بمحرك يحركه أو بمؤثر يؤثر عليه. لماذا طلبوا الشفاعة من غير الله؟ قالوا: لأن ذنوبنا كثيرة، فالله لا يقبلنا ولا يستجيب لنا. فليس هذا من سوء الظن بالله عز وجل؟ أليس الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ﴾؟ أليس الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾؟ أليس الله عز وجل يقول: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾؟ كفروا لله، ومع هذا انتابوا ورجعوا إلى الله عز وجل، ودعوا الله سبحانه وتعالى بصدق وتوبة صادقة، غفر الله عز وجل لهم. فالذي يطلب الشفاعة من غير الله، من دون الله سبحانه وتعالى، فهذا قد أساء الظن بالله سبحانه وتعالى. فإذن هذه أوجه أربعة تدل على خطورة الشرك، وأنه من أعظم الذنوب، وأنه من أعظم الذنوب. وهناك أمر خامس أيضاً، وقد مر معنا، وهو أن الشرك عقوبته أعظم العقوبات، وقد مر معنا مما يدل على ذلك: أن الشرك لا يغفره الله لمن لقي الله به، ومر معنا أن الشرك يخلد صاحبه في النار: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «مَن مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار». وسيذكر المؤلف في جوابه بعض الآيات التي تدل على أن الشرك من أعظم... أن عقوبته من أعظم العقوبات، سيأتي في بعض الآيات ما يدل على ذلك، ما يدل على ذلك. وأيضاً من خطورة الشرك: أن الله سبحانه وتعالى يحبط به جميع الأعمال، الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال. ثم أجاب المؤلف قال: الجواب: هو اتخاذ العبد من دون الله ندًّا يساويه برب العالمين، يحبه كحب الله، ويخشاه كخشية الله، ويلتجئ إليه ويدعوه، ويخافه ويرجوه ويرغب إليه ويتوكل عليه، أو يطيعه في معصية الله، أو يتبعه على غير مرضاة الله، وغير ذلك. ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن ومن السنة. فقوله هنا: "هو اتخاذ العبد من دون الله ندًّا يساويه"، فالندّ... الندّ هو كما هو معلوم: الكفء والمساوي، والمساوي. فالله عز وجل من أشرك به جعل ذلك المعبود من دون الله ندًّا، وكذلك كفء لله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «والشرك فاحذره فشرك ظاهر *** ذا الشرك ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن *** أيًا كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه *** ويحبه كمحبة الديان» فالشرك فيه تسوية غير الله بالله، وفيه عدل غير الله بالله. قال الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾، يعدلون الله عز وجل بمعبوداتهم. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾، يقول عن المشركين وقد أدخلوا نار الجحيم، يقولون: ﴿ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، برب العالمين. فمن اتخذ مع الله إلهاً آخر فقد سواه بالله سبحانه وتعالى. وقوله: "يحبه كحب الله" إلى آخر ما ذكر، هذا يدلنا على أن الشرك بالله عز وجل يكون بالقول وبالفعل وبالاعتقاد. الشرك يكون بالقول وبالفعل وبالاعتقاد. فمثال الاعتقاد: كأن يحب غير الله كمحبة الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾. انظر، سماهم أنداداً، يعني مساوين لله عز وجل. لماذا قال سبحانه وتعالى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾؟ ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ﴾. فمن أحب غير الله كمحبة الله، أو خاف غير الله كخوفه من الله، فهذا شرك في اعتقاده. ومثال القول: كأن يدعو غير الله، قول: "يا محضار أغثني المدد، يا آل باعلوي المدد، يا عيدروس المدد، يا فلان"، يطلب من الميت، أو يطلب من الحي الغائب، أو يطلب من الحي الحاضر في شيء لا يقدر عليه إلا الله، فهذا قد أشرك بمجرد قوله ذلك، بمجرد قوله ذلك، فيحكم عليه بالكفر والشرك بقوله ذلك الذي هو شرك بالله سبحانه وتعالى. وأما مثال الفعل: فكسجوده لغير الله، أو ركوعه لغير الله، أو الذبح لغير الله. فبهذا يتبين لنا أن الشرك لا ينحصر في شرك القلب كما يزعمه بعض أهل البدع. بعض أهل البدع يقول: "أنا لا أعتقد أن هذا القبر يعني ينفع ويضر"، ثم يدعوه بلسانه بما يدل على أن هذا القبر ينفع ويضر. يقول: "أنا كيف تحكمون عليه بالشرك؟ قل: أنت تقول يا مدد المدد يكون من الله". قال: "إنما هم شفعاء". قال: "فإذن أنت طلبت هذا الشيء من هذا الشفيع، من هذا الشفيع، وهو بمعناه الدعاء غير الله والاستغاثة بغير الله". فلا ينحصر الشرك في اعتقاد القلب، بل كذلك في الأقوال والأفعال. ومثله كذلك: إنسان لا يقول الشرك ولا يعمل الشرك، لكن لا يعتقد أن من دعا غير الله فهو مشرك، وأن من استغاث بغير الله فهو مشرك، لا يعتقد ذلك. فنقول له: أنت مشرك لأنك اعتقدت هذه العقيدة، وإن لم تفعلها وإن لم تقلها بلسانك، فأنت قد اعتقدت ما يدل على وقوعك في الشرك بالله سبحانه وتعالى. يتضح لنا بذلك أن الشرك بالله عز وجل لا ينحصر في الاعتقاد، بل يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل. ولذلك مثل هنا بالحب والخشية والالتجاء إليه والدعاء والخوف والرجاء، وهكذا التوكل والطاعة لغير الله. وهذا سيأتي معنا توجيه لكلام المؤلف وأنه ليس على ظاهره، وذكروا في ذلك ثلاثة أوجه، لكن لانتهاء الوقت نؤجل ذلك إن شاء الله إلى درس قادم بإذن الله. إلى هنا والله تعالى أعلم.