الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع آيات سورة آل عمران (172-175) التي نزلت فيمن استجابوا لله ولرسوله بعد إصابتهم بالقرح في أحد، مبيناً أن النبي ﷺ ندب أصحابه للخروج إلى حمراء الأسد رغم جراحهم فخرجوا طاعةً. أخبرت عائشة رضي الله عنها عروة بن الزبير أن أبويه الزبير وأبا بكر كانا ممن نزلت فيهم هذه الآيات.
خرج النبي ﷺ بجيش المسلمين إلى حمراء الأسد لملاحقة قريش، فبلغ أبا سفيان خبر خروجهم فألقى الله الرعب في قلبه فرجع إلى مكة. نزلت آية ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ في المؤمنين الذين زادهم التخويف إيماناً وتوكلا على الله، فانقلبوا بنعمة وفضل لم يمسسهم سوء.
رجع المؤمنون من حمراء الأسد بنعمة من الله وفضل، محققين هزيمة للمشركين وعزة للإسلام، ونالوا أجر غزوة تامة رغم جراحهم. بين الله أن الشيطان يخوف أولياءه فقط، وأمر المؤمنين ألا يخافوا المشركين بل يخافوه وحده، لأن خوف الله من لوازم الإيمان الحقيقي ويزيد بزيادته.
يبيّن المقطع أن خوف العبد من الله وحجازه عن المحارم يُعد خوفاً عظيماً يُثمر تقوى الله ونيل رضوانه، وهذا من المعاني المستفادة من الآيات المذكورة. يتحقق بذلك الفوز العظيم والنجاة من عذاب الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. طيب. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى في قوله جل وعلا: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾، ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾، ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. فقال رحمه الله: لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من أحد إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد همّوا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا على ما بهم من الجراح استجابة لله ولرسوله وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى حمراء الأسد. فهذه الغزوة سُميت بحمراء الأسد، وهي تابعة لأحد، وهي كما قال المؤلف: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رجع إلى المدينة سمع، فجاءه خبر أن أبا سفيان قد همّ أن يأتي إلى المدينة، فلذلك ندب أصحابه أن يخرجوا حتى لا يدخلوا المدينة، فإن لو دخلوا المدينة ممكن أنهم يقتلوا النساء والأولاد، فلذلك فسارعهم النبي عليه الصلاة والسلام، فانتدب كل من خرج إلى الغزوة ولم يأت غيرهم، وإنما كل من كان في تلك الغزوة، والظاهر كان ألفا وأربعمائة أو بضع عشرة أو بضع وثلاثين، وبعضهم يقول إنهم سبعمائة، سبعمائة الذين خرجوا في أحد، والظاهر هذا الصحيح، وقتل منهم سبعون، ولم يؤسر أحد منهم. قد تقدم معنا أن بينا أن بعض العلماء يقول أن أحدا ليست هزيمة لعدة أسباب ذكرناها قبل، ومن ذلك أنه لم يؤسر أحد من أهل الإسلام، لم يؤسر أحد من المسلمين، بل أن المسلمين أسروا رجلا يقال له أبو عزة، وقتله النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، فقتله. وأما من المسلمين فلم يؤسر أحد، فخرج كل من حضر تلك الغزوة، غزوة أحد، خرجوا بانتداب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قالت عائشة رضي الله عنها لعروة بن الزبير: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كان أبواك ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح». وأرادت بأبويها الزبير بن العوام وأبو بكر الصديق. وأما أبو بكر الصديق فهو جدك من أمك. فقال: «أبواك خرجا معنا ممن نزل فيهم قول الله جل وعلا: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾». ولما خرجوا إلى حمراء الأسد جاءهم من جاءهم من الناس وقال لهم: إن الناس قد جمعوا لكم، فعن الناس يريد قريش، فجاءوا وقالوا: إن قريشا تجمعت لتغزو المدينة، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الجيش أن يخرج خلفهم. فلما سمع أبو سفيان أن جيش المسلمين خلفهم، فخرج من ذلك المكان وأسرع. ويقال أن الزبرقان بن عمر وهو خزاعي مر على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لما كانوا في حمراء الأسد، ورأى ما بهم من حنق على المشركين، ثم أنه ذهب إلى مكة، وهو في الطريق رأى أبا سفيان وهو راجع من مكة يريد المدينة، هكذا ذكره ابن إسحاق. فقال له: يا أبا سفيان، إني ناصح لك. فقال: وما معك؟ قال: إني رأيت محمدا ومن معه حانقين عليكم، وأنهم قد يريدون الموت، أو كذا، معنى أنهم يريدون أن يهزموكم. فدخل الرعب في أبا سفيان، فرجع بمن معه، فرجع إلى مكة بمن معه. ورجع بعد ذلك جيش المسلمين إلى المدينة. وقد معنى ذلك أنهم لم يلقوا ذلك العدو بل طاردوهم حتى جاءوا إلى حمراء الأسد، وحمراء الأسد أقرب إلى مكة من المدينة. قال: وجاءهم من جاءهم وقال لهم: إن الناس قد جمعوا لكم وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه، وقالوا: حسبنا الله، أي كافينا كل ما أهمنا، ونعم الوكيل، أي المفوض إليه تدبير عباده والقائم بمصالحهم. وأكثر أهل العلم على أن هذه الآية في أحد وليست في الأحزاب، وإنما في الأحزاب هي قول الله جل وعلا لما تجمعت الأحزاب على أهل المدينة، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فلما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾. وأما هذه الآية فيقال أن بعض من خزاعة وغيرهم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: إن قريشا قد جمعوا لكم، ويقال أنهم أرادوا أحدا، فقالوا: قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقال الله عز وجل: ﴿فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. قال: ﴿فانقلبوا﴾ أي رجعوا بنعمة من الله وفضل، لم يمسسهم سوء، وجاء الخبر إلى المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندب من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم واستمروا راجعين إلى مكة. ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، أن هذا رجوعهم كان نعمة بعد أن جاءوا حتى بلغوا إلى حمراء الأسد، وهذا هزيمة للمشركين، وأيضا كذلك ذل المشركين وعزة للإسلام، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾، بل أنهم كانوا الناس يتوقعون أن قريشا ستأتي إلى المدينة لكنهم خابوا وخسروا ورجعوا إلى مكة. قال: ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل حيث من عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزوة تامة، فإن هذه صارت غزوة أخرى وهي غزوة حمراء الأسد، مع أنهم أصابهم القرح وهي الجراح التي أصابتهم في أحد، إلا أنهم تحاملوا على أنفسهم وخرجوا لأن النبي عليه الصلاة والسلام ندبهم لذلك. قال: فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم وتقواهم عن معصيتهم لهم أجر عظيم، وهذا فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم وتقواهم عن معصيتهم لهم أن كتب لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم. ثم قال: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، أي ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داعيا من دعاة الشيطان يخوف بها أولياءه الذين عدم إيمانهم أو ضعف إيمانهم، فهم أهل الإيمان لا يخافون، وأما الذي يخاف هم أهل الشرك ومن كان ضعيف الإيمان، فيخوفه الشيطان بالمشركين وبقوتهم وبغير ذلك، أما أهل الإيمان فلا يخافون لأن معهم الله جل وعلا، ولهذا من أعظم الأسلحة التي يحارب بها أهل الإسلام هي الإيمان بالله جل وعلا والتوكل على الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، أي فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين له والمستجيبين لدعوته. قال: في هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وهذا الخوف من لوازم الإيمان، وهو الخوف العبادة، خوف العبادة، وهو أنه لا يعلم المؤمن أنه لا أحد ينفع أو يضر إلا الله سبحانه وتعالى، وكل أحد نفعه وضرره بإذن الله سبحانه وتعالى، فهذا عقيدة المؤمن، ولا بد أن يكون المؤمن على هذه العقيدة، لكن الناس بعد ذلك في تطبيقها يختلفون، لكن من ناحية أنها عقيدة فلا بد أن يعتقدها المؤمن، فهي من لوازم الإيمان، ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود ما حجز العبد عن محارم الله، أن هذا الخوف المحمود، وكل بقدر خوفه من الله جل وعلا، وكلما زاد هذا الخوف في طاعة الله عز وجل وحجز العبد عن محارم الله كان خوفا عظيما يؤدي إلى تقوى الله جل وعلا ورضوان الله عز وجل على العبد، فهذا شيء مما يذكر في هذه الآيات، فنكتفي به والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر