تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 99

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 99

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تشاؤم المشركين بالرسل ونسبتهم الشر إليهم

يفسر هذا المحور حال المشركين الذين ينسبون الحسنة لله والسيئة للرسول تطيراً به، مستشهداً بقصص موسى وصالح وقوم يس. ويبين أن هذا المنهج الباطل مستمر لدى بعض الناس اليوم لتبرير معاصيهم.

التطير بالصلاة ورد القرآن على نسبة الشر لغير الله

يتناول تشاؤم الجاهلين بالمؤمنين عند نزول المصائب بعد إقامة الشعائر، مبيناً أنه من التطير المنهي عنه. ويشرح آية النساء التي تقرر أن الكل من عند الله، لكن الشر يُنسب للعبد تأدباً لكونه نتيجة أعماله.

آداب نسبة المرض والشر إلى النفس وحقيقة القضاء والقدر

يستعرض أدب النبي إبراهيم في نسبة المرض لنفسه مع إيمانه بالقضاء، موضحاً أن المصائب تقع بذنوب العباد ابتلاءً أو عقوبة. ويؤكد أن الإيمان بالقدر خيره وشره شرط لقبول العمل، وأن دعوة الرسل كلها خير.

براءة الرسل من كونهم سبباً للشر وخاتمة الدرس

يقرر هذا المحور أن الرسل عليهم السلام لا يكونون سبباً لأي شر بل جاءوا بمصالح الدنيا والآخرة. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في الجلسة القادمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا في قوله جل وعلا، تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا تَوَلَّوْا فَأَدْرَكَهُمُ الْمَوْتُ وَلَكِنْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال المؤلف رحمه الله: يخبر تعالى عن الذين لا يعلمون، المعرضين عما جاءت به الرسل، المعارضين لهم، أنهم إذا جاءتهم حسنة، أي خصب وكثرة أموال وتوفر أولاد وصحة ومعنى نعمة، جاءتهم نعمة من أولاد ومن غيره، من مطر، من خصب، قالوا: هذه من عند الله. وإن أصابتهم سيئة، أي جدب وفقر ومرض وموت أولاد وأحباب، قالوا: هذه من عندك، أي بسبب ما جئتنا به يا محمد. تطيروا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما تطير أمثالهم برسلهم. كما أخبر الله عز وجل عن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. هذا التطير أو التشاؤم، التشاؤم بنبي الله أو بأنبياء الله جل وعلا، التشاؤم أيضا بالصالحين، وهذا واقع في زمن الرسل وفي غيره. تجد أن قوم موسى قالوا لموسى: إنا تطيرنا، أو قال: إذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، أنا بسبب طيب قلوبنا وبسبب كذا نحن جاءتنا هذه الحسنات، المطر جاءنا كذا. وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه: أنا ما أصابنا هذا إلا بسبب موسى. هذا بعد ما جاء موسى وبعد ما جاءت هذه الشرائع وهذه كذا، أصابنا مثل ما أصاب، أو أصابتنا هذه الأمور. وقال قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال قوم يس: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وفعالهم. وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه فهو داخل في هذا الذم الوخيم. وهذا كما قلنا واقع إلى الآن، تجد كثيرا من الناس يتطير بأهل السنة، يقول مثلا بعضهم: كانت الأمور خيرة عندنا، الأمطار وعندنا كذا وعندنا كذا. وهذا كذب عندهم، صحيح أمطار وكذا، لكن عندهم القوت قليل، عندهم أشياء كثيرة تنقصهم، الفقر. لكن يتعصب، يقول: عندنا كانت كذا، عندنا أمطار وعندنا كذا، والآن بعد ما جاء هؤلاء وقالوا حلال وحرام، امتنعت هذه الأمطار، وفعاله حصل كذا وكذا. بل بعضهم حتى يتبجح، مثلا بالمعاصي التي كانوا يفعلونها، سمعت واحد يقول: كان لما كنا قبل، كان تقام الصلاة بعد المغرب وتقام الصلاة ويخرجون من الصلاة ونحن نغني، والخير باسط والمطر تمطر كذا. على كأن هذا على نياتهم، يقول: على نياتكم ترزقون. فكأنهم يرون أن مثل هذه الأشياء أو الخير الذي كان موجود من المطر وغيره بسبب نياتهم، حتى أنهم ما يصلون، يخرجون الناس من الصلاة وهم لا زالوا في لعب وله. فقالوا: لما جئتم أنتم قلتم لا بد من الصلاة، لا بد كذا، لا بد كذا، خلاص راحت المطر وراحت. وهذا هو التشاؤم الذي حصل من أعداء الله ومن الكفار ومن غيرهم ممن لا علم له. كما قال الشيخ: من اتصف بالجهل لا يقول مثل هذا إلا جاهل، لا يتشاءم بالناس إلا جاهل، وخاصة بالصالحين، لا يتشاءم بالصالحين إلا من أجهل الناس. أو في الأمور الشرعية: بعد ما حصل كذا، بعد ما جئتم بهذه السنة حصل كذا وكذا من الشر، فأنا يتشاءم بوجود هذه السنة. فهذا خطأ أيضا، وهذا يعتبر من التطير الذي حرمه النبي عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في جوابهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال: فهذا رد فيه على القدرية، رد فيه على القدرية أن نفاهم الذين يقولون أنه ليس من عند الله، وأن الشر ليس من عند الله، بجميع صنوفهم، سواء كان يقولون بأن الشر ليس من عند الله، أو بأن الخير والشر ليس من عند الله. قال: ﴿فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأرسلناك للناس رسولا، وكفى بالله شهيدا. قال: فما لهؤلاء القوم، أي صادر منهم تلك المقالة الباطلة، لا يكادون يفقهون حديثا، أي لا يفهمون حديثا بالكلية، ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون منه إلا فهما ضعيفا. ولهذا صدر الشيخ كلامه بقوله: الذين لا يعلمون، أن فهمهم قاصر وفهمهم بعيد، قالوا: على كل فهو ذنب لهم وتوبيخ على عدم فهمهم، فقهم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم. الآن الله عز وجل قال: ﴿فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. على نفس الكلام الذي جاءوا به، لكن أيش الاختلاف؟ الله عز وجل جاء بنفس الكلام: هم يقولون: إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، هنا قال: ما أصابك من حسنة فمن الله. وقالوا: إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قال الله عز وجل: وما أصابك من سيئة فمن نفسك. فالذي يقرأ الكلام يقول: كلام واحد، أيش الفرق؟ الفرق أن قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، من باب أن هذا بسببك، بسبب أعمالك، بسبب كذا، بسبب أعمالكم في كل هذه المصائب. وإلا فكل من عند الله، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. كله من الله، الخير والشر بيد الله جل وعلا. لكن من باب التأدب مع الله أنه لا ينسب الشر إليه جل وعلا، لا ينسب الشر إليه. وهذا كثيرا في القرآن، وسيذكر المؤلف رحمه الله شيئا من ذلك. أنا من باب التأدب مع الله عز وجل لا ينسب إليه الشر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»، أي لا ينسب الشر إليك. ولهذا نبي الله إبراهيم لما دعا قال: ﴿الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، نسب الموت والحياة إلى الله عز وجل. لكن لما جاء إلى المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، نسب المرض إلى نفسه. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ما قال: وإذا أمرضني فهو يشفين. هذا من باب التأدب مع الله، أن هذه المصائب لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، أي كلها من الله لكن بسبب ما أنتم تفعلون. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، أي من قبل أن تقع هذه المصيبة فهي مكتوبة في الكتاب أنها ستقع، فهي من الله جل وعلا. لكن لا ينسب الشر إلى الله عز وجل من باب التأدب. ولهذا كما قلنا قال نبي الله إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، مع أنه قال: ﴿الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، نسب الإماتة والإحياء إلى الله، لكن لم ينسب المرض إلى الله من باب التأدب، وإلا المرض من الله عز وجل. فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. طيب، قال المؤلف: وفي ضمن ذلك مدح من يفهم عن الله وعن رسوله، من باب مفهوم المخالفة. لأن الله عز وجل قال: ﴿فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. معنى أن من علم أن كل شيء من عند الله، وأنه ما أصاب الإنسان إلا بسبب ذنوبه، وما كان من خير فهو من الله جل وعلا تفضل عليه جل وعلا وأنعم عليه، فهذا قد فقه هذا الباب وفهم هذا الباب. وسبحان الله تجد أن هذا مقرر في فطر الناس، على العام يعرف مثل هذا، لكن تجد نفاة القدرية ما يؤمنون مثل هذا الكلام، وهذا من ضلالهم وتغيير فطرهم. قالوا: الحث على ذلك وعلى الأسباب المعين على ذلك من الإقبال على كلامهما، أي كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه. فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات والسيئات كلها، أو كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك. كل شيء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله منك عملا حتى تؤمن بالقدر خيره وشره»، أو قال: «لا يقبل الله منك إيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره». وجاء في حديث زيد بن ثابت: «لا يقبل الله عز وجل منك الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك». فهذا من صميم الإيمان. قال: ولا يخرج منها شيء عن ذلك، وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكونون سببا لشر يحدث بهم، ولا ما جاءوا به. ليس هناك تطير، هذا بل هذا هو الخير وهو الصلاح للناس. دعوة الرسل دعوة صلاح، أرسلهم الله عز وجل لإصلاح الناس، ولأجل أن يعبدوا الله جل وعلا ويذروا ما سواه سبحانه وتعالى. فدعوتهم دعوة إصلاح ليس فيها شر. وما حصل من المصائب فهو من الله، إما يبتلي عباده بهذه المصائب، يبتليهم ابتلاء، أو عقوبات وهي أيضا من الابتلاء. إما أنه يبتليهم ليمحص إيمانهم، وإما أنه يبتليهم لعقوبتهم، أو يعاقبهم على ذلك، يعاقبهم على معاصيهم. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قالوا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكونون سببا لشر يحدث بهم، ولا ما جاءوا به، لأنهم جاءوا بمصالح الدنيا والآخرة والدين. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في الدرس القادم.