التحذير من خلق الغرور

المحاضرة بعنوان التحذير من خلق الغرور، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 ذو القعدة 1438هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية التحذير من الغرور وخطره

يُعد الغرور من الصفات الزميمة التي ذمها الله تعالى في كتابه ونهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع. يُشدد على خطورة هذا الخلق لكونه صفة قلبية مرضية قد يبتلي بها الإنسان دون أن يدرك ذلك.

تعريف الغرور ومظاهره

الغرور يكون قائمًا على عدة أمور مثل المال والجاه والمنصب والقوة، وقد يؤدي إلى الترفع على عباد الله والطغيان، ويعتبر من أشد المهلكات. يُبين أن الغرور يمكن أن يظهر في صور متعددة.

الغرور بالله وتفاصيله

الغرور بالله يكون على طائفتين: طائفة من العصاة الذين يعملون المعاصي ويتمنون المغفرة، وطائفة من أهل العبادة والتعبد الذين يغرهم عملهم الصالح. يُوضح أهمية الرجاء المحمود المصحوب بالعمل الصالح.

مخاطر الغرور وضرورة التواضع

يُنبه إلى خطورة الغرور على العباد، حيث يمكن أن يؤدي إلى احتقار الآخرين والتألي على الله، ويحذر من مغبة الغرور وأنه قد يؤدي إلى إحباط الأعمال الصالحة. يشير إلى أهمية التواضع والخوف من الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴿، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴿، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴿. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، نتوجه أولا بادئ ذي بدء للشكر الجزيل لأهل هذا المسجد العامر بالسنة، ممن رحبوا بهذه المحاضرة لتقام هذه الليلة المباركة في مسجدهم، فجزاهم الله خير الجزاء، وجزى الله خيرا أخانا محمدا على حسن استضافته واستقباله، فجزاه الله كل خير. وعنوان المحاضرة، إخواني في الله، لهذا الموضوع ولهذه الليلة، هو بعنوان «التحذير من خلق الغرور»، والسر في هذا الموضوع واختيار هذا المضمون، أولا لأنه طلب من بعض إخواننا ممن لا يسعنا رد طلبه، جزاهم الله خيرا. وهو طرح موضوع «التحذير من خلق الغرور». وأيضا، إخواني في الله، زد على ذلك أن هذا الموضوع مما حقه أن يطرق، وحقه أن توضح أفكاره وصوره، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول، أن هذا الخلق، وهو خلق الغرور، من الصفات الزميمة التي ذمها الله سبحانه وتعالى في كتابه، ونهى عنها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، حتى قال بعض العلماء، كما ذكر ذلك القاسمي في «موعظة المؤمنين»، وهو يعبر عن خلق الغرور، قال: «إنه أم الشقاوات ومنبع المهلكات»، «أم الشقاوات ومنبع المهلكات»، وهو خلق الغرور. وحذر ربنا عز وجل من هذا الخلق في آيات كثيرة، فقال جل في علاه: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴿. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك في البخاري، من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تغتروا»، «لا تغتروا». وأيضا، إخواني في الله، مما يدعم أهمية هذا الموضوع، أن هذا الخلق هو من أعظم صفات الكفر الفجرة، ومن أعظم صفات أهل النفاق الذين اتصفوا بها، فكان حريا بكل مسلم أن ينأى بنفسه، وأن لا يتشبه بهذه الصفة. فأهل الكفر هم أهل الغرور، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴿. وأما أهل النفاق، قال ربنا عنهم: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴿. وأيضا، إخواني في الله، مما يدل على أهمية هذا الموضوع، أن صفة الغرور من الصفات القلبية، من الصفات المرضية، التي لربما يبتلي بها الواحد منا، ولا يرى أنه مبتلى، هنا المشكلة العويصة. فليس من السهل على المرء أن يقر بغروره، فالغرور يرى أنه على طبيعته وعلى الجادة، وهذا الأمر، إخواني في الله، تكمن الخطورة في هذا المرء، وفي غيره، من الأمراض التي تصيب الخلق، مثل أمراض الغلو الذي يبتل به بعض الناس، ويرى أنه على الوسطية، وأنه على الجادة، وليس عنده غلو. فهذه أشياء، إخواني في الله، تدل على أهمية هذا الأمر. وزد على ذلك ما هو أوسع من هذا أهمية هذا الموضوع، إخواني في الله، تكمن أيضا في أنها فيه إشارة لمبحث واسع، ألا وهو مبحث الأخلاق، هذا المبحث الذي أصبح يكاد أن يكون نسيا منسيا في واقع المسلمين. تجد بعض الناس، إن تمسك بدين الله سبحانه وتعالى تمسكا في باب الفرائض، أو قول في باب العبادات، فيما بينه وبين الله، أما ما يتعلق بباب المعاملات، ومنها ما يتعلق بالأخلاق، وهي علاقة المرء مع خلق الله، تجد أن كثيرا من الناس لا يرفع رأسا بهذا الباب، ولا يلقي له بالا. بل إن بعض الناس، في ظنه، وبئس الظن هذا، يعتقد أن أمر الأخلاق هو عبارة عن أمر من المسائل الشخصية، فكل يعاشر الخلق بما يرى أنه من باب الحسنة، لا أحد يلزمني بشيء في تعاملي مع فلان أو علان. فإذا أنكرت على بعض الناس في تعامله، يقول: «أخي، هذا طبعي»، «دعني طبعي يا أخي»، «أنت عندك حرارة في التعامل»، يقول: «هذا طبعي»، «أنت عندك يا عبد الله نوع من التحسس والشكوك والظنون»، ولهذا طبعي، فيجد بعض الناس كلمة «طبعي»، أن هذا طبيعة سجيتي، فلا ألزم بأي خلق. والأمر، إخواني في الله، الشديد في هذا الباب، أمر الأخلاق، إخواني في الله، من الأمور العظيمة، بل هي من أصول الدين، بل إن عليها الحساب والعقاب، بل ربما كان دخول النار، لا لشيء، إنما في باب الأخلاق. ولو كنت مصليا مزكيا، ولو كنت متعبدا لله، روى الإمام أحمد في مسنده، في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «وذكر له أمر امرأة»، «يذكر من كثرة صلاتها وصيامها»، «إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقط»، «من حيث التعبد عابدة»، «بل أصبح الناس ينقلون ما كان من كثرة صلاتها»، «لكن لا في هذه خصة في التعامل تؤذي جيرانها بلسانها»، قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». ثم ذكر له، ثم قام هذا الرجل وذكر نبينا عليه الصلاة والسلام أمر امرأة، «يذكر من قلة صلاتها وصيامها»، «إلا أنها لا تؤذي جيرانها»، قال عليه الصلاة والسلام: «هي في الجنة»، «هي في الجنة». تأمل، يا عبد الله، في باب الأخلاق، هذا الباب الذي يكاد يكون مهملا عند كثير من الناس، ما رفعوا له رأسا، وما ألقوا له بالا. ومن أثر الأخلاق، يا عبد الله، على الأعمال، أن الأخلاق تؤثر سلبا على الأعمال، وقد حسن شيخ الألباني رحمه الله تعالى حديثا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». فانظر، يا عبد الله، إلى شدة الارتباط. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «الدين كله خلق»، «فمن زاد عليك في الخلق، فقد زاد عليك في الدين». رحمة الله رحمة واسعة عليه. إخواني في الله، من هذا الباب، ما نحن بصدده، ألا وهو «التحذير من خلق الغرور»، هذا الخلق، ألا ربما ظهر وفشى بين بعض الناس، إلا أنهم ما رأوا فيه مضرة، مع أنه من أشد المهلكات، كما عبر العلماء عن هذا الخلق بأنه «أم الشقاوات ومنبع المهلكات». إخواني في الله، هذا الخلق، ذكر العلماء في تعريفه عدة تعريفات. فممن عرف الخلق الإمام الجرجاني رحمه الله تعالى، في كتابه المعروف بالتعريفات، حيث عرف الجرجاني رحمه الله تعالى الغرور بقوله: «هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع»، هكذا عرف صفة الغرور، بأنه ميلان النفس إلى الهوى، ويميل إليه الطبع. هذا بالضم، الغرور. أما الغرور، فكل ما غر شيئا، كل من غر شيئا، فهو غرور، بالفتح. فالمال الذي به الإغراء يكون غرورا، الجاه يكون غرورا، المنصب يكون غرورا، الشيطان يكون غرورا، وهكذا الشهوة تكون غرورا، فكل من غر شيئا، فهو غرور، كما قال الكفوي رحمه الله تعالى. لكن كلمة الغرور، تأتي في القرآن أكثر ما تأتي بمعنى الشيطان، وعلى هذا جرى تفسير المفسرين، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴿، هنا الغرور بمعنى الشيطان، الغرور بمعنى الشيطان، وذلك لأدلة كثيرة جدا، أن الشيطان، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فالشيطان يعد الخلق بالغرور، ولهذا هو أصل الغرور. فما تأتي كلمة الغرور في القرآن، إلا تفسر عند المفسرين بأنه الشيطان. إخواني في الله، صفة الغرور، يمكن أن تقسم إلى قسمين اثنين، هناك غرور مع الخلق، وهناك غرور بالخالق جل في علاه، وكل له مجاله. أما ما يتعلق بالغرور مع الخلق، وهذه الصفة الفاشية المنتشرة بين الناس، أن شخصا منا لربما يغتر بأمر ما على عباد الله سبحانه وتعالى. والغرور بهذه الصفة، بهذه الشاكلة، يكون قائم على عدة أمور. فائدة نبى عليها بعض أرباب السلوف، يقولون: «أن الغرور، وأن أهل الغرور، إنما يغتر بشيء إذا كان فيهم قوة لشيء ما»، «إذا كان لديهم قوة»، «عندهم قوة في جانب هذا الجانب القوي»، «عنده يكون عليه الغرور»، «وعليه العمدة في الغرور»، «يغتر به على غيرهم». مثاله الاغترار بالمال، الاغترار بالمال، تجد أن شخصا ما عنده المال الكثير، فإذ به يغتر على عباد الله، يغتر على عباد الله. ولنا عبرة بحال قارون، عنده الأموال الكثيرة والكنوز الوفيرة، ما ذكره ربنا عنه في كتابه، حتى أن مفاتيح الخزائن إنما تحمل على أكف الرجال. إذا كان هذا في حق المفتاح يحمل على أكف الرجال، وعلى عواتق الرجال، فما ظنك بالباب؟ باب الخزنة، إذا كان المفتاح يحمل، فما ظنك بالجواهر والكنوز الموجودة ما وراء الباب؟ ضخم فيء الكثير. وكان هذا الذي دعاه إلى أن يغتر على عباد الله، فخرج على قومه في زينته متغطرسا متكبرا مغترا بماله. هذا شيء مما يغتر به الناس، هذا قد نجده في زماننا، تجد بعض الناس في حال فقره كان من عامة خلق الله، دشوشا يتكلم عذا وذا، لكن لما جاءته الدنيا ودارت الأموال على يده، ترفع على عباد الله، ترفع على عباد الله. بل ربما زاد في غيه وفي غروره، حتى قطع أرحامه وقطع أصحابه، فلا يعرف أحدا، اغتر بماله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقد يكون الغرور بالمال. أيضا، إخواني في الله، قد يكون الغرور كذلك بالجاه والمنصب، بالجاه والمنصب، هذا قد يقع به بعض الناس. ولنا عبرة بفرعون، عندما تملك زمام الأمور، وكانت تحت يده الأقاليم والمدن والأمصار والقرى، وكان تحته تلكم الرقاب من الحشم والعبيد والخدم، فنادى في قومه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴿، غرور، اغتر بمنصبه، اغتر بجاهه، اغتر بما كان من تلكم القرى والأقاليم التي تحت يده. وهكذا قل في هذه الأزمان، تجد رجلا لربما كان موظفا على قدر حاله، فلا زالت المناصب تتوالى عليه، حتى ترفع، وأصبح له الجاه والمنصب، فإذ به أغلق بابا على إخوانه، فلا يعرف أحدا، وإن تكلم مع أحد، لربما أرسل لأصحابه الوسائط، لا يتنازل في الخطاب مع زملائه ممن عاش معهم وسار معهم، لكن ترفع على عباده، واغتر بمنصبه وجاهه. وهكذا قد يكون الغرور، إخواني في الله، لا بالأراضي الشاسعة، بالأراضي الشاسعة والمزارع والبساتين. ولنا عبرة بصاحب الجنتين الذي ذكره ربنا عز وجل في سورة الكهف، حين أعطاه الله أنهارا وزروعا ونخلا وعنبا، فأركن إلى هذه الدنيا وإلى هذه الأراضي، فاغتر بها على جاره، فاغتر بها على صاحبه. ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴿، أعوذ بالله من الغرور. حتى فطن صاحبه لسوء المنقلب الذي وصل إليه صاحبه من الغرور بهذه المال، فذكره بالله، أكفرت بالذي خلقك من تراب؟ ذكره بربه سبحانه وتعالى. طغيان هذا طغيان، وهذا من أعظم الجهل، ما يكون المغرور إلا جاهلا بالله سبحانه وتعالى. وهكذا قل، يا عبد الله، قد يكون الغرور بماذا؟ بقوة الجسد، بقوة البدن، يعطى يكون لبعض الناس قوة وفتوة، أو قل شجاعة، شجاعة فيجعل هذه الشجاعة والقوة زريعة لأن يترفع على عباد الله، ويغتر على الناس، ويرى أن لا أحد يدانيه، ولا يوازيه، كحال قوم عاد. قال ربنا جل وعلا في حقهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنْا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴿، «من لا أحد»، «على حد زعم»، «لا أحد منا أشد قوة»، اتكبروا وتغطرسوا واغتروا على عباد الله. بل يقال: «كان من قوة أحدهم أنهم كانوا عمالقة»، «ذكر أهل التفسير من قوة ما عندهم من القدرة والشجاعة أنهم كانوا عمالقة»، «وكان الواحد منهم إذا أراد أن يأخذ الصخرة العظيمة»، «لو ربما اقتلعها بيده من الجبل»، «الواحد نحن في هذا الأزمان إذا أردنا أن نقتلع الصخرة العظيمة»، «تأتي بالجرفات والجرافات والأيدي العاملة والناقلات»، «ثم تأخذ أيام وليالي حتى تصل الصخرة من محل إلى محل»، «هذا ليس عندهم هذا»، «وإنما الواحد إذا عزم على صخرة عظيمة طرح يده فاقتلعها من مكان»، «ثم يضعها حيث شاء»، «يضعها حيث شاء»، «حتى بنوا تلكم القرية العظيمة»، قال ربنا عز وجل: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴿، «وهي ديار القوم عاد»، «بنوها من صخور عظيمة»، «لما آتاهم الله من أجسام ضخمة»، «لكن من الذي فعلوا بهذا الأجسام؟»، «اختروا بها على عباد الله»، «وقالوا من أشد منا قوة؟». وأكد، إخواني في الله، أشياء كثيرة لربما تكون عند العباد، فيجعلونها ذريعة للغرور والاغترار على خلق الله، والترفع على عباد الله. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بأمر الغرور مع خلق الله. هناك غرور، صنف من أصناف، أو فئة أو طائفة أو نوع من أنواع الغرور، لكن يكون مع الله سبحانه وتعالى. وهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴿، غرور بالله سبحانه وتعالى. وهؤلاء الذين ابتلوا بالغرور بالله سبحانه وتعالى، هم على طائفتين، طائفة من العصاة، وطائفة من أهل العبادة والتعبد. أما ما يتعلق بغرور أهل العصاة، بغرور أهل المعاصي والذنوب، أنهم كما عبر عن ذلك مجاهد رحمه الله تعالى: «أن هؤلاء يعملون المعاصي ويتمنون من الله المغفرة»، «هؤلاء هم أهل الغرور»، «يعملون المعاصي ويتمنون من الله المغفرة». قد نسمع من أهل هذا الصنف في هذا الأزمان، من إذا نصح وأرشد إلى ترك الذنوب والمعاصي، لو ربما يقول: «الله غفور رحيم»، «الله كريم»، «الله كريم والله غفور رحيم»، «ثم يستمر على معصيته ويستمر على ذنبه»، «ولا ينكف»، «ويرى أن هذا يسميه بعضهم»، كما قال العلماء: «وهذا من تلبيس إبليس عليهم»، «أن بعضهم يخرج هذا المبدأ تحت ما يسمى بالرجاء»، «الرجاء»، «الرجاء»، إخواني في الله، عن مقام من مقامات الدين، مقام محمود، ندب إليه الرب سبحانه وتعالى، إليه العباد، لكن هكذا صورته الشيطان، لبس على العصاة، قال: «هذا هو الرجاء»، «هذا هو الرجاء الذي يريده الله من العباد»، «استمر على معاصيك»، «لكن كن عظيم الطمع بالله»، «وأن الله سيغفر لك الذنب»، «هذا»، إخواني في الله، «من تلبيس إبليس على أهل المعاصي والذنوب»، «هذا ما يسميه العلماء بالرجاء»، «بل هذا يسميه العلماء بالأمنيات»، «يسميه العلماء بالأمنيات». الرجاء المحمود الذي يحبه الله سبحانه وتعالى من عباده، هو الرجاء المصحوب عمل، الرجاء المصحوب هذا الذي يريده الله من عباده، أنك تعمل وتكون عظيم التعلق بالله، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴿، «هؤلاء هم أهل الرجاء»، «وهم بالرجاء أليق»، «ما الذي فعلوا؟»، «عملوا»، «إيمان»، «هجرة»، «جهاد»، «ومع ذلك رجاء»، «رجاء الله سبحانه وتعالى»، «هذا هو الرجاء المحمود». أما كأنك، عبد الله، تبقى على ذنوب، على معاصي، ترك الصلاة، على فعل الفواحش، من الزنا والربا والغنى والخنى، ثم بعد ذلك تجعل القدم على قدم، وتقول: «يا الله المغفرة»، «يا الله»، «نحن والله عظيمة تعلق بالله»، «نسأل الله أن يعطينا على قدر نياتنا»، «هذا هو الرجاء لا»، «يا عبد الله»، «هذا ليس بالرجاء»، «هذا كما عبر عنه بعض العلماء»، «قال: حالهم كحال رجل عامل استؤجر من قبل تاجر على أن يقوم هذا العامل بعمل»، «إصلاح يصلح شيئا ما لهذا التاجر»، «وقد علم أن هذا التاجر كريم»، «وأنا من كرمه يعطيك الذي اشترط بينك وزيادة»، «فهذا معروف عن التاجر»، «التاجر معروف»، «آل بن فلان»، «هذا إذا عقد المقاولات أو عقد الاتفاقيات في عمل ما»، «يعطيك مبلغ وزيادة»، «معروف»، «فإذا بهذا العامل أضرم اتفاق مع هذا التاجر الكريم»، «فبعدما اتفقوا على الأجرة وعلى العمل»، «إذ بهذا العامل جلس»، «فسئل عن جلوسه»، «قال: أنتظر الأجرة والزيادة حتى تأتي»، «قال: وهكذا هم أهل هذا الصنف من عصاة»، «يؤيدون من الله عز وجل أن يعطيه ويزيل»، «وما فعلوا شيئا»، «وما فعلوا شيئا». قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «قوم يعملون السيئات ويرجون الله»، «يعملون السيئات ويرجون الله»، فقال الحسن رحمه الله تعالى: «هيهات هيهات»، «تلك أمانيهم»، «هيهات هيهات»، «تلك أمانيهم»، «هذا لا يمكن أبدا»، «أنك تعمل»، «يا عبد الله»، «المعصية والذنب»، «وتستمر على هذا النمط وعلى هذا السلوك»، «ثم ترجو رحمة الله سبحانه وتعالى»، «هذا ليس بالرجاء»، «بل هذه أماني»، «تلك أمانيهم». لكن هنا مسألة ينبغي عليها العلماء: «أحيانا العاصي قد يكون عنده شيء يتعلق بالله»، «إن لم يعمل هذا في حالة ضيقة»، «نبع عليه العلماء متى هذه؟»، «قالوا: هذا عندما إذا أراد العاصي أن يتوب»، «عاصي فعل وأسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي»، «ثم أراد أن يتوب»، «فأتاه الشيطان وقنطهم من رحمة الله»، «قال: تتوب وين تتوب؟»، «إيش فعلت؟»، «سجلك حافل»، «ملف ثقيل»، «ملف من المعاصي والكبائر والموبقات»، «ما تركت صغيرة ولا كبيرة إلا وافتعلتها واخترفتها»، «ثم تتوب»، «لا ما يصدر لك توبة»، «استمر أنت من أهل النار لا محالة»، «فلا زال الشيطان يقنطه»، «فهنا قال العلماء: يشرع لهذا العاصي أن يتعلق بالرجاء»، «فيقمع القنوط بالرجاء»، «ويتذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴿»، «هنا ينفعه الرجاء»، «لأنه سبيل في إخراجه مما هو فيه». أما الرجاء الأول، هو أنك تعمل المعاصي وتسرف على نفسك المعاصي، كما قال مجاهد: «يعملون المعاصي ويتمنون المغفرة»، «فهذا غرور بالله»، «غرور بالله»، «وهذا من أخطر الأمراض»، إخواني في الله، «هذا صنف أول»، «وهم العصاة»، «ممن اغتر بالله في هذا المجال»، «وهو الذي يعمل المعصية ويطلب المغفرة من ربه سبحانه وتعالى»، «من أراد المغفرة فعليه بالتوبة»، «فعليه بالعمل الصالح». الصنف الثاني، إخواني في الله، ممن هم في غرور بالله سبحانه وتعالى، من يكون من أهل الطاعة، من يكون من أهل الطاعة، وهذا من المسالك الخطيرة، الذي استطاع الشيطان أن يتسلل إلى عباد الله الصالحين. «الرجل الصالح قد لا يتيه الشيطان من قبل المعصية والذنب»، «يتعب الشيطان في إدخال العبد الصالح في الموبقة»، «في كبيرة»، «في ترك فريضة»، «يستعصي هذا عليه»، «لكن يستطيع الشيطان أن يدخل مدخل الغرور»، «يدخل على الصالحين من باب الغرور»، «وكم من أهل الصلاح هلك بسبب غروره؟»، «كم من داعية؟»، «كم من عالم؟»، «كم من حامل علم؟»، «كم من مستقيم؟»، «كم من مصلي؟»، قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «لا أعلم في المصلين شيئا شرا من العجب»، «ما أعلم شيئا في المصلين شرا من العجب»، «داع داع عظيم يدخل على أهل الصلاح من حيث لا يشعرون». فمن صور، إخواني في الله، الغرور الذي يبتل به أهل الصلاح، مثلا وصوره كثيرة وكثير جدا، لكن حسبنا نشير إلى بعض صور الغرور الذي يبتل به أهل الصلاح، منها أن يظن الرجل الصالح أو المستقيم أنه أفضل من غيره من العصاة، ويرى أن منزلة أعظم عند الله من هذا التارف للصلاح، أو القاطع للرحم، حتى يصل به الأمر إلى الإعجاب بنفسه، يرى الإعجاب بنفسه، وأنه أفضل من غيره. ينظر في القرية، يرى أنهم على شفة هلكة، وأنهم قد ضلوا، وأصبح من أتباع الشهوات والملذات، بينما «أنا ولله الحمد لا»، «يقول هذا كحديث لفضل الله عليه»، «وإنما يتكلم عن هذا من باب الغرور»، «يغتر يغتر على عباد الله»، «بأن الله أعطاه هذه النعمة»،، «نعمة الاستقامة»، «بل حتى يصل به الحال»، «يصل به الحال أن يتقول على الله»، «يتقول على الله»، «لما يرى من نفسه من غرور»، «وأنه بالله أليق»، «وأنه بالله ألصق من غيره»، «لأنه في قصة ذاك الرجل من بني إسرائيل العابد»، «ساهد كان عنده أخ من أهل بلدته»، «كان يتجاسر على المعاصي والذنوب»، «يتجاسر»، «فكان هذا العابد ينصح بالترك»، «لكن الرجل الفاجر»، «منبعث في فجوره»، «حتى قام هذا العابد»، «وقال: والله لا يغفر الله لك»، «من هذا؟»، «من أنت»، «يا عبد الله»، «حتى تتألى على الله»، «حتى تصير إلى مرتبة ما يصلها إلا الله سبحانه وتعالى»، «الحكم حكمه جل»، «فعلا هو الذي يفصل بين عباده»، «وهو أدرى سبحانه وتعالى بمن يستحق المغفرة»، «ممن لا يستحقها»، «فقال الله: من ذا الذي يتألى علي؟»، «من ذا الذي يتألى علي؟»، «ألأني قد غفرت له وأحبط عملك؟»، «مغرور كان من شأن غروره أن الله أحبط عملك؟»، «بهذا استفاد العلماء أن من مفاسد ومن مضار الغرور أنها تفسد العمل»، «من هذا الحديث أنها تفسد العمل»، «عندما يجري هذا على الله». فاحذر، يا عبد الله، أن تغتر على الله سبحانه وتعالى، اعرف مقدار نفسك، ولا تنظر للناس بحال احتقار، وإنما أنظر لهم برحمة الرحمة، عسى الله أن يرحمهم، عسى الله أن يتجاوز عنهم، عسى الله أن يأخذ بأيديهم من الخير. فادع الله ليل نهار: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، «هكذا كان دعاء الأنبياء والرسل لأقوامهم الأشقياء الكفار»، «ومع ذلك كان يدعون لهم»، «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». ومن صور، إخواني في الله، ذلك الغرور الذي يبتل به أهل الصلاح، أنهم لربما يظن الأصالح في نفسه والخير، سواء كان مصليا أو كان مستقيم أو كان ذاكرا لله، أنه سيبقى على هذا الخير إلى أبد الآبدين، سيبقى، وكأنه يرى أن هناك ضمان من الله يضمن لنفسه وعلى نفسه، فإنه على ثبات ما يتزحزح. بل لربما ظن بنفسه أنه من أهل الجنة لا محالة، وأن النار ما أظن سأدخلها، فقال الذهبي رحمه الله تعالى: «ومن لم يخش أن يكون من أهل النار، فهو من أهل الغرور»، «ومن لم يخش أن يكون من أهل النار، فهو من أهل الغرور»، «لأنه قد أمن من مكر الله»، «ومن يأمن من مكر الله؟»، «لا أحد»، «يا عبد الله»، «وإنما المسلم يخاف على نفسه»، «ولو كنت»، «يا عبد الله»، «قد بلغت من الإيمان مبلغا عظيما»، «تخاف تخاف أن الله عز وجل ينزع هذه الهداية من صدرك؟». وانظر، يا عبد الله، إلى حال من هو خير منك، من الأنبياء والرسل، أعطاهم الله ما أعطاهم من الفضائل والكرامات والمناقب، بل كانت لهم، يا، الأعمال الصالحة، الذي ما استطاع أحد منا أن يصل إليها، ومع هذا كله، كيف كان دعاؤهم؟ ما اغتروا على الله أبدا. كان من دعائهم: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا»، «لا تزغ قلوبنا»، «خوف ووجل ودعاء وتضرعوا إلى الله عز وجل»، «على أن الله ع