المتغيرات وموقف المسلم منها

المحاضرة بعنوان المتغيرات وموقف المسلم منها، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ ذو القعدة ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

ظهور الفتن وتأثيرها على الأمة الإسلامية

يتحدث عن التغيرات التي طرأت على الأمة وظهور الفتن وتأثيرها على دين الناس وعقولهم. يشير إلى أن هذه الفتن لم تكن موجودة في الصدر الأول للإسلام.

علامات الساعة وغربة الإسلام

يصف علامات الساعة وانتشار الفواحش والموبقات في آخر الزمان، ويشير إلى أن الإسلام سيعود غريبا كما بدأ، ويصف حالة المسلمين بالضعف.

غربة أهل السنة وانتشار الفرق الضالة

يتحدث عن غربة أهل السنة وانتشار الفرق الضالة والبدع، ويشير إلى أن النبي أخبر بظهور الاختلافات والفرق الضالة، وأن أهل السنة سيكونون غرباء.

تحذير من تغير الموازين وتكالب الأمم

يحذر من تغير الموازين وتولي غير الأكفاء للمناصب وتكالب الأمم الكافرة على بلاد المسلمين، ويشير إلى ضرورة إصلاح النفس لمواجهة هذه التحديات.

أهمية إصلاح النفس والتحلي بالتقوى

يشدد على أهمية إصلاح النفس وتهذيبها كخطوة أولى للتخلص من المتغيرات السلبية والوصول إلى الله، ويبين أن السيطرة على النفس تحقق الفلاح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فبا جذي بدء إخواني في الله، أشكر أخانا الفاضل والأستاذ النجيب الأخ بشير المليكي حفظه الله تعالى ورعاه على تذكيره لنا بمثل هذه الأحاديث النبوية، والتي ما ذكر بها أحد إلا ولها وقع في النفوس، وكيف لا، فهي من وحي السماء الذي أوحاه ربنا على نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. ثاني إخواني في الله عما يتعلق بموضوع المحاضرة، فإنه إخواني في الله، من نظر في مثل هذه الأزمان ومثل هذه الأوقات والأعصار وقارنها بما مضى مما سلف من الأزمان والأوقات، لرأى بينهما البون الشاسع والفرق الواضح. إذا هذه التغيرات التي حصلت والتي وقعت، فهذا الزمن إخواني في الله هو بحق زمن المتغيرات، فرق بين ما كان عليه الأوائل في صدر الإسلام وبين ما عليه الأمة في مثل هذه الأزمان، لا مقارنة ولا مساواة ولا موازاة. إن رأيت يا عبد الله التغيرات بين الأفراد والمجتمعات والجماعات، أو كانت تغيرات في دين المرء، أو في دنياهم، أو هكذا التغيرات على مستوى الفكر والعلم، وعلى مستوى الأعمال والمعاملات. التغيرات إخواني في الله حاصلة، بل نبينا صلوات ربي وسلامه عليه قد أطنب في هذا الباب وذكر الأحاديث الكثيرة الدالة على وجود التغير في أحوال الناس وأوضاعهم، وهكذا فيما عليه الناس من معايشهم، وهكذا من أعمالهم التي يتقربون بها إلى الله عز وجل. ومن أعظم إخواني في الله هذه المتغيرات التي طرأت وظهرت في هذه الأمة، وما كان الأمر كذلك في صدر الأول، من ذلكم ظهور الفتن، وظهورها، وانتشارها، ووقوعها. لم يكن كذلك في الصدر الأول، بل نبينا صلوات ربي وسلامه عليه كان يذكر أن من أعظم التغيرات التي ستقع في الأمة مثل هذه الفتن، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «لا تقوم الساعة كما في الصحيحين حتى تظهر الفتن». ذكر أن من علامات الساعة ومن دلالة على قرب قيام الساعة أن تظهر الفتن وأن تستفحل، وهكذا ما جاء في الصحيح من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على أطم من آطام المدينة فقال «هل ترون إلى ما أرى؟» قلنا «ما نرى شيئا يا رسول الله»، قال «إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر». وهذا إن دل على كثرة الفتن وعلى انتشارها، وعلى أنها لن تترك بيتا من وبر ولا مدر إلا ودخلته وغزته، وأعظم هذه الفتن يا عبد الله ما يتعلق بفتن الشبهات. من أعظم الفتن التي ظهرت وطرأت في مثل هذه الأزمان، فتن الشبهات التي تطرأ على دين العبد وعلى فكره وعلى عقله، فتؤثر في دينه تأثيرا بينا، لدرجة أنه يتقهقر ويتذبذب فيجد من الضعف ما يجده في دين الله. هذا إن كان على صلابة في دينه، وإلا من يبتلي بمثل هذه الشبهات، فحقه أن يرتد عن دين الله جل وعلا، أو أن يخرج عن الخير الذي كان فيه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام مبينا مثل هذا النوع من الفتن التي تقع في آخر الزمان، قال صلوات ربي والسلام عليه «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». تأمل يا عبد الله إلى حال هذا العبد، لربما كان في نهاره من أهل لا إله إلا الله، لكن لربما أتاه الآتي من الشبهات فتدخل إلى قلبه وجوفه فتصده عن دين الله جل وعلا، فما يدخل عليه المساء إلا وكان من أهل الكفر، قد ارتد عن دين الله، نسأل الله العفو والعافية. هذه فتن عباد الله قد انتشرت في مثل هذه الأزمان، الشبهات أصبحت لأرباب الباطل من المتنفس ما لم يكن لهم في الصدر الأول، وأعني بأرباب الباطل من أي دين كان، من يهودية أو نصرانية أو شيوعية أو ملاحدة أو زنادقة، وهكذا من أهل الفرق الضالة. هؤلاء في هذه الأزمان وجدوا من المتنفس ما لم يكن لهم في الصدر الأول، لو ربما من رفع رأسه ببدعة، لو ربما أقمعت كما كان عمر رضي الله تعالى عنه يقمعها في مهدها، وهكذا كان حال السلف، لو ربما إذا تكالبوا على رجل مبتدع أحرقوه لذلهم وهوانهم. لكن في هذه الأزمان أين التغير الذي حصل؟ بالعكس أصبحت الكلمة العليا وللأسف لأهل الباطل، لهم من الدول من تحميهم، لهم من الأموال الذي ينفقونها، لهم كذلك من الأتباع ومن الأصحاب، لهم من المراكز، لهم من المساجد، لهم من المنابر، لهم من القنوات ما استطاعوا فيه أن يغزوا الناس، ولو لم يكن بوجودهم هم في بلدانهم، ويبثون الشبه على بلاد المسلمين. وكم صد الكثير من الناس عن عقائد أهل الإسلام، من كان يصدق أن أناسا من الناس من أمة محمد من رضي بالله ربا أن يأتي عليه زمان فيكون من عباد الشيطان، من يتخيل هذا؟ قد وقع من تابع الأخبار، لربما في فترة ليست ببعيدة عنها حكم فئة من الشباب كانت التهم الموجه إليهم أنهم كانوا من عباد الشيطان، تخلوا عن الدين وأرتدوا ووقعوا في أعظم كفر في الوجود. بل حتى اليهود والنصارى يحاكمون أهل عبادة الشيطان، الذي ما عندهم لجميع الأديان إلا الإهانة والاستخفاف، والسب والطعن، ولجميع الأنبياء والرسل، هذا قد وجد في بعض بلاد المسلمين، أين هذا؟ هذا عندما استطاع أهل البدع وأهل أرباب الباطل أن يصلوا إلى بلاد المسلمين عن طريق الشبهات. وهذا إخواني في الله من التغيرات العظيمة التي طرأت ووقعت في مجتمعات المسلمين، وأيضا إخواني في الله من صور التغيرات والمتغيرات التي وقعت في زماننا، وما كان يُعهد هذا في الزمن الأول، ما كان من انتشار حالة الفساد والإفساد. تأمل يا عبد الله يمنة ويسرة في مجتمعات المسلمين، وقارن هذا بما كان عليه الصدر الأول، لرأيت البون الشاسع، الفجور والمجون، وارتكاب الكبائر والحرمات والمحرمات والموبقات. بل أصبح الواحد من أهل الإسلام من لربما يُجاهر بها، يُجاهر بالمعصية، يُجاهر بالذنب، وأخبر نبينا صلواته ربي وسلامه بمثل هذه المظاهر، كما جاء في البخاري معلق، وجاء عند غيره موصولة بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام «لا يستحلن أقوام من أمتي الحرة والحرير والخمر والمعازف». تأمل إلى تعبير السنة، قال عليه الصلاة والسلام «لا يستحلن»، قال علماء «الاستحلال العملي»، بمعنى أن هؤلاء يؤدون هذه الكبائر كما يؤدون شيئا حلالا، يستحلونها كأنها حلال، لا يجدون أي وازع في ارتكابها. الحرة: الزنا، يا عبد الله، كان ممن كان قبلنا إذا أراد أحد فكر في الزنا، كان من أعظم الذي يصده عن فعل الزنا كيف الوصول إلى الزنا؟ كيف الوصول إلى الزنا؟ هذا الذي يجعله يرتدي عن الولوج في هذه الفاحشة، لأنه لن يستطيع لها سبيلا. أين هو من الطرف الثاني الذي يشاركه؟ فإن ظهر بالطرف الثاني، أين سيؤدي هذه الفاحشة؟ وهو مراقب هنا وهنا، وخشة العار، لكن أين هذا في مثل هذه الأزمان؟ أصبح الزنا إخواني في الله يسير اليسور، فقط إن طرأ على قلب شاب أنه يريد الفاحشة، فإن أبواب مشرعة مفتوحة. في بعض الأماكن تذهب إلى بيوت مؤجرة لذلك، مرخصة من قبل الحكومات، تدفع المال اللازم، ثم تفعل وتفعل وتفعل ما شئت وكما شئت، أصبح الزنا فاشيا كأنه حلال، يستحلون الحرة والحرير والخمر والمعازف. وأما المعازف، فلا يخفاكم إخواني في الله الواقع الملموس، أصبحت المعازف تقرع في البيوت، في ليلها ونهارها، صباحها ومسائها، أقبل عليها الصغير والكبير، والذكور والإناث، كأنها حلال، بل حتى لو أن أحدا مننا أراد أن ينكر هذا المنكر، لأنكر عليه، ولربما نظر بنظرة إدهاش واستعجاب. مثلك ينكر مثل هذا الشيء، بل لدرجة الضغط في استشراء هذه الموبقة، على أن بعض من ينتمي إلى الدعوة الإسلامية من الدعاة، لربما وجد نفسه أنه يضطر إلى إمرارها بما يسمى بالموسيقى الإسلامية، وأن يعرج عليها، وأن لا يشدد فيها، وخاصة إذا كانت كلماتها بعيدة من الخنا، ولا بأس بآلات الطرب واللهو، إذا كانت خالية من كلام الغزل والحب. ومع ذلك إعزف ما شئت بهذه المعازف، وذلك إخوانا في الله من هذه التغيرات، ظهور الفواحش والموبقات، وهجومها على المجتمعات المسلمين، بل هناك من الدول من تحمي مثل هذه البيوت، بيوت الدعارة، وهكذا الحانات التي يباع فيها الخمور، والحراسة. بل وهناك قوانين، قوانين مشرعة لها، قوانين تشرع الفواحش في بلاد الغرب عندهم، إذا كان من القضايا أن رجل فعل بامرأة فاحشة، وفي المكان العام، أول سؤال يطرح عليهم «أهناك إلزام أو إكراه؟» فإذا وجد «لا إكراه لا من هذا ولا من هذا»، وأن الفعل كان برضى الطرفين، يفرج عنهما ويسرع عنهما، فإن هذا مما يحميه القانون. إذا كان برضى هذا ورضى ذاك، فافعل ما شئت يا عبد الله، وهذا أخواني في الله من التغيرات العظيمة، ولهذا جاء كذلك في السنن، قال عليه الصلاة والسلام «من أشراط الساعة ظهور الزنى وشرب الخمر». وأيضا جاء كذلك على بن مسعود في السنن، قال عليه الصلاة والسلام «إن بين يدي الساعة قطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان الشهادة» إلى غير ذلك مما أخبر عنه نبينا صلوات ربي والسلام عليه، إلى أن من أعظم المتغيرات التي تقع في هذه الأمة، هذه الحالة من حالة الفساد والإفساد. الدال على ضعف الإيمان، على ضعف الإيمان، وعلى قلة الورع الذي سيحل في هذه الأمة في آخر الأزمان، وأيضا إخواني في الله من هذه المتغيرات التي أشار إليها الشرع، والذي نرى بأعيننا، ما كان من أمر الغربة، من أمر الغربة، نبأها نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، بقوله كما ثبت في الصحيح، قال «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ». تأمل يا عبد الله في هذا الطرف من هذا الحديث، «بدأ الإسلام غريبا»، لو أن الواحد مننا تصور كيف كان الإسلام في بداية أمره، لعلم بشدة الغربة، لعلم بشدة الغربة، ثم تأمل يا عبد الله كيف أن النبي أخبر أن ما كان عليه الإسلام في بداية أمره سيعود في آخر الزمان، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبا للغرباء. وهذا الحال يا إخواني في الله من أعظم المتغيرات، لأن الإسلام بعد ذلك انتشر، انتشر، وأصبح له دولة، دول، وأصبح له كذلك صولة وجولة، واستطاع أن يصل إلى مشارق الدنيا وإلى مغاربها، لكن هذا وثم بعد ذلك نرى الإضمحلال، نرى القهقرة، نرى الضعف والاستضعاف الذي حل في الأمة. حتى تجد أن القليل من يتمسك بدين الله جل وعلا، قال عليه الصلاة والسلام «ليأتين على الناس زمان القابض على دينه الصابر على دينه كالقابض على الجمر»، فهذا الحال موجود، ليأتين على الناس زمان الصابر على دينه كالقابض على الجمر. أنت يا عبد الله لربما تشعر بهذا، تشعر أنك تصل إلى حالة كأنك قابض على جمر، تريد أحيانا أن تتفلت من الاستقامة، ثم ترجع، تتفلت من الاستقامة، ثم ترجع، تتفلت ترجع تتفلت قابض على جمر، ما يمكنك الأوضاع، ما تعينك على طاعة الله، الظروف ما تعينك، البيئة ما تعينك، لشدة البلاء، لشدة الشهوات، لشدة الفتن التي تعتريك. تجد أنسان يقع في ضعف، وفي خور، وفي استكانة لدين الله جل وعلا، كأنه قابض على جمر، إذا تمسك واسترسل في التزام، ولكن يمسكه على غضب، على مضض، على شدة، على صعوبة، على كلفة، على مشقة، وهذا أخوة الذي وقع، والذي يقع، وهذا من أعظم المتغيرات. علي بن المديني رحمه الله تعالى أتى بعبارة، قال «ما قام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قام به أحمد بن حنبل»، قيل «يا أبا الحسن رحمك الله ولا أبو بكر الصديق؟»، قال «ما قام أحد بعد رسول الله ما قام به أحمد بن حنبل»، فقيل «يا أبا الحسن رحمك الله ولا أبو بكر الصديق؟»، قال «إن أبا بكر وجد أعوانا وأصحاب، أما أحمد فما وجد صاحب ولا معين». لم يكن له صاحب ولا معين، هنا الغربة، هنا الغربة، كأنك يا عبد الله تدخل في أمور الدين، ولا تجد من يعينك على أمر الدين، الإمام أحمد من كان معه كان لوحده، كان لوحده، من كان معه منه من قتل، ومنه من سكت، فبقي لوحده، لا بل كان بل هم رحمه الله تعالى على التراجع، وعلى القول ليس عن اعتقاد، لكن عن إكراه. لكن ما وجده متسع، فصبر وكابد، وكان يضرب، يضرب، ويجلد، وكان مكبل بالسلاسل، ومن قرأ في سيرته يرى العجب العجاب من صبر هذا الإمام الهمام رحمه الله رحمة واسعة، فما كان له معين، ولا كان له صاحب، فصبر وثاب حتى نصره الله، فكان إمام أهل السنة بحق وصدق، رحمه الله رحمة واسعة. هذه الغربة يا عبد الله، وهذا الذي نعيشها في هذه الأزمان، لربما تذهب إلى بلدة ما تجد لها صاحب، ما تجد لها من يعينك يا عبد الله على دين الله سبحانه وتعالى، تجد أنك الموحد الوحيد في بلدتك، وباقي الناس في براثن الشرك، ذاك الذي يستغيث بالأولياء، وذاك الذي يستنجد بالقبور، وذاك الذي يتمره أمام الأضرحة، وأنت لوحدك، أنت الموحد الوحيد، لوحدك، هذا موجود. كذلك البدع والمحدثات، وهكذا قس، وهكذا قس يا عبد الله، واعلم يا عبد الله أن من أعظم الناس غربة من كان مستمسكا بالسنة، وهذا من أشد الناس غربة، تجد أن المستمسك بالسنة تجده غريبا، ولو كان بين أهله، ولو كان بين إخوانه، ولو كان بين عشيرته وقبيلته، تجده في غربة. ولهذا ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال «ليأتين على الناس زمان المتمسك بسنته عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر»، وهذا الحديث يحسنه شيخ الألباني في السلسلة الصحيحة بشواهده «ليأتين على الناس زمان المستمسك بسنته عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر». وهل قربة موجودة؟ تسأل عن بعض القرى هنا وهنا، ولنذا بعيدا يا عبد الله في التخير والتصورات، بل نحن في هذه البلاد، إن سألت عن بعض القرى «هل هناك أحد من أهل السنة يستقبل أهل السنة؟» قالوا «لا أحد هنالك»، «لا أحد هنالك من السنة ممن يستقبل أهل السنة»، فضلا أن يرفع راية السنة في تلكم البلدة، خمدت وذهبت، ولا تجد أحد يدافع، ولا ينافع، فضلا أن يستمسك بها. قال إمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، هو يتحدث عن ذهاب السنة، وعن غيابها، وعن ذهاب الدين، قال رحمه الله تعالى «ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى أنه لا يبقى في البلد منهم لا رجل ولا رجلين»، لا يبقى أحد بالبلد منهم لا رجل ولا رجلين، لا تجد أحدا أبدا من أهل السنة. وهذه هي الغربة يا عبد الله التي أخبر عنها نبينا صلوات ربي والسلام عليه، والتي نعيشها في هذه الأزمان، وهكذا يا عبد الله من المتغيرات التي اضطرأت وظهرت في مثل هذه الأزمان، ما كان من ظهور الفرق، بل قبل هذا من ظهور الاختلافات والآراء، وانقسام الناس إلى مذاهب، وإلى تصورات، وإلى تخيلات، فيما بينها من الفرق الواضح الاختلاف. إخواني في الله، نعم قد وقع قد وقع في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن كانت الاختلافات يسيرة، قليلة، وكان النبي سرعان ما يأتي، وماذا، ويحسمها في بداية أمرها، كما وقع بين أصحابه اختلافهم في باب القراءات، وأيضا اختلافهم في باب القدر. كما جاء عند إمام أحمد رحمه الله تعالى، أن النبي خرج على الصحابة، وهم يتنازعون في القدر، ذاك يأخذ بآية، وذاك يأخذ بآية، فظهرت الكراهة في وجه النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال الراوي «فكأنما تفقأ في وجه حب الرمان»، ثم قال «أبهذا أمرتم؟ أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟» غضب نبينا. لكن هذه خلافات تظهر، لكن يسيرة، وتحسم، لكن انظر يا عبد الله في هذه الأزمان، كم هي الاختلافات؟ وكم هي الآراء؟ حتى ولدت لنا هذه الاختلافات فرق، ليس فقط رأي، بل أصبح فرق، فرق هنا، وملة، ونحلة، وطوائف، وجماعات، وتيارات، وتنظيمات، ما بينها فيما بين من التكفير، ومن استحلال الدماء، وهتك الأعراض، ما لم يتصور في حال. وقد أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه المتغيرات، فقال صلوات ربي وسلامه عليه «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، أخبر نبينا على أن هذه الفرق المتهالكة والمحتجدة على أبواب جهنم، لم يسلم منها إلا فرقة واحدة، وهي التي نجاها ربنا سبحانه وتعالى. فانظر يا عبد الله إلى هذه الفرق، ثلاث وسبعين فرقة، وليس هذا فحسب، لا تظن أن الثلاث وسبعين هي التي ستقف عندها الحال، نعم حاول بعض العلماء قديما من حصر هذه الفرق الضالة، وجعلها في مؤلف، وأغلق الكتاب، وقال «ها هي»، لكن العلماء خطأوا، ليس هذا بصحيح، لما؟ لأن الفرق أصبح تتولد، تتوالد، تتوالد. أتجد أن الشيعة مثلا أو الرافضة تعد فرقة واحدة، لكن هي رأس، وبعد ذلك تتفرع رؤوس كثيرة، الاثنى عشرية، وهي من الغلاة، ثم من أيسرها وأسلمها الزيدية، تعتبر من الفرق الشيعة، ففرق كثيرة، الخوارج كذلك هم فرق شتى، كما ذكر ذلك ابن حزم رحمه الله تعالى، هناك الأزارقة، هناك الصفارية، بل هناك الأباضية، محسوب من فرق الخوارج. وهكذا يا عبد الله، كذلك المتصوفة الصوفية، هناك الغلاة، وهناك من دون ذلك، مما بدعه متعلقة ببدعة الأعمال، وبدعة المواسم، والسلوك، فتختلف البدع، تنتشر الفرق، تنتشر، فتخيل كمية الفرقة، لو أردنا ماذا أن نفصل كل فرقة، ولدت فرق، كل فرقة أتت بطوائف، وجدنا مئات الفرق، مئات الفرق. وزد على ذلك يا عبد الله مع هذا الركام العظيم من الفرق الضالة، زد عليها ما لا يحسب من الفرق الضالة، من الفرق الكافرة، من الفرق الباطنية، كالبهائية، والإسماعيلية، والقديانية، وزد على ذلك وهنا ما يحسبون، لكنها فرق ضالة، وزد على هؤلاء ومع هؤلاء الفرق اللادينية، من الشيوعية، والعلمانية، والناصرية، والبعثية، واليسارية، وكذلك يترك من الفرق الماركسية، كم وكم هذه فرق موجودة يا عبد الله؟ وكلها سهامه على عقائد أهل الإسلام، سهامه على عقائد أهل الإسلام، وكلهم يخطط في ليله ونهاره، عل وعسى أن يغفر بشيء من أبناء المسلمين، يرجعهم إلى ما هو عليه، فهذا يحاول، وهذا يحاول، وهذا يحاول، وهذه الأزمان إخوانا في الله وجدنا أن من أمثال هؤلاء من عنده الحماية، من عنده كذلك القوة والنفوذ، إلى أنه ماذا يستولي على عقائد المسلمين، ويضيع بعضهم. هذا إخوانا في الله من أعظم التغيرات التي حلت في هذه الأمة، وأيضا إخوانا في الله من التغيرات والمتغيرات، والتي وقعت في هذه الأزمان بعامة، ما عليه الناس من انتكاسة المفاهيم، واختلال الموازين، وانتكاسة الأفهام، أصبحت الأفهام معكوسة، والموازين مقلوبة. أصبح ما هو محمود في الشريعة مذموما، وما كان مذموما في الشريعة أصبح محمودا، وقد أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بمثل هذه الظاهرة، فقال عليه الصلاة والسلام «قبل الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الويبضة»، قيل «ومن رغبئ ريبضة يا رسول الله؟»، قال «الرجل التافه يتكلم بأمر العامة». تأمل في هذه المعاني، «قبل الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق»، تجد أن الناس يجنحون إلى أهل الكذب، وإلى أهل الافتراء، ويجعلونهم الصفوة في دين الله سبحانه وتعالى، وبالمقابل يأتون إلى أهل الصدق، وإلى أهل الأمانة، فيخونونهم، بل ويبعدونهم عن منازلهم التي هم يستحقون في الريادة والرئاسة والقيادة. وهذا الذي نجده في هذه الأزمان، بل أخبر نبينا عن نطق الرويبضة، من الرويبضة؟ «الرجل التافه يتكلم بأمر العامة»، رجل سفيه، حقه إن تكلم يتكلم كما يقال في المقاهي أو الدكاكين، هذا مجاله، أم عندكما يقال عند من أمثاله من الناس الذي لا يعقل؟ أما أن يرفع من مقام هذا المخلوق، وهو على هذه السذاجة في العلم، ثم يرفع إلى درجة العليا، هذا إخواني في الله من أمارات الساعة، ودلالة كذلك على انقلاب الموازين، واختلاف المعايير عند الناس، وهكذا إخواني في الله مما أخبر به نبينا صلواته ربي وسلامه عليه مما يدل على اختلال الموازين. ما جاء كذلك في البخاري في الصحيح، عندما أخبر عليه الصلاة والسلام عن قيام الساعة، قال عليه الصلاة والسلام «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، فقال «وكيف إضاعتها؟»، قال «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، وهذا كذلك يدل على اختلال الموازين والأفهام عند الناس. أنه يوسد الأمور، سواء كانت الولايات العظمى، أو الولايات الصغرى، أن توسد إلى من ليس لها أهل، من ليس لها أهل، ونحن نجد، تجد مديرا مثلا صاحب إدارة، ووصل إلى هذا المنصب، أو رجلا وصل إلى درجة المحافظ، أو غير ذلك، ثم تنظر إلى مؤهلاته العلمية، تجد أنه لا يستحق أن يصل إلى هذا الحد. وجد ممن يصل إلى مراتب العليا، وهو لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، هذا وجد، وليس هذا من المجازفة، بل هذا حقيقي، وجد ممن ترأس على أعلى مقامات الدولة، في بعض الأماكن، الدولة من الحكومات، والزعامات، والرئاسات، أنه لا يحسن لا القراءة ولا الكتابة. ومن المضحكات المبكيات ما يكون في أمر بعض الدول، أن ربما كان رجلا وزيرا للرياضة، ثم حول إلى وزير الأوقاف، حول من هنا إلى هنا، فبالله عليك من الذي عنده الرياضة حتى يتحكم في أمور الدين والشريعة؟ هذه المهزلة بعينها، هذه المهزلة بعينها، إذا وسد الأمر إلى غير أهل، فانتظر الساعة، باللعب بماذا سيحكم؟ هؤلاء الذين ما يفقهون في دين الله سبحانه وتعالى بشيء، وهذا كان المأساة، وهذا الذي يقع الآن في هذه الأزمان، لربما الأخيار في نفوس من الضيم والظلم ما الله به عليم، إذ يجد الأخيار أنه ينبغي من أمثاله، ومن كان على شاكلته أن تساد إليهم الأمور، لأنه من أعرف الناس بأمر الدين، من أعرف الناس بحق رب العالمين، من أعلم الناس بحقوق المسلمين. كانت ينبغي الأمور تصار إليهم، حتى يحكموا بشرع الله عز وجل، لكن تجد أن الأمور تأول إلى غيرهم، ممن هم كذبة، ممن هم مرتزقة، ممن هم من أبعد الناس عن دين الله جل وعلا، وهذا إخواني في الله من أعظم المتغيرات، ولهذا ثبت كذلك في صحيح مسلم، في حديث رفع الأمانة، وهو الطويل. ثم ذكر نبينا في آخر الحديث من حال الناس، ومن تغيرهم في آخر الزمان، أنهم يقولون لرجل ما يقولون لرجل ما «ما أجلده؟ ما أضرفه؟ ما أعقله؟»، قال عليه الصلاة والسلام «وليس في قلبه حبة خردل من إيمان»، رجل ليس بشيء في دين الله، ومع ذلك انظر لانبهار الناس به «ما أجلده؟ ما أضرفه؟ ما أعقله؟»، ما أجلده بمعنى ما أقواه؟ ما أصبره؟ ثناء ومدح، وكما يقال الإطراءات بمثل هذه الإطراءات لرجل، قال عنه نبينا عليه الصلاة والسلام «وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان»، أي صفر على الشمال كما يقال، ومع ذلك هذا محله، ولهذا إخواني في الله للأسف نجد هذه المتغيرات واضحة، جلية، بينة. وأكد إخواني في الله من المتغيرات ما وقع من تكالب الأمم الكافرة على بلاد المسلمين، تكالب الأمم الكافرة على بلاد المسلمين، ولا يخفاكم ما يتعلق بأمر الاستعمار، كيف أنها أصبحت توزع بلاد المسلمين كما توزع هذه الأكلة، وهذا المصباح، ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام «تتكالب عليكم الأمم كما تتكالب الأكلة إلى قصعتها». ومن درس الجغرافية، أو من درس التاريخ، الوطن للوطن العربي، لا تذكر تلكم الخارطة، ولا زلنا تذكرها، تلك الخارطة للوطن العربي، وقد صبغت بألوان، أحمر، وأصفر، وأخضر، وأزرق، وكل لون كناية عن دولة، إيطاليا بلون، وبريطانيا بلون، وفرنسا بلون، ودول وطن العربي كله قد أصبغ. ما ذهب من الاستعمار إلا النزر اليسير من بعض دول عربية، وإلا الباقي باع الدول العربية قد صبغت بألوان، دلالة على أنها مستعمرة لليهود والنصارى، تكالب الأمم، الظل والهوان الذي حل بهذه الأمة، حتى أصبحت كما يسمى بتركة الرجل العجوز، بتركة الرجل العجوز. ثم زد على ذلك التبعية للغرب والشرق، والذي وقع لأبناء المسلمين، حتى أن الواحد منهم يفتخر بتبعيته لليهود والنصارى، إما تبعية عقائديا، أو تبعية كذلك حتى بالشكل، يفتخر بشكله، أو بلبه كما قال بقصة شعره، أو لبسة بانطاله، وغير ذلك مما أخبر عن نبينا بقوله «يتتبعون سنن من كان قبلكم، حذر القدذ بالقذة، وذراعا بذراع»، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. الحاصل إخواني في الله، المتغيرات كثيرة، وكثيرة جدا، لكن بقي ما هو الحل؟ ما هو المخلص؟ ما هو النجاح من هذه المتغيرات؟ تلاحظ أن هذه المتغيرات على اختلاف صورها وأشكالها، إلا أنها تهدف إلى أمر واحد، إلى انحراف المسلم عن دينه، وعن عقيدته. فالمسلم إخواني في الله، إذا هذه المتغيرات إذا بقي مكتوف اليدين، وينظر، ويلتفت معا، ويتأمل في هذه المتغيرات، فما يدر إلا وقد اكتسحتهم مثل هذه الأمواج، أمواج المتغيرات، فأصبح ضحية من ضحاياها، إن نجى من فتن شبهات، لربما وقع في الشهوات، وإن سلم من هذه، وذاك، ربما ابتلعته كذلك فتن الفرق الضالة، أو لو ربما كان معكوس الفطرة، منكوس الرأي. ولهذا إخواني في الله لابد للمسلم أن يفهم ما الذي ينبغي عليه أن يؤديه أمام هذه المتغيرات، أولى هذه الأمور إخواني في الله الذي ينبغي أن يهتم بها في مثل هذه الأزمان، ونحن في زمن المتغيرات، الاهتمام بإصلاح النفس، الاهتمام بإصلاح النفس، وبتهذيبها. هذا يا عبد الله الذي ينبغي أن يكون من الخطأ الجسيم أنك تعيش يا عبد الله في هذا المعترك، في هذا الخضم من المتغيرات والحوادث والمستحدثات، وأنت يا عبد الله لا تراجع نفسك، وهي على ضعف في تديونها، وعلى كذلك هزال في التزامها واستقامتها. فأنت يا عبد الله في هذه الحالة، لأنت من أول الناس عرضة للانحراف عن دين الله جل وعلا، وزد على ذلك، وكيف إذا علمت أن النفس أنها مائلة لمثل هذه الأشياء، هي النفس تميل لمثل هذه الأشياء، النفس تميل إلى الانحراف، قال ربنا جل في علاه عن قول صاحبة يوسف «وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء». تأمر وتأزك، أزن يا عبد الله، إذا النفس إذا خليت عن العوامل، هي بهذه المثابة، فكيف إذا اجتمعت هذه العوامل عليك يا عبد الله؟ إذا لابد على أن الواحد مننا إذا أراد أن يخلص، ويتخلص من هذه المتغيرات، عليه بإصلاح نفسه، وهذا بإجماع العلماء من أهل التربية والسلوك. فقد اتفق السالكون على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، اتفق السالكون على أن النفس قاطعة بين الرب وبين الوصول إلى القلب، وقال بعض العارفين «من ظفر بنفسه أفلح وأ