أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 6

أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 6

الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعظيم السنة في دعوة النبي

يتناول هذا الفصل أهمية تعظيم السنة في دعوة النبي محمد عليه الصلاة والسلام وكيف كان النبي يغرس الثقة في قلوب الناس. يشدد على وجوب محبة النبي وتقديمه على النفس.

وجوب تعظيم مقام النبي

يتحدث هذا الفصل عن أهمية تعظيم مقام النبي من خلال محبته وطاعته وتصديقه، مستدلاً بالأحاديث والآيات القرآنية. يبين أن محبته يجب أن تكون مقدمة على محبة النفس وغيرها.

التحاكم إلى سنة النبي

يشرح هذا الفصل وجوب تصديق النبي في كل ما أخبر به والتحاكم إليه في كل الأمور، ويعتبر ذلك دليلاً على تعظيم مقامه والإيمان الصادق. يشدد على أهمية اتباع سنته وعدم اتباع الأهواء.

ختام الدرس واستكمال الموضوع

تم في هذا الفصل ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي، مع الإعلان عن استكمال الموضوع في الدرس التالي. يشير إلى أن الدرس المقبل سيكمل ما بدأه هذا الدرس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لا زلنا إخواني في الله في هذه الدروس المقامة في مثل هذه الأوقات، نتدارس وإياكم فيها ما يتعلق بأهم أسس دعوته عليه الصلاة والسلام. وأشرنا إلى الركيزة الأولى في الدروس السابقة، وهي العناية بأمر العقيدة والتوحيد، وأشرنا بما فيه الكفاية والغنية من عظيم عنايته عليه الصلاة والسلام بهذا المعلم. ننتقل في هذا اليوم، بإذن الله، إلى ركيزة أخرى من أهم ركائز دعوته عليه الصلاة والسلام، والذي اعتنى بها عليه الصلاة والسلام عناية عظيمة، بل إنه قد بذل عمره في سبيل تحقيق هذه الركيزة، ألا وهي ما يكون من تعظيم السنة. هذا المبدأ وهذه الركيزة التي أخذت من نبينا عليه الصلاة والسلام عمرًا طويلاً مديدًا، بدءًا من أوائل حياته عليه الصلاة والسلام. فمما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم، حين نزل عليه قول ربنا عز وجل ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، وهي من أوائل ما نزل عليه، ارتقى على جبل الصفا، ثم أخذ ينادي بطون قريش: يا بني عدي، يا بني فهر، يا بني فلان، ويا بني فلان، حتى تجمع الناس عنده عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «يا أيها الناس»، لو أخبرتكم بأن خيلاً ستغير عليكم -أي تهاجمكم-، هل أنتم مصدقي؟ أو في رواية: «أم مصدقي أنتم؟» قالوا: «ما جربنا عليك كذبا، أنت كل ما يأتي منك صدق». فقال عليه الصلاة والسلام: «فإني نذير بين يدي عذاب شديد». فنفر الناس، حتى قال عمه أبو لهب حينها: «تبا لك، لهذا جمعتنا». أشهد أن هذا الموقف، والذي من أوائل دعوته عليه الصلاة والسلام، أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يغرز في قلوب الناس، في أول بعثته، ما يتعلق بضرورة الوثوق به: «لو أخبرتكم بأن خيلا ستغير عليكم، أم صدقي أنتم؟» ضرورة الثقة والتصديق بمقامه عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلكم، انطلق نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته، وكانت الآيات والأحاديث تتنزل على هذا الأصل العظيم. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو يذكر عظيم هذا المقام: «قد أمر الله بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضع من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن مخالفته بمخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا وذكر معه عليه الصلاة والسلام». فهذا مقامه، وهذا جنابه عليه الصلاة والسلام. وإن في هذا المقام، إخواني في الله، وتحت هذه الركيزة التعظيم لمقام السنة، سأذكر بإيجاز شيئا من الثوابت والأصول التي بها ندلل على عظيم هذا المعلم من معالم دعوته عليه الصلاة والسلام، وهي تأول كلها إلى تعظيم مقامه عليه الصلاة والسلام. التعظيم الشرعي من هذه الأشياء، إخواني في الله، أولا: ما يتعلق بوجوب محبته. فالنبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يحب، حبه حتم واجب وفرض لازم على كل مسلم ومسلمة. قال سبحانه: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم». هذه منزلته، وتربي وسلامه عليه: «أنه أولى من نفسك التي بين جنبيك». لو خيرت بين رسول الله وبين نفسك، اختر الرسول. اختر النبي. «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم». وقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فهذه محبته عليه الصلاة والسلام. فجميع المحاب ينبغي أن تذاب أمام محبته. محبة الوالد والولد، ومحبة الزوج والصديق والقريب، ما هناك محبة توازي أو تداني محبته عليه الصلاة والسلام. وعندما جاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: «يا رسول الله، والله إنك لأحب إليه من كل شيء إلا من نفسي». صراحة: «إلا من نفسي». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يا عمر، لا، ما ينفع هذا، تستثني نفسك». لا. قال: «لا يا عمر». فقال عمر رضي الله تعالى حينها: «والذي نفسي بيده، إنك والله لأحب إليه من كل شيء، حتى من نفسي». قال نبينا الآن: «يا عمر، الآن هذا الذي ينبغي عليه أن يكون». الخلص من عباد الله أن يظهروا مدى حبهم وتفانيهم في مقامه عليه الصلاة والسلام. ولعظيم هذا المقام، ولفضائله الكثيرة، أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن طعم الإيمان لا يذوقه إلا من حقق هذا المقام. فجاء في الصحيحين، من حديث أنس: «ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان». وذكر فيما ذكر: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». إذن، هذا فيه التعظيم لمقامه. كذلك مما يدلل به على التعظيم لمقامه عليه الصلاة والسلام، ما جاء من وجوب طاعته، صلوات ربي وسلامه عليه. فهو نبي مرسل، يطاع فلا يعصى. يطاع فلا يعصى. وقد جاءت الأدلة الكثيرة. وقد مر معنا في عبارة شيخ الإسلام: «من أكثر من ثلاثين آية من القرآن، قد تتابعت على ضرورة طاعته عليه الصلاة والسلام». قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾. وقال الله: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾. وقال تعالى: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾. وقال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. وقال تعالى: ﴿وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾. والأدلة كثيرة جدا، فيها بيان على أن من أعظم ما يعطاه مقامه عليه الصلاة والسلام: الإذعان له بالطاعة، وعدم المخالفة. لأن طاعته في الحقيقة هو طاعة لربنا، كما قال سبحانه: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. وقد جاءت في هذا المقام الفضاء الكثير أيضا. قال عليه الصلاة والسلام: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». الكلمة سهلة. لو سألنا ناسا: «هل أنتم قد أذعنتم بمقام الطاعة لرسول الأنام؟» قالوا: «نعم، وألف نعم». لكن ننظر إلى الواقع. من الذي جند نفسه لهذه الخصلة إذا تعارض طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام مع طاعة نفسه وهوى وطاعة نفسه ومشتهى؟ أيهما يقدم حينها؟ يا عبد الله، انظر لحالك. ثالثا، مما يذكر ويدلل به أيضا على بيان تعظيم مقامه عليه الصلاة والسلام: تصديقه فيما أخبر، في كل ما يتحدث عنه ويتحدث به عليه الصلاة والسلام. ينبغي أن يقبل من غير نقاش ولا شك ولا تردد ولا ارتياب. قال سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. كلامه وحي منزل، لا يقابل بالتردد. فنصدق ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام، سواء كان ما حدث عنه عن الأخبار الماضية، وعن الأمم السحيقة، وهكذا. نصدق بما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام عن أمور مستقبلية، كأخباره عن أشراط الساعة، وعن ما يقع قرب قيام القيامة. ونؤمن ونصدق بكل ما حدث به عن الجنة والنار، أو ما يقع في الحياة البرزخية، من أن ما تحت الثراء إما حفر من الجنان، أو حفر تمتلئ بالنيران. فكل ما أخبر به، نؤمن ونصدق به عليه الصلاة والسلام، سواء وافق العقل أو لم يوافقه، أو وافق الواقع الملموس أو لم يوافقه. نحن إذا خيرنا بين واقع الناس وبين خبر الرسول، فخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عندنا حق، لأن خبره صدق. وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم لابن عمر: «أكتب كل شيء عني؟» فقال: «نعم». فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه -وأشار إلى فمه- إلا حق». فمما دل عليه نبينا، دلال على تعظيم مقامه: تصديقه في كل ما أخبر به. وهكذا أيضا مما يدلل به على عظيم مقامه عليه الصلاة والسلام: ما يكون من ضرورة التحاكم إليه، الرجوع إلى سنته في حياته وبعدما مات عليه الصلاة والسلام. بل هذا مما يظهر فيه سيمة أهل الإيمان، ونعلم من الصادق في إيمانه لرسول الأنام. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾. هذه العبارة التي ينبغي أن يرددها أهل الإسلام إذا ألزموا بالتحاكم إلى سنة نبي الأنام عليه الصلاة والسلام، ما يزيدون عن قولهم: «سمعنا وأطعنا». ضرورة التحاكم إليه، لا نتحاكم إلى أهوائنا وإلى شهواتنا، ولا إلى عاداتنا وتقاليدنا، بل نتحاكم إليه، إلى سنته في حياته وبعد ما ماته. قال ربنا جل فعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. أخبر ربنا عز وجل أن الإيمان لن يتم ولن يكمل لأي أحد مننا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى﴾ أي حتى نؤدي هذا القيد، ونأتي بهذا الشرط. ما هو؟ ﴿حتى يحكموك﴾ من؟ يا رسول الله. في ماذا؟ في كل ما شجر. قال المفسرون: أي في كل ما يحصل به خلاف. أي شيء يقع فيه خلاف بين الناس؟ في أحوالهم العامة، في أحوالهم الخاصة، في الأمور الاقتصادية، في الأمور السياسية، في الأمور الاجتماعية، بين الراعية، بين الرعية. الكل ينبغي أن يرجع، ثم قال: ﴿فيحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾. لأن أحيانا التحاكم إلى سنته يعود عليك بأنك مقصر، بأنك مخطئ، بأنك غير مصيب. فإذا جاء اللوم عليك حينها، لا تغضب ولا تأنف، وإنما تقول: «سمعنا وأطعنا». فلا يقع في نفسك حرج. وهذا على كل أحد من أهل الإسلام. عاشا عاشا أهل النفاق، فهم لا يبالون بالتحاكم إليه، لا من قبل ولا من بعد. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذه الخصلة، وهي خصلة التحاكم إليه، مما جاءت به القرآن والسنة، دلالة على عظيم مقامه. فهذا، إخواني في الله، أربعة دلائل بها يدلل على تعظيم مقامه عليه الصلاة والسلام: بما يكون من وجوب محبته، والالتزام بطاعته، وبتصديقه بكل ما أخبر به، وأيضا بضرورة التحاكم إليه. وبقيت كذلك بعض المسائل، نرجي الحديث عنها دلالة على هذه الركيزة العظيمة التي أتى بها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته وفي حياته. نستكملها بإذن الله في درس غد. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.