الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز المقطع الأول أهمية التوحيد والعقيدة في دعوة أهل السنة والجماعة وجهودهم في الدفاع عن التوحيد. يشير إلى دورهم في تعليم التوحيد للأجيال.
يُظهر المقطع الثاني اهتمام أهل السنة بالتوحيد وتعليم العقيدة الصحيحة منذ الصغر، بينما ينتقد الفرق الأخرى التي لم تولِ التوحيد الاهتمام الكافي.
يُناقش المقطع الثالث أهمية التوحيد في دعوة أهل السنة والجماعة، ويقارن بين منهجهم ومنهج الجماعات الحزبية السياسية التي لا تُولي أهمية للتوحيد.
يتضمن المقطع الأخير دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لا زلنا إخواني في الله في ذكر الركيزة الأولى من ركائز دعوته عليه الصلاة والسلام، ألا وهو الاهتمام بالعقيدة والتوحيد. وأشرنا في الدرس الأول ما يتعلق بأهمية هذا الباب في ملة الإسلام، ثم كان حديثنا في الدرس الثاني عن مدى عناية نبينا عليه الصلاة والسلام بالعقيدة والتوحيد في دعوته عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها. ونحن في هذا المقام، إخواني في الله، سننظر إلى أحوال الناس في عنايتهم بهذه الركيزة العظيمة. ننظر إخواني في الله إلى دعوة أهل السنة والجماعة، والذين قد تفطنوا لما قد مضى من المسائل المهمة، ولعظيم شأن التوحيد في الدين والملة، فقاموا به خير قيام. قاموا بدعوة الناس إلى توحيد الله بلا كلل ولا ملل، يظهر ذلك جليا في عدة أمور، منها ما كان في مؤلفاتهم ومصنفاتهم، إذ أنهم ألفوا الكثير والكثير من الكتب والمجلدات والمطولة والمختصرة، منها ما هو منظوم ومنها ما هو منثور، قديما وحديثا، لا زالوا يؤلفون في مجال العقيدة والتوحيد، بيانا لعظيم عنايتهم بهذا الباب. كذلك ما كان من ردهم والردود على المخالفين ممن سوت له نفسه أن يعبث بهذا الباب، فتصد أهل السنة والجماعة بالرد على المخالف كائنا من كان، فألفوا في حقه الردود، وبينوا باطله وأظهروا عواره، فكان بذلكم النفع العظيم، كل ذلك من باب الدفاع عن عقيدة الله وعن توحيد الله سبحانه وتعالى. بل إن الأمر قد يصل عندهم، عند أهل السنة والجماعة، لأهمية التوحيد عندهم، أنهم لربما حملوا السلاح، وقاتلوا الخصوم إن كان ولابد من قتالهم. ولنا عبرة في دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، حين رأى أن أعداء التوحيد قد تجلدوا وتجندوا في نشر باطلهم والصد لدعوة التوحيد ونشر الشرك في أرجاء أوطانهم، حينها ما وجد بدا رحمه الله إلا من رفع السلاح عليهم. كل ذلك دلالة على مدى عناية أهل السنة بمقام التوحيد. ومما أحب أن أشير إليه، إخواني في الله، أن أهل السنة والجماعة هم في هذا الباب بصدق، هم حراس العقيدة وهم حماة التوحيد. جلدوا أنفسهم وفرغوها لهذا المقصد الشريف، فما إن يجد أحدا يمس جانبا من جوانب التوحيد إلا قاموا عليه. بالأمس عندما قام أعداء الدين بالمساس بتوحيد الأسماء والصفات من الممثلة والمؤولة والمفوضة، قام أهل السنة والجماعة عليهم كقومة رجل واحد، من كل حدب أو من كل جانب، فانهالوا عليهم ردا وتفنيدا حتى أنهوهم وقضوا عليهم. وحديثا، عندما جاء من جاء ومس جانبا لتوحيد الألوهية، وأخذ يشكك في هذا التوحيد، وأخذ يعبث في معالمه، وأخذ يجر الناس إلى توحيد غير الله جل في علاه، بصرف الطاعات والعبادات إليه، كذلكم قام أهل السنة في أزمانهم وفي كل أوقاتهم، بضرب بيد من حديد لمن عبث بهذا المقام العظيم، فكانوا هم حماة العقيدة وحراس التوحيد. لله درهم. ومما يدلل به أيضا على أهمية التوحيد في دعوة أهل السنة والجماعة، ما نرى في هذه الأزمان، وهذا لا يخفي على أحد من العيان، بما يرى ويسمع، ما كان من عناية أهل السنة بأمر العقيدة والتوحيد في خطبهم، وفي محاضراتهم، وفي دروسهم، وفي ندواتهم، وفي دوراتهم. وهذا التعليم والإرشاد هو قد تركوه لكل الأجيال ولكل الأعمار، علموا الصغار، فهاهم الصغار الذين يدرسون عند أهل السنة والجماعة، وهم من نعومة أظفارهم، وهم يلقنونهم التوحيد. تأمل يا عبد الله في مذكراتهم، تأمل في دورات الصغار، العقيدة والتوحيد هي الأساس في التعليم. نعلم به الناشئة بدءا: أين الله؟ أين الله يا ولد؟ قال: الله في السماء، دليله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. يعلم هذا المعتقد حتى ينشأ على العقيدة الصحيحة السليمة، فينشأ كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلم الصغار. ثم قام أهل السنة بتعليم الكبار، فالحاصل إخواني في الله أننا لو نظرنا إلى عناية أهل السنة والجماعة في اهتمامهم بجانب التوحيد، فلا يشق لهم غبار، لأنهم علموا كيف كان نبينا يحرص على هذا الباب، فحرصوا عليه كما حرص عليه الصلاة والسلام. لكن بالمقابل، ننظر إلى باقي الفرق التي تنتمي إلى الإسلام، هل أولت لهذا الباب العظيم من دين الله اهتماما أو رفعت له رأسا؟ الجواب: لا. فإن من الفرق الإسلامية من لربما لم يرفع بالتوحيد رأسا، بل في الحقيقة أصبح حربا على التوحيد وعلى أهله. لا أخذ يدعو إلى التوحيد، بل أخذ يدعو إلى مظاهر الشرك، يدعو إلى صرف الطاعات والعبادات لغير الله، إلى الأضرحة، إلى القبور، إلى القباب. بل منهم من دعا إلى التعظيم والتقديس للأحياء والأموات، ومنهم من يرى أن النفع والضر لا يكون لله، بل يكون للولي الفلاني والولي الفلاني، وأن بعضهم بيده زمام ملكوت السماوات والأرض، وأن الواحد منهم إذا شاء أنزل الأمطار، والواحد منهم إذا شاء أمر بإنهمار السيول والأنهار، وهكذا. ذاك إذا أراد خلق الأجنة في الأرحام، هكذا يقولون. هل هؤلاء، إخواني في الله، دعوا إلى توحيد الله؟ الجواب: لا، حاشا وكلا، بل هم من دعاة القبور، من دعاة الأموات، ما دعوا إلى توحيد الله جل وعلا. طائفة أخرى، أو قل طوائف من الفرق الإسلامية، كذلكم لم يدعوا إلى توحيد الله جل وعلا، لأن التوحيد عندهم قد صحف، قد غير، قد بدل. ما ساروا على التوحيد والعقيدة التي سار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، فذاك الذي أتى بالتشبيه، وذاك بالتمثيل، وذاك بالتأويل، ذاك بالتكيف، ذاك بالتحريف. ناهيك عن ذاك الذي تخبط في باب الوعد والوعيد، وذاك الذي أنكر مسألة القضاء والقدر والتعليل. كل هؤلاء لا يلحقون أبدا بأنهم دعاة إلى التوحيد، لأنهم لم يأتوا بالتوحيد الذي أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا قل يا عبد الله في الفرق المعاصرة التي ظهرت في هذه الأزمان المتأخرة، وهي للأسف تنتمي وتدعي بأنها تسير على منهج أهل السنة والجماعة، إلا أن هذه الركيزة، الدعوة إلى التوحيد، فضحتهم، لأن الدعوة إلى أهل السنة والجماعة ليست دعوة باللسان يدعيها كل واحد منا. ليس العبرة يا عبد الله بالدعاوى، العبرة بالبراهين. هل دعوتك، هل دعوتك دعوة رسول الله، فيها من التوحيد ما فيها؟ ننظر إلى هذه الجماعات والفرق، فرقة خرجت إلى الأمة تحت ما يسمى بالدعوة والتبليغ، فإذا هم ينتشرون في بيوت الله هنا وهناك، لكن انظر كم مقدار الدعوة إلى التوحيد؟ الجواب: صفر. ما يدعون الناس إلى توحيد الله، إلى صرف الطاعات، وإلى صرف العبادات، وإلى تعليق القلوب بالله جل وعلا. لا، وإنما همهم الأخلاق والفضائل والآداب، أما التوحيد فعندهم خط أحمر لا يصلون إليه. حتى وجدنا أن منهم من دعاتهم من هو ملطخ بمظاهر الشرك، وهذا هو المصير في حق من لم يرفع بالتوحيد رأسا. وطوائف أخرى من الناس، ممن للأسف كذلكم تدعي أنها من دعوة أهل السنة والجماعة، إنما جنحت إلى الجانب السياسي، على حساب أنهم أهملوا الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا. يظهر ذلك مثلا في مسائل تعليمهم، عندهم مساجد، عندهم جوامع، بل عندهم كليات ومعاهد يدرسون فيها الكتب والعلوم والفنون. انظر يا عبد الله في برنامجهم التعليمي، أو ما يقال البروتوكول الذي يسيرون عليه في منهج تعليمهم، ما حظ التوحيد عندهم؟ الجواب: ما تجد شيئا. إن درسوا التوحيد فجل شأنهم هو توحيد الربوبية، يقرون بأن الله موجود، بأن الله الخالق، بأن الله الرازق، بأن الله المحيي والمميت. وإن كان من ردود، ردود على الملاحدة، ردود على الزنادقة، أما هذا المحك، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات، لا يذكرونه أبدا. وهل هكذا كانت دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، والذي ما ابتدأها ولا انتهاها إلا على توحيد الألوهية، في أن الناس يذعنون لله بالألوهية، فيصرفون له الطاعات والعبادات؟ ومنهم كذلك من هذه الجماعات التي جنحت لباب السياسة، تجد أن منهم من لربما صرح بأن الدعوة إلى التوحيد تفرق. يقول: هذه دعوة تفرق. وهو حق صحيح، نقول: نعم، نحن معكم أن الدعوة إلى التوحيد تفرق، ولهذا كان من صفة نبينا عليه الصلاة والسلام: «أن محمدا فرق بين الناس»، وفي لفظ: «أن محمدا فرق بين الناس». نبينا فرق، فرق بين الموحدين وبين المشركين، بين الهداة وبين الضالين. فإن من أعظم ما يفرق به الناس الدعوة إلى التوحيد، ندعو الناس إلى توحيد الله حتى يحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. أما تجعل الناس في غمامة، في هكذا يعيش بين أكنافك من تلطخ بالشرك، هذا من الغش وليس من باب النصيحة. فقول من يقول: بأن الدعوة إلى التوحيد لا تفرق، نعم تفرق، لكن فيها الصفاء. ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيثة من الطيبة، ومن أعظم ما تميز به الصفوف الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، هذا الذي يأتي الله بقلب سليم. ومن هؤلاء من لربما، أي من هذه الجماعات الحزبية السياسية التي لم، وإن دعت أنها على دعوة أهل السنة والجماعة، لكنها بعيد كل البعد أنها لم ترفع بالتوحيد رأسا، فلم تجعله معقد الولاء والبراء، ألغت هذا الجانب، فلا توالي ولا تباري على توحيد الله جل وعلا، بخلاف دعوة أهل السنة. أهل السنة الولاء والبراء على توحيد الله، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، هذا منا ونحن منه. أما هذه الجماعات الحزبية لم يرفعوا بالتوحيد عقيدة كولاء وبراء، فتجد أنها في صفوفها يدخل القبوري، يدخل الجهمي، يدخل الصوفي، يدخل الأشعري، ويدخل الجهمي، وقس ما شئت من الأسماء الضالة التي تلوثت في توحيدها وانغمست في عقيدتها، ومع ذلك هؤلاء يقبلون كل أحد، حتى أنهم لا يجدون غضاضة في أنهم يولون أمرهم لقبوري أو جهمي. أما في دعوة أهل السنة والجماعة، لا، المقياس والمعيار في الاختيار العقيدة والتوحيد ولابد. ولهذا ما تجد في رموزهم، ولا في أشرافهم، ولا في أعيانهم، ولا في علمائهم إلا من كان على العقيدة الصحيحة والتوحيد الصافي، هذه دعوة أهل السنة. أما دعوة هؤلاء فحدث عنها ولا حرج، من كثرة الدخن. كل ذلك وصل إليه عندما لم يقيموا دعوة التوحيد رأسا. فالشاهد إخواني في الله أن من أعظم الركائز التي سار عليها أهل السنة، تمسكا بما سار عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، العناية بأمر العقيدة والتوحيد، سار بها نبينا من أول أمره حتى فارق الحياة. كما معنا في درس أمس، بينما كان يعاني سكرات الموت، كان يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». نعم، التحذير من فتنة القبور. ثم يأتيك من يأتيك من المتهوكين وأراد أن يتضاحك على أهل السنة ويقول: أنتم انشغلتم بشرك القبور ونحن انشغلنا بشرك القصور. يا مغفل، تأمل في نبيك، بماذا انشغل؟ فاشتغل بأمره: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». أهل السنة تفطنوا إلى حياته، فعلموا أن التوحيد هو رقم واحد في دعوته، وعلى هذا ساروا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.