الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تحدث الدرس عن عناية النبي صلى الله عليه وسلم بأمر التوحيد ورفض الشرك، حيث بدأ دعوته بالتوحيد واستمر في ذلك حتى آخر لحظات حياته. نهى النبي عن مظاهر الشرك مثل بناء المساجد على القبور وأمر بإزالة التمائم.
أظهر النبي صلى الله عليه وسلم حرصا شديدا على التوحيد ورفض أي عمل يخل به، مثل تعليق التمائم أو اتخاذ القبور مساجد. غضب عندما طلب بعض المسلمين جعل شجرة ذات أنواط مثل الكفار.
رفض النبي صلى الله عليه وسلم المساومة على دينه عندما حاول كفار قريش إغراؤه بالمال والشرف والملك، مستندا إلى قوة وحجة القرآن الكريم. هذا يدل على أهمية العقيدة والتوحيد في دعوته.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في الدرس السابق، إخواني في الله، أشرنا إلى أهمية التوحيد في دين الإسلام، إذ أنه هو الأس والأساس، بل لا قوام للدين والملة إلا به. وذكرنا المعطيات الكثيرة الدالة على أهمية التوحيد في هذه الملة، إذ أنه لأجله أوجد الله عز وجل المخلوقات، وهو الذي أول ما يؤمر به العباد، وأنه السبب الأعظم في المغفرة والغفران، وأنه المانع الوحيد من الخلود في النيران، إلى آخر ذلك من المعطيات التي مضت معنا في درس أمس. وأمام ذلك كله، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعتني بأمر التوحيد عناية عظيمة، ظهر ذلك في دعوته، فمنذ أن بدأت الدعوة حملها نبينا على كاهله، بدأ بالتوحيد، فلا يزال كذلك في العهد المكي ثلاثة عشر عاما، وهو يدعو الناس إلى التوحيد. ليس هذا فحسب، بل حتى عندما انتقل إلى المدينة لا زال يدعو إلى التوحيد، حتى في الرمق الأخير من حياته، في اللحظات الأخيرة من دنياه عليه الصلاة والسلام. وكانت قضايا التوحيد تشغل باله، ففي الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم في فراش موته طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، قال: وهو كذلك «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ونحوه جاء من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال، وهو على فراش موته: «أدخلوا علي أصحابي»، قال: فدخلنا، فإذا هو متقنع ببردة، قال: فكشف القناع، ثم قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تأمل، يا عبد الله، متى تكلم نبينا بهذه الكلمات وبهذه الوصايا، وهو في النزع، وهو في سكرة الموت، في آخر حياته؟ ما أشغله ذلك عن الدعوة والتبليغ لما يعود بالنفع للناس، وبماذا حرص؟ حرص عليهم أن يذكرهم بأصول التوحيد، وبالتحذير مما يخل به من مظاهر الشرك، وما يعود على التوحيد بالضعف، فنهى عن بناء المساجد على القبور «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالها وهو في آخر حياته، عناية بالتوحيد. هذا الذي أشغل باله، بل كان عليه الصلاة والسلام عند المبايعة، وكان الإسلام ينتشر، وفي هذا المقام كان نبينا عليه الصلاة والسلام حريصا على أن يستزيد من الرجال حتى يكثر سواد الدين، لكن لم يكن هذا على حساب التوحيد أبدا. جاء من حديث عقب بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايع نبينا صلى الله عليه وسلم التسعا، وأمسك عن العاشرة، فقال الناس: يا رسول الله، بايعت التسعة وأمسكت عن هذا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إن عليه تميمة»، وأنتم تعرفون التمائم تعلق، رآها، فقال: «إن عليه تميمة»، فطرق الرجل، فأدخل يده وخلع وقطع التميمة ورمى بها، حينها بايعه نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «من علق تميمة فقد أشرك»، ما ينفع أن تأتي لي بالتوحيد وأنت متلطخ بالشرك، ما يجتمعان، إما هذا وإما ذاك. فامتنع نبينا عن بيعة هذا الرجل، مع أنه كان بأمس الحاجة لأن يستزيد من الرجال، لكن على التوحيد الصافي. بل كان نبينا عليه الصلاة والسلام في أحلك المواقف، وفي أشد المواطن، كانت قضايا التوحيد ماثلة أمامه عليه الصلاة والسلام، كما كان في مسائل وأوقات الحروب والقتال ضد الكفار. هذه المسائل التي نبينا عليه الصلاة والسلام يحرص على أنه يكثر من العتاد والعدة، ومن الرجال ومن الجنود ومن الأفراد الذين يخرج بهم إلى قتال الكفار، لكنه كان يقاتل الكفار على التوحيد، وبالتوحيد يقاتل الكفار بالتوحيد الصافي. فإذا وجد عليه الصلاة والسلام شيئا في جيشه يخل بقضايا التوحيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لها بالمرصاد، ما يمررها أبدا، عناية منه بأمر العقيدة والتوحيد. من ذلك ما وقع للجيش الإسلامي حينما كانوا في غزوة حنين، مروا على قرية من قرى الكفار، وكانت عندهم سدرة، شجرة عظيمة، يعتقدون فيها، فكانوا يعلقون فيها أسلحتهم وعتادهم، ويعتقدون فيها البركة، اعتقاد البركة، وهي من الاعتقادات الموجودة، لا زالت للأسف في أمتنا، وأن هذه الشجرة تعطي القوة للأسلحة والدروع والتروس والخناجر والسيوف، تسمى عندهم بذات أنواط. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فغضب عليه الصلاة والسلام، كان بإمكانه أن يمررها وأنه ما سمع شيئا إلى أن تنتهي الغزوة، ثم يحاسبهم على هذه الكلمات، لا التوحيد ما يمس في حياته عليه الصلاة والسلام. فلما سمع هذه المقالة غضب عليه الصلاة والسلام، قال: «قلتم -وفي رواية- سبحان الله، سبحان الله، قلتم: والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، غضب عليه الصلاة والسلام وشبه فعلهم كفعل بني إسرائيل مع موسى حين طلبوا إلها. وهكذا في باب المساومات، لما رأى الكفار من نبينا عليه الصلاة والسلام العزم على المضي قدما في هذا الدين، وبرفع راية العقيدة والتوحيد، ساوموه مساومات كثيرة جدا، عل وعسى أن يرضخ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يفعل. حتى إن من مساوماتهم أن قالوا: يا محمد، تعبد إلهنا عاما، ونعبد إلهك عاما، سنة بسنة، تبادل، تبادل سلطة وتبادل دين وعقيدة، سنة تعبد وسنة نعبد. فأنزل الله على نبيه ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، لا مساومة. لا أحد من المفكرين والسياسيين لقال: هذه فرصة سانحة أن تستغل، لا التنازل عن التوحيد ما يكون. وذكر أهل السير، كما جاء ذلك في كتب التفاسير، أن كفار قريش أرسلوا عتبة بن ربيعة لكي يفاوض نبينا، ولكي يساومه، فذهب عتبة بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له: يا ابن أخي، إنك جئت قومك بأمر عظيم، سفهت به أحلامهم، وفرقت به جماعتهم، وعبت به آلهتهم، وكفرت به آباءهم، يا ابن أخي، إن كنت تريد بالذي جئت به مالا جمعناك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، فلا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا. ولا يزال عتبة يملي على نبينا صلى الله عليه وسلم هذه المفاوضات وهذه المساومات التي والله لو عرضت الآن على بعض المفكرين والحركيين لأخذها، تعطوني سلطة، تعطوني ملكا، تعطوني حكما، أنا الآمر، أنا الناهي، هاتوه، هاتوه، وأترك الذي تريدون وتنازلوا. لكن ما الذي قال نبينا بعدما سمع هذه المساومات؟ قال نبينا لعتبة: «أفارغت يا أبا الوليد؟»، قال: نعم، قال: «فاسمع مني»، ثم قال نبينا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودِ﴾، فقفز عتبة وأخذ بيده ووضعها على فم رسول الله، قائلا له: أنشدتك الله والرحم إلا سكت، حين أن توعده نبينا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودِ﴾، الكلام واضح، ما هناك مساومة أبدا على العقيدة والتوحيد. فذهب الرجل خائبا بمساعيه، فالشاهد، إخواني في الله، هذه الحقائق تدل بكل وضوح مدى عناية نبينا عليه الصلاة والسلام بأمر العقيدة والتوحيد في كل حياته، حتى عند لحظة مماته، وفي كل أوقاته، حتى عند مبايعته، وفي أشد المواقف، حتى في حروبه وقتاله، وحتى مهما جاءت له الدنيا بالمغريات، ما تنازل قيد أنملة عليه الصلاة والسلام عن توحيده لربه. فهذا، إخواني في الله، مما يدلل به على أهمية الركيزة العظيمة التي اعتمد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته، وسيأتي معنا في درس قادم ما فيه إشارة كذلك لهذه الركيزة المهمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.