الدرس في كتاب النكاح من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع أن إعلان النكاح شرط لصحته ويتم بشهادة عدلين أو بالإظهار والضرب بالدف. اختلف العلماء في اشتراط الشهادة فرأى الشافعية وأصحاب الرأي وجوب عدلين، بينما اكتفى المالكية وابن تيمية بالإعلان بأي وسيلة، والراجح اشتراط العدلين لعمل الصحابة.
يشترط في الشاهدين أن يكونا ذكرين بالغين عاقلين سميعين وتجوز شهادة الأخرس بالإشارة. يوضح المقطع أن الإشهار يكون بالوليمة أو إظهار الفرح، ويجوز للنساء الضرب بالدف بشروط خلوه من المحاذير، بينما لا يشرع للرجال الضرب بالدف ولا بالطبل.
يبين المقطع أن الإعلان بالنكاح يكون بالضرب بالدف للنساء وبالشعر والزوامل للرجال دون آلات موسيقى. يؤكد أن الكفاءة المعتبرة شرعاً هي الدين فقط، فلا يزوج الفاجر بالعفيفة، بينما الكفاءة في النسب والصنعة والمال غير معتبرة.
تذكر الآية أن الله خلق الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم. فالتفاضل الحقيقي ليس بالعرق أو النسب بل بالتقوى والعمل الصالح.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله بكتابه «منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين» في شروط النكاح: قال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلن النكاح» رواه أحمد. ومن إعلانه: شهادة عدلين، وإشهاره، وإظهاره، والضرب عليه بالدف ونحوه. هذا أيضا اعتبره العلماء من شروط النكاح، وهو إعلانه. وبيّن بماذا يكون إعلان النكاح، يعني: لا يكون النكاح سرا لا يعلم به أحد، بل يعلن ويشهر، ويكون الإعلان لعدة أمور، منها: شهادة عدلين. وقبل ذلك: ما هي الحكمة من إعلان النكاح؟ هناك حكم كثيرة في ذلك، منها: أولا: إظهار الفرح والسرور، فإعلان النكاح فيه فرح للزوجين، ولأقارب الزوجين، ولأصحاب وزملاء الزوجين، فهذا من حكم إعلان النكاح. ومن الحكم كذلك: التفريق بينه وبين نكاح السر، فالغالب في نكاح السر الشبهة؛ لماذا لا يريد الزوجان أن يشهرا النكاح؟ لربما يكون لشبهة، لعلاقة مشبوهة، أو كذلك لعدم موافقة أولياء الأمور أو نحو ذلك، فإذا يكون في الإشهار تفريق بينه وبين نكاح السر. ثم ذكر من الإعلان في النكاح: شهادة عدلين. وهذه المسألة - مسألة الإشهاد على النكاح - مختلف فيها بين أهل العلم، فقول الشافعي وأصحاب الرأي: أن الإشهاد شرط لصحة النكاح، لا بد من إشهاد عدلين على هذا النكاح، واستدلوا بهذا الحديث وبغيره: ﴿ فَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ [الطلاق: 2] ونحوها من الآيات، فجعلوا هذا الشرط الثالث من شروط النكاح، وهو الإشهاد. ولحديث كذلك جابر جاءت لفظة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، لكن هذه الزيادة «وشاهدي عدل» الزيادة لا تصح، نقل غير واحد أن هذه الزيادة شاذة ولا تصح، لكن مع ضعفها نقل الترمذي العمل على هذه الزيادة عن الصحابة، وعمل الصحابة عدم وجود مخالف لهم، هذا لا شك يجعل هذه المسألة لها اعتبار. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أعلن النكاح بغير الشهادة لا يشترط الشهادة، هذا قول إمام مالك، اختاره شيخ الإسلام، وضعف الزيادة في الحديث، وقالوا: يحصل الإعلان بأي وسيلة، ولا يشترط أن تكون بشهادة عدلين. لكن القول الأول هو الأقرب، وهو اشتراط العدلين، لأنه فعل السلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولو لم يصح الحديث، وطالما أنه جاء عن الصحابة هذا الفعل، فيكون شرطا في النكاح، والله تعالى أعلم. كذلك الشهود اشترطوا لهم صفات، والشهود هذان العدلان اشترطوا لهم صفات، كما تقدم من صفاتهم أن يكونا عدلين، فخرج بهذا شهداء الظلم والفسق ونحو ذلك، فهؤلاء لا يعتد بشهادتهم. وذكروا أيضا من صفات الشهود: أن يكونا ذكرين، ولا تصح شهادة المرأة في هذا الباب، شهادة المرأة ما جاءت إلا في الأموال فقط، أما في غيرها لم يرد، ولذلك جاء أثر في مصنف عبد الرزاق عن الزهري أنه قال - والزهري من كبار التابعين، الإمام الزهري يقول: «مضت السنة، مضت السنة أن شهادة المرأة لا تجوز في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق»، ما تأتي امرأة وتشهد في حد من حدود، لا، هذه السنة، ويريد بالسنة سنة من تقدمه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لأنه عاصرهم رحمه الله. فإذن يشترط في هذين الشاهدين في النكاح أن يكونا ذكرين، فلا تصح شهادة الأنثى. وأيضا من شروط هذين الشاهدين: أن يكونا مكلفين، يعني بالغين عاقلين، خرج بهذا المجنون لا يشهد، وخرج بهذا الصغير كذلك لا يشهد ولا تقبل شهادته. وأيضا من شروط الشاهدين: أن يكونا سميعين، لماذا؟ من أجل أن يسمع الشهادة، كيف يعرفا أن هذه المرأة موافقة على الزواج أو لا إذا ما يسمعان؟ كيف لا يمكن؟ فلابد أن يكونا سميعين. قالوا: ويصح أن يكونا أخرسين، يعني ما يتكلمان، الأخرس الذي ما يتكلم، لماذا قالوا ذلك؟ لأنه يمكن أن يؤدي الشهادة بالإشارة، يمكن أن يؤدي الشهادة بالإشارة. هذا أيضا مما ذكروه في هذه المسألة. فإذن الصواب باختصار: وجوب الشهادة، ونحن في بلدنا هذا لأنهم يمشون على المذهب الشافعي يجعلون الشهادة شرطا، فيكتبون ذلك في العقد. وأما قوله: «وإشهار وإظهاره»، فالإشهار قد يكون مثلا بالوليمة، هذا من الإشهار، طيب، وهي واجبة، يعني كما قال: أنه صلى الله عليه وسلم لجابر: «أولم ولو بشاة». وقد يكون الإشهار كذلك بإظهار الفرح وبعض القصائد أو بعض الزوامل التي يجتمع عليها الناس، فيسألون: أيش هذا؟ قالوا: هذا زواج فلان، إذن هذا يعد أيضا من الإشهار والإظهار. وقوله: «هو الضرب عليه بالدف»، هذا في حق من؟ هذا في حق النساء، هذا في حق النساء، فيجوز للنساء أن يفرحن في الزواج وأن يضربن بالدف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف والصوت في النكاح» رواه الترمذي وحسنه الألباني. وأما الرجال فلا يشرع لهم الضرب بالدف ولا بغيره. والدف هو الذي يكون مغلقا من جهة ومفتوحا من جهة أخرى، وهو الذي لا توجد به الخلاخل، إيش الخلاخل؟ يعني شيء مثل الدراهم توضع على جوانب هذا الدف، فإذا ضرب به أصدرت صوتا، هذا أيضا لا يسمى دفا. الدف فقط هو الذي يأتي مستديرا مثلا ومغلقا من جهة، يعني جلد أو نحو ذلك، كي يصدر الصوت عند ضربه، ويكون مفتوحا من الجهة الأخرى. فالطبل لا يجوز، لا للرجال ولا للنساء، والطبل هو الذي يكون مغلقا من الجانبين، أو يكون مفتوحا من جانب ومضيقا عليه من الجانب الآخر حتى يكون فيه فتحة صغيرة، وهذا ما يسمى عندنا بالدنبق، تعرفون الدنبق؟ الدنبق هذا يكون مستديرا ثم يصغر يصغر يصغر إلى أن تكون فتحة صغيرة أشبه بالبوق، يعني المغر، أي ما يسميه الصور أو نحوه، فهذا أيضا لا يجوز لأنه مضيق من الجهة الثانية، لابد أن يكون مفتوحا على ما كان مغلقا من إحدى الجهتين، فهذا هو الدف، هذا هو الدف. ويرخص فيه للنساء فقط بشروط معروفة: ألا يكون هذا الصوت يخرج إلى أسماع الرجال، فصوت المرأة فتنة، فكيف إذا غنت وسمعه الرجال؟ الفتنة أعظم. كذلك ألا يكون مصحوبا بالموسيقى، لا يكون فيه موسيقى طرب ونحوه، وألا يكون بكلمات سيئة بذيئة فيها ذكر الحب والغرام ونحو ذلك، هذا أيضا لا يجوز في غناء النساء. وإنما المراد بالضرب بالدف: يعني بكلمات فيها تهنئة، أو فيها نصائح للزوجة، أو فيها كذلك فرح وسرور أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به بالنسبة للنساء، وهن ما شرع لهن الشرع ذلك إلا لميولهن لذلك، النساء يرغبن هذا اللهو وهذا الفرح. والرجال يجوز أن يعني في الأعراس يأتون بالأشعار وبالزوامل الطيبة التي تحث على الجهاد أو على كذلك تهنئة أهل العريس أو نحو ذلك، لكن من غير طبل ولا دف ولا آلة موسيقى ولا شيء، فهذا لا بأس به إن شاء الله. فهذا هو معنى الإعلان. فإذا فعل هذا لا شك أن هذا يكفي في إعلان النكاح، والآن الناس توسعوا في أمر إعلان النكاح، فالعقد الآن يجعلوا له جمع غفير، يعني يدعون للعقد ليس شاهدين عدل بل شهود كثير يحضرون هذا العقد، وهكذا جعلوا له فيه، وجعلوا كذلك الولائم الكبيرة ونحو ذلك، فهذا لا بأس به إذا خلى من المحاذير الشرعية، والله تعالى أعلم. ثم قال المؤلف رحمه الله: «وليس لولي المرأة تزويجها بغير كفء لها، فليس الفاجر كفءا للعفيفة، والعرب بعضهم لبعض أكفاء». قوله هنا: «وليس لولي المرأة تزويجها بغير كفء»، هذا يسمونه العلماء الكفاءة في الزواج، الكفاءة، ويريدون بالكفاءة: أن يزوج الولي ابنته للمماثل أو للكفء لابنته، والكفاءة تكون في عدة أمور، منها: أولا: الكفاءة في الدين، الكفاءة في الدين، فلا يزوج الولي الفاجر، المراد بالفاجر هنا: الزاني، لأنه جاء في مقابل العفيفة، العفيفة هنا التي عفت عن الزنا. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ [النور: 3]. قيل في تفسير هذه الآية: الزاني لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة، قيل: المشركة المراد بها هي التي تزني وتستحل الزنا، يعني تقول: الزنا حلال، فهذه لا شك أنها مشركة كافرة، من استحل شيئا محرما معلوما من الدين بالضرورة فقد كفر، ففسرت هذه الآية بذلك. ويلحق بذلك الفسق الذي هو دون الزنا، فلا ينبغي لولي أمر المرأة إذا كانت هذه المرأة مستقيمة، إذا كانت هذه المرأة صالحة، أن يزوجها لرجل فاسق، لرجل فاسق يعمل المعاصي والذنوب، وهكذا يرتكب المحرمات، وإن كانت دون الزنا، هذا لا ينبغي، هذا لا ينبغي، لأنه ليس كفؤا لها، هي صالحة وهو غير صالح. فهذه الكفاءة في الدين لا شك أنها من أولويات الكفاءات، أن المستقيم الصالح يتزوج مستقيمة صالحة، وأن المستقيمة الصالحة يتزوجها مستقيم صالح، ﴿ الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [النور: 26]، هذا هو الكفاءة. وأما قوله: «والعرب بعضهم لبعض أكفاء»، هذا نوع ثاني من أنواع الكفاءة، وهو الكفاءة في النسب، الكفاءة في النسب، الحمد لله. ويريد المؤلف بذكر هذا الحديث أن يبين أن هذا الحديث يدل على الكفاءة في النسب، وأن العرب بعضهم لبعض أكفاء، يعني: من نسبه رفيع يتزوج على امرأة نسبها رفيع، ومن نسبه وسط وسط، ومن نسبه دون ذلك كذلك يتزوج بحسب أو بما يناسب نسبه. لكن هذا الحديث لا يصح، وهو حديث ضعيف، حديث ضعيف لا يصح. ولذلك النسب ليس له اعتبار في الشرع فيما يتعلق بالكفاءة، فليس شرطا، مثل الصنعة كذلك، أو مثل الفقر والغنى، هذا كلها ليست معتبرة. والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13