كتاب النكاح 1

كتاب النكاح 1

الدرس في كتاب النكاح 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم النكاح ودرجاته بين الوجوب والاستحباب والإباحة

يشرح المقطع المعنى اللغوي والشرعي للنكاح، ويستعرض خلاف العلماء في حكمه: فذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة لمن له شهوة ويأمن العنت، بينما ذهب الظاهرية وابن تيمية ورواية عن أحمد إلى وجوبه على من له شهوة واستطاعة مالية. كما يبين أحكام من لا قدرة له مالية فيستحب له النكاح أو الصوم، ومن لا شهوة له أو كان عنيناً فالحكم الإباحة، مع ذكر أدلة كل قول من القرآن والسنة.

أحكام النكاح لمن لا شهوة له ووجوبه درءًا للفتنة

يباح النكاح لمن لا شهوة له أو للعاجز عن الوطء بشرط عدم ضرر الزوجة، ولها طلب الفسخ إن كان الزوج عنينًا، كما يشرع لكبير السن بقصد الخدمة. والنكاح مع الشهوة أفضل من النوافل، ويجب على من يخشى الزنا، وتسن فيه الواحدة الدينة البكر الودود الولود، وتحرم أنكحة الشغار والتحليل والمتعة.

أحكام التعدد وصفات الزوجة الصالحة في ضوء القرآن والسنة

يشرح المقطع آية النساء: 3 مبيناً أن التعدد سنة مشروعة بشرط العدل، ومن خاف عدم العدل فله الاكتفاء بواحدة، مع تفصيل أقوال العلماء في معنى "أدنى ألا تعولوا". ثم يستعرض صفات الزوجة الصالحة المستحبة: الدين، الجمال، الود، الولود، البكارة، والحسب، مستدلاً بأحاديث النبوية وآثار الصحابة.

تأثير الأمهات على العلاقة الزوجية ونصيحة الزوجة بطاعة الزوج

يحذر المقطع من لجوء الزوجة لرأي أمها وتقديمه على رأي زوجها، مبينًا أن ذلك غالبًا ما يكون سببًا في فساد العلاقة الزوجية وحدوث المشكلات. وينصح بعدم مخالفة الزوج والاعتماد على المشورة الصحيحة بعيدًا عن تأثير الأمهات السلبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: كتاب النكاح. والنكاح أصله بمعنى الضم؛ تناكحت الأشجار أي انضم بعضها إلى بعض. وأما في اللغة فيطلق على الوطء والعقد، فهو مشترك. النكاح يطلق في اللغة على الوطء، ويطلق أيضا على العقد. والقرآن لم يرد فيه النكاح إلا بمعنى العقد، إلا قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فهنا معنى هذه الآية: حتى يطأها، كما جاءت بذلك السنة الصحيحة: ﴿حَتَّىٰ تَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا﴾ [البقرة: 230]، حتى يدوق عسيلتك وتدوق عسيلته، قال المؤلف: وهو سنة. أي النكاح سنة، والنكاح سنة لمن له شهوة ولا يخاف على نفسه العنت، أي الزنا. فهذا مذهب جمهور أهل العلم. وهناك رواية عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه، كأبي بكر بن عبد العزيز، وبحفص البرمكي، وغيرهم، وهو قول الظاهرية، وأيضا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن النكاح لمن له شهوة وعنده قدرة مالية واجب. إذا كان عنده شهوة وعنده قدرة مالية على ذلك، فهذا يجب عليه، ويجب في حقه أن يتزوج. واستدل بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي في الصحيحين: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه غض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فقوله: «فليتزوج» هنا الأمر للوجوب، ولم يأتِ صارف يصرف هذا الأمر عن الوجوب، فلهذا فهو للوجوب. والجمهور حملوا هذا الأمر على الاستحباب، والصحيح أن له وجوبًا. وأما إذا كان غير قادر على النكاح بماله مثلا، فلا يجب عليه النكاح، بل يستحب. لقوله صلى الله عليه وسلم، أو لمفهومه: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج». الباءة: مؤنة النكاح. ومعنى مفهومه: أنه إذا استطاع يسر مؤنة النكاح، لا ينظر إلى ما كان بعدها. أهم شيء أنه يسر مؤنة النكاح، فإذا تيسرت مؤنة النكاح فله أن يتزوج، يستحب له أن يتزوج. وأما فقره وغناه فهذا على الله عز وجل، فقال الله عز وجل: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: 32]. هذا معناه: إن كان له شهوة. وأما من لا شهوة له، أو عنين، والعنين هو الذي لا ينتصب عضوه، أو مثلا رجل كبير هرم، فهذا لا يجب النكاح ولا يستحب في حقهم. واختلفوا في العنين: هل يستحب أو لا؟ فبعض العلماء يقول: يستحب، وبعضهم يقول: جائز، أنه لا يستحب؛ لأن العنة تعتبر عيبًا، فالرجل قد يرد به النكاح، ويفسخ به، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر ذلك في مسألة العيوب. فإذا زال مقتضى الوجوب والاستحباب، يكون مباحًا في حقه. ولهذا قال العلماء: إن النكاح يدخل فيه الأحكام الخمسة: الواجب لمن كان له شهوة وخاف على نفسه العنت، والمستحب لمن له شهوة وعنده الاستطاعة أو عدم الاستطاعة وليس عنده القدرة على مؤن النكاح. معنى "ما عنده قد ما يستطيع أن ينفق عليه" لكن قد يتيسر له النكاح ولو بشيء يسير. والنبي عليه الصلاة والسلام زوج ذلك الرجل وليس معه شيء، حتى قال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، فلم يجد خاتمًا من حديد، فزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بما معه من القرآن. وأيضا قد يكون إذا كان الرجل ليس عنده شهوة، أو شهوته ضعيفة جدا، أو هَرِم، أو كذا، فهذا مباح له أن يتزوج، لكن ليس مستحبًا؛ لأن غالبا مثل هذا قد يضر أو يضر على المرأة. فإن كان هناك ضرر على المرأة، فإنه يصبح مكروهًا. لكن هل للمرأة أن تفسخ النكاح إذا لم يتوفر شرطها؟ معنى الشرط: مثلا إذا كان هذا الرجل عنينًا، لم تجد هذه المرأة شيئًا من الجماع، فلها أن تطلب الفسخ. وتجد الناس يختلفون: بعضهم توجد عنده العنة، لكن لما يتزوج تذهب هذه العنة، وبعضهم تبقى، يكون مرضًا ملازمًا له. فأيضا كذلك يباح لمن لا شهوة له، لكن عنده مال يستطيع أن يتزوج، لكن ليس له شهوة قوية أو لا شهوة له، فيجوز مثلا أن يتزوج لعلة: أن تقوم به المرأة. مثلا كبار السن، تجد بعضهم قد رغبوا عن الزواج، فيتزوج ليس لأجل الوطء، وإنما لأجل أن تقوم به هذه المرأة. وغالبا تجد أنهم يشترطون ذلك. قد سمعت أكثر من واحد يطلب هذا الطلب: يريد أن يتزوج وليس لأجل الوطء، وإنما تجده رجلًا كبيرًا ومتعبًا، وأحيانًا يكون مقعدًا، فيريد امرأة تعتني به، ولأجل أنه رجل مؤمن وكذا، يأتي بامرأة يتزوجها لأنه لا تحل له إلا بالنكاح. فمثل هذا يكون النكاح في حقه مباحًا. وقال: وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات. عن النكاح مع الشهوة أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات من صيام وصلاة ونحو ذلك. ولأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التبتل، وهو ترك النكاح لأجل العبادة. ولأجل أن النكاح له مصالح كثيرة، فلهذا فهو أفضل من نوافل العبادات. معناه: يقول إذا تعارضت عند الرجل الزواج ونوافل العبادات، يقول: لو تزوجت سأشغل عن الطاعة، فهل هذا عذر له على عدم الزواج؟ لا، ليس عذرًا على عدم الزواج. وأما إن كان من باب العبادة، ترك ذلك حتى يتفرغ للعبادة، فهذا خطأ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «إن عثمان بن مظعون استأذن النبي عليه الصلاة والسلام في التبتل، فلم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم». وقال سعد: «ولو أذن له لاختصينا». وقال: ويجب على من يخاف الزنا بتركه، إذا كان يخاف الزنا بتركه، فيجب عليه النكاح. وهذا قول أكثر العلماء: إذا خاف على نفسه الزنا، فهذا يجب عليه. وأما إذا اشتاقت نفسه إلى النكاح، وليس ذلك الخوف من الوقوع في الزنا، لبعده عن الفتن، فهل هذا يجب؟ نعم، قلنا: يجب عليه كما ذكرنا. فإذا خشي على نفسه الوقوع في المعصية لشدة الفتن، فهنا يجب عليه الزواج؛ لأن إعفاف نفسه وصيانتها من الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قالوا: ويسن نكاح واحدة، دينة، أجنبية، بكر، ولود، بلا أم. وأما النكاح المحرم: أن يتزوج الرجل بشيء من الأنكحة المحرمة، إما بالشغار، وإما بالتحليل، وإما بالمتعة، وغير ذلك، فهذا من النكاح المحرم. وأما إذا كان فيه عيب، هذا العيب يمنعه من الوطء وغير ذلك، فهذا يكره له الزواج. فذكر هنا ما يسن من صفات المرأة: فأولا ذكر الدين. وهنا قال: ويسن نكاح واحدة. عن السنة على ما ذكره: أنه ينكح واحدة، هذا السنة، وما زاد فهو زيادة في النكاح على حسب المصلحة، أو على حسب ما يكون فيه الشخص. أولا السنة واحدة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]. خالف السنة من يتزوج أكثر من واحدة؟ لا، السنة معناه أنه يتزوج ولو واحدة. "ولو واحدة" معناه السنة له يتزوج أكثر؟ كيف يخالف السنة؟ بل يأتي بالسنة، السنة هي التعدد، لكن أجاز الله عز وجل أن الإنسان يكتفي بواحدة، خاصة إذا خشي على نفسه عدم العدل. وفسرت ذلك: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾، معناه: أن لا تعولوا من النساء، أي في نفقتهن وفي كذا، فتميلوا. وأيضا كذلك الميل، الميل وعدم العدل. وفسرها الإمام الشافعي بقوله: ﴿أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي أن لا تكثروا عيالكم. العول هنا جعله العيال: أن لا تعولوا، أن لا تكثروا عيالكم. وقد انتقدوا على الشافعي هذا، وقالوا: إن هذا ليس في اللغة. ودافع عنه جماعة من العلماء كالبخاري وغيره، على أن هذا موجود في لغة العرب. فالسنة: الواحدة لمن خاف أن لا يعدل. وأما إن لم يخف، فيستحب له استحبابًا أنه يكثر: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]. وأيضا استدلوا بفعل النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: دينة. ودينة: بمعنى ذات دين. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». حديث عبد الله بن عمر: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». فالدين هو المقدم. وجميلة: أيضا استحب الشرع أن ينظر إليها، لأنها أعف لنفسه، وأحصن لفرجه، وأتم لمودته. وتكون ودودًا، وهذا يعرف لقريباتها. وقد ذكر الفقهاء أن يقولون: إذا أراد أن تكون ولودًا، لا يتزوج ذات قرابة، أن لا يتزوج قريبته؛ لأن الأجنبيات غالبا يلدن، بخلاف القريبات. وهذا شيء قد يكون أحيانا يحصل أو غالبا، وليس هو قاعدة مضطردة. ليس قاعدة مضطردة أن الأقارب لا يلدن كثيرا. فيقولون: الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر. الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر. بنت العم تصبر على ابن عمها بخلاف غيرها. لكن يقولون: الغرائب أنجب. وأن تكون بكرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم لجابر لما تزوج ثيبًا: «هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك». إلا أن تكون هناك المصلحة من نكاح ثيب أرجح، كما فعل جابر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أحسنت». وفي الولود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». وهذا حديث إسناده لا بأس به، وهو أيضا في الشواهد. وجاء في حديث معقل بن يسار: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إني أصبت امرأة ذات حسب ومال، لكنها لا تلد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، لا تتزوجها». ثم جاءه مرة أخرى فنهاه، ثم أتاه في الثالثة أيضًا فنهاه، ثم قال له: «تزوج الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». وكما قلنا: يعرف أنها ولودًا بالنظر إلى نسائها: خواتها، أمها. والغالب تتشابه صفات النساء، معناه من ناحية الولادة وغير ذلك. وقوله: حسية، معناه: حسية، أي طيبة الأصل، ذات حسب طيب، وأهل معروفون. وزميلة: حسية، غير خف. أجنبية: أجنبية، يستحبون الأجنبية. شيء يقولون: أصدر. وجاء في الحديث: «أي النساء خير؟» قال: «التي تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره». ولا تخالفه دائمًا في نفسها، لأن الآن كثير من النساء تجد أن شورها كما يقولون عند أمها، وغالبا فساد النساء يكون من الأمهات، فتعطي رأيها كله لأمها، ولا تلقي بالًا لزوجها، فيحصل بعد ذلك مثل هذه الأمور. ترجمة نانسي قنقر.