التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 164

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 164

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 164، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الشفاعة في العقيدة الإسلامية: أنواعها وشروطها

يبيّن المقطع موقف أهل السنة والجماعة من الشفاعة موضحًا أنها ثابتة لله وحده، ولا تكون إلا بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفوع له، ويرد على الغلاة في الإثبات والإنكار. كما يستعرض أنواع شفاعات النبي ﷺ الخاصة والعامة، ويشترط للإشفاعة الإخلاص والتوحيد مستدلًا بالآيات والأحاديث الصحيحة.

الشفاعة وحقوق الله والرسل والمؤمنين

يشرح المقطع أن الشفاعة الحقيقية لا تكون إلا بإذن الله، وأن التعلق بالمخلوقين للشفاعة يبعد عن رحمة الله، مع ذكر رفض شفاعة النبي إبراهيم لأبيه والنبي محمد لعمه أبي طالب. ويؤكد حقوق الله في العبادة وحدها، وحقوق الرسل في الاتباع، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، مستدلاً بحديث معاذ بن جبل.

تفريق حقوق الله وحقوق الرسول في العبادة والتوكل

يبيّن المقطع أن العبادات القلبية كالخوف والتقوى والتوكل والسؤال والرغبة يجب أن تُصرف لله وحده، بينما طاعة الرسول ومحبته واتباعه واجبة لكنها لا تُعدّ من حقوق الألوهية. وينقض قول بعض المتصوفة «حسبنا رسول الله» مستدلاً بآيات الحسب والتوكل، ويختم بحديث حلاوة الإيمان الذي يجعل محبة النبي مقدمة على محبة النفس والوالد والناس أجمعين.

وجوب محبة النبي وتوحيد العبادة وإسلام الأنبياء

يبيّن المقطع أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم فوق محبة النفس واجبة على كل مؤمن، وأن جميع العبادات شرعت لإخلاص الدين لله وحده ونفي الشرك حتى في الألفاظ. مستدلاً بآيات قرآنية تثبت أن دين جميع الأنبياء من نوح إلى محمد هو الإسلام والاستسلام لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالشيخ رحمه الله، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذكر أدلة كثيرة على أن الشفاعة لا تكون إلا لله جل وعلا، ومن طلب الشفاعة من غير الله فهو مشرك. ومن طلب الشفاعة من غير الله فهذا مشرك، وهذه من الأمور التي تفعل عند القبور، فلهذا أنكرها الشيخ وذكرها. قال رحمه الله: فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة، أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن، أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن. ولهذا يقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله»، يقولون: هؤلاء الأولياء سيشفعون لنا عند الله. وأيضا يقولون: هذا شفعنا وهذا كذا. وهذه الشفاعة التي نفاها الله عز وجل أثبتها هؤلاء المشركون. وقال الخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا عليه الصلاة والسلام في أهل الكبائر من أمته، بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه، كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه. فأنكروا الشفاعة، فغلوا في الإنكار، وأولئك غلوا في الإثبات، وأهل السنة وسط. أهل السنة وسط يثبتون الشفاعة، لكن يقولون: لا يشفع أحد إلا بإذن الله ورضى الله جل وعلا عنه، وعن الشافع، وعن المشفوع له. وأما طلب الشفاعة من غير الله فهي قد نفاها الله عز وجل، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، معنى: ليست لأحد أبدا. فلهذا لا تطلب من غير الله. قالوا: أنكروا الشفاعة بقوله تعالى أيضا: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الشَّفَاعَةَ﴾، بل أنكروا ما هو أعظم من الشفاعة، وهو الانتفاع بأعمال الغير من الصدقة والصيام. غير أن النصوص قد دلت على الانتفاع، بل أثبت أو حكى جماعة من السلف إجماع العلماء على أن الصدقة تنفع الميت. فذكر ذلك ابن المبارك كما في مقدمة صحيح مسلم، وكذلك نقل ذلك الإجماع الإمام أحمد رحمه الله. قالوا: أنكروا الشفاعة بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، ونحو ذلك. فأنكروا الشفاعة التي أثبتها الله، أي هؤلاء المعتزلة والخوارج. قالوا: أما سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام من شفاعة له للكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعات غيره من النبيين والملائكة. فالشفاعة التي جاءت في الآخرة شفاعات: أولا شفاعة أرحم الراحمين جل وعلا، حتى أنه جل وعز يأخذ قبضة من النار فيخرجها بعد أن تقول: شفاعة الملائكة، وشفاعة الأنبياء، وشفاعة الصالحين. فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين، فيأخذ قبضة من النار فيخرج أناسا لم يعملوا خيرا قط، لم يعرفوا بالخير، لم يعرفوا بالأعمال الصالحة. قال: وغير ذلك. وقالوا: لأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد. أي هذا قول أهل السنة، وأقرب بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء، كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، منها حديث عائشة: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، سواء كان قلنا في النذر أو في صيام الفريضة. قالوا: ما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه. قال الله عز وجل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. فلا بد أن تتوفر الشروط في الشفاعة، وهي الإخلاص والتوحيد، وكذلك رضى الله عز وجل عن الشافع والمشفوع، وإذن الرب جل وعز للشافع أن يشفع. قالوا: قد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذا طلبت منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا. معنى: ليس أنه يشفع بذاته، وإنما يشفع إلى الله جل وعلا. فقال: فأسجد. قال: فإذا رأيته خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، أنا محمد. عظيمة، فيقول لي: «يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع». قال: فأقول: ربي أمتي، أمتي. فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة. وهذا الحديث في الصحيحين. قال: وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. وهذه الشفاعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هي الشفاعة العامة التي اختصت بالنبي عليه الصلاة والسلام. وهناك أيضا من الشفاعات التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم: الشفاعة لدخول أهل الجنة الجنة، فإن الملك الذي عند الباب يقول: «أمرت أن أفتح لك، ولا أفتح لأحد غيرك». معنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا شفاعته من الشفاعات الخاصة: شفاعته لعمه أبي طالب. قال العباس للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، عمك أبو طالب كان يحوطك ويحميك، هل تنفعه يوم القيامة؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». ثم ذكر هذه الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. قال: طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير أو عزيرا والمسيح والملائكة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله، أي هؤلاء الذين يسألون يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، كيف يطلب منهم؟ وهذا التفسير هو تفسير ابن عباس، جاء عن ابن عباس أنه قال: هؤلاء أقوام كانوا يدعون العزير والمسيح والملائكة. قال: وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود أنه فسر هذه الآية بقوله رضي الله عنه: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا من الإنس، كانوا يعبدون أناسا من الجن، فآمن الجن وبقي الإنس على دعوتهم. قال: وقال أبو هريرة: يا رسول الله، أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد قبلك، لما رأيته من حرصك على الحديث». وفي رواية: «أولاك بهذا الحديث». وهذه الشهادة من النبي صلى الله عليه وسلم بحرص أبي هريرة. قال: «لما رأيته من حرصك على الحديث». وقال: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله». أخرجه البخاري. قال: فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله كان أحق بالشفاعة. وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين يرجوه ويخافه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه. يقول: فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، الشافع يعين المشفوع له، يتوسط له بغير إذن المشفوع عنده، يعني بغير إذنه. يعني هذا الشفاعة في الدنيا: أن الإنسان مثلا عنده حاجة إلى مسؤول، فيريد أحد أن يشفع له، فيكلم شخصا فيقول له: اشفع لي عند فلان، فلم يأذن له بالشفاعة، وإنما توسط له، فدخل فشفع له. قال: بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج لأن يقبل شفاعته. والله تعالى غني عن العالمين، وهو وحده سبحانه يدبر العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة. معنى: إذا لم يأذن له لا تقبل شفاعته، وهو يقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءه، فالأمر كله له. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَدْلٌ﴾، لا تقبل شفاعتهم عند الله لأنهم لم يأتوا بالإخلاص لله جل وعلا. قال: فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك شفيعا يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته. وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا بإجماع الأمة، أن النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الخلق، أفضل الأنبياء. قال: «أنا سيد الأنبياء يوم القيامة»، وقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». فسيدهم هو أفضلهم. فأفضل الخلق هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم. فقد امتنع النبي عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن قال: «لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك». أنا لما مات، كما في حديث البخاري، في حديث المسيب بن حزن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قل يا عم: لا إله إلا الله». وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزومي، أخو أم سلمة، وكان يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعيد ويعيد، حتى قال آخر كلامه: هو على ملة عبد المطلب. أي مات مشركا. فحزن عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. قالوا: قد صلى على المنافقين ودعا لهم، فقيل له: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. أن الله عز وجل لم يأذن له في الاستغفار للمشركين، ولم يأذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على المنافقين، وقيل له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. لكن من رحمته ذلك النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فكان يقول: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت». أنا على هؤلاء المنافقين، يعني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو أعلم أنه سيغفر لهم بعد السبعين لزدت في الاستغفار على السبعين. لكن أنزل الله عز وجل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال: وقال إبراهيم، قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. أنا لم يقبل الله عز وجل شفاعة نبي الله إبراهيم، عن أفضل من أفضل الخلق، وخليل الله، لكنه لم يقبل شفاعته، وقال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، أي عن الجدال عن هؤلاء، عن قوم لوط. قالوا: لما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه بعد وعده، بقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، قال الله عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. أي هذا لا تقتدوا به، فنقتدى به في الأول في براءته من الكفار، أما هذا فلا تقتدوا به. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وقد ذكر الله عز وجل أيضا: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. قيل: أنه تبين له أنه عدو لله في الدنيا، وقيل: أنه في الآخرة. وقد جاء في صحيح البخاري أن إبراهيم يوم القيامة يقول لله عز وجل: «يا رب، إنك قد وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون». فيقول إبراهيم: «يا رب، إنك وعدتني ألا تخزني اليوم، وأي خزي من أبي الأبعد؟ أنا هذا خزي علي، أن أبي يكون من أهل النار». قال: «وأي خزي من أبي الأبعد؟» فقال: فقال الله عز وجل: «يا إبراهيم، انظر تحته». فنظر تحته، فرأى أباه كالضبع يتشحط في دمه، يتشحط في دمه، ثم أخذ بقوائمه فألقي في النار. فتبرأ منه إبراهيم، تبرأ بعد ذلك منه إبراهيم. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: والله سبحانه له حقوق لا يشرك فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركون فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة. الله سبحانه له حقوق عظيمة لا يشارك فيها غيره، ومنها عبادته. وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، أو اتباعهم، أنا من ذلك الاتباع. وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة. قال: في الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم». فكان معاذ رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبر الناس؟» قال: «إذن يتكلوا». فأخبر بها معاذ قبل موته، مخافة أن يأثم. قال: فالله تعالى مستحق أن نعبد لا نشرك به شيئا، وهذا أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب. قال الله عز وجل: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. هذا دعوة التوحيد، ودعوة الأنبياء والرسل إلى توحيد الله جل وعلا. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال: ويدخل في ذلك أن لا نخاف، أن لا نخاف إلا إياه. أن يدخل في التوحيد والعبادة الخوف، أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. الخشية والتقوى جعلها لله وحده، مع أنه قال: ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. فالخشية والتقوى من أعمال، من العبادات التي لا تصرف إلا لله جل وعلا. قال: وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. هنا قال: لم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، لا، بل قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾. العطاء والإيتاء لله وللرسول. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، أي ما آتاهم الله عز وجل ورسوله. قال: كما قال تعالى: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فالحلال ما أحله الرسول، والحرام ما حرمه الرسول، والدين ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم. وجعل التحسب بالله وحده، التحسب هو الكفاية، لأنه لا كافٍ إلا الله، فلهذا جعل التحسب له سبحانه وتعالى. وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. ما يجوز يقول العبد: حسب رسول الله، مثل ما يقولها بعض المتصوفة: حسب رسول الله. هذا خطأ، لأن الإطلاق عندما يطلق الحسب إنما يكون لله جل وعلا، لأنه ليس هناك من يدبر الأمر إلا الله، ومن يدفع الشر ويجلب الخير إلا الله سبحانه وتعالى. فلهذا فهو الكافي سبحانه جل وعلا. قال: ولم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. معنى: ليس حسبك الله وحسبك من اتبعك، لا، إنما الآية: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَكَ﴾. ومن فسرها بذلك فهو مخطئ خطأ عظيما، كما قال الشيخ الإسلام: من فسرها بأن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، أي حسبك من اتبعك، فهذا تفسير باطل، تفسير باطل. وإنما التفسير الصحيح: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَكَ﴾. قال: فهو وحده كافيكم. ومن ظن أن معنى ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ فقد غلط غلطا عظيما، من وجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع. فقد بين الشيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه أن هذا أو هذا التفسير غلط وخطأ خطأ عظيما. قال: ثم قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي فجعل الفضل لله، وذكر الرسول في الإيتاء لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة. ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. فجعل الرغبة إلى الله وحده، ودون ما سواه، كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. الرغبة تكون إلى الله لأنها عبادة، فأمر بالرغبة إليه، ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا. وإن كان قد أباح في موضع من المواضع ذلك، فأنا أباح بعض السؤال، لكن لم يأمره بذلك. فأنا من ناحية الإباحة أباحه، ممكن أن الإنسان إذا وقع في شيء من الأمور فطلب وسأل بعض أصحابه لا بأس بذلك، وأمر مباح. ولو تعفف ولم يسأل فهو أفضل. فلهذا لم يأمر الله عز وجل حتى في الأمور المباحة، لم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا، وإنما من الأمر المباح في حديث قبيصة: «يا قبيصة، لا تحل المسألة إلا لثلاثة»، تحل لهم، جائزة لهم. ولما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الجوع في الناس، كما في حديث أبي ذر، فقال لأبي ذر: «تعفف يا أبا ذر». قال: كما ثبت في الصحيح. طيب. قال: لكنه لم يأمر به، بل الأفضل العبد لا يسأل قط إلا الله. كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، على ربهم يتوكلون. أن لا يسألون الناس شيئا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع بعض الناس على ذلك، فبايع طائفة على هذا، حتى أن أحدهم لا يسقط منه السوط، فلا يسأل أحدا أن يرفعه إليه. قال: فجعل من صفاتهم أنهم لا يسترقون، أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم. ولم يقل: لا يرقون. وإن كان ذلك قد روي في بعض طرق مسلم فهو غلط. أنا هذه الرواية غلط، هي في صحيح مسلم: «لا يرقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون». لكن هذه الرواية غلط، وإنما هي: «لا يسترقون»، أي لا يطلبون الرقية. والمراد أنهم لا يذلون لغير الله. ومن كمال التوكل أن الإنسان لا يسأل أحدا، يجعل سؤاله كله لله. إذا سألت فاسأل الله. قالوا: إن كان ذلك قد روي في بعض طرق مسلم فهو غلط. فإن النبي عليه الصلاة والسلام رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق. فالمسترق: طالب للدعاء من غيره، بخلاف الراقي غيره فإنه داعٍ له. وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». فهو الذي يتوكل عليه، ويستعان به، ويستغاث به، ويخاف ويرجى، ويعبد، وتنيب إليه القلوب، وتنيب القلوب إليه، لا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ منه إلا إليه. والقرآن كله يحقق هذا الأصل، أي أن العبد يلجأ إلى الله، ويكون أمره إلى الله جل وعلا، فيستعيذ بالله. قال: والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يطاع، ويحب، ويرضى، ويرضى، ويسلم إليه حكمه، ويعزر، ويوقر، ويتبع، ويؤمن به وبما جاء به. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه، أي عن أنس، أو عنه، أي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من حديث أنس، أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وقال له عمر: يا رسول الله، أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: فأنت أحب إلي من نفسي. قال: «الآن يا عمر». أن هذا الواجب، هذا الواجب، وليس المراد الآن كمال إيمانك كما يقول بعضهم، وإنما هذا الواجب الذي على كل مؤمن أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم أحب الناس وأحب الخلق إليه. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، أي الرسول خاصة، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، أي تسبح الله تعالى. فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، والتسبيح لله وحده. وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع. قالوا: قد بعث الله محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ. أنا ينفي الشرك حتى ولو كان هذا الشرك شرك ألفاظ، كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد». وقال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «جعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده». قالوا: العبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده. فالمقصود من الحج عبادة الله وحده، في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها. ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: ونفى الله حجاجا، فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت. وقال طائفة من السلف: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، قالت اليهود والنصارى: نحن مسلمون. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقالوا: لا نحج. أي اليهود والنصارى. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا جاء في تفسير ابن جرير الطبري عن بعض السلف. قالوا: قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ عام في الأولين والآخرين، فإن دين الإسلام هو دين الله الذي عليه أنبياؤه وعباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في كتابه عن أول رسول انبعثه إلى أهل الأرض: نوحا، وإبراهيم، وإسرائيل، وموسى، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين. قال الله عز وجل في حق نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. هذا الشاهد: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فهذا نوح. وقال تعالى في إبراهيم إسرائيل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال تعالى عن يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. وقال تعالى في موسى وقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وقال في أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾. وقال تعالى عن ابن قيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَغَفَرْ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقال عن سليمان: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذا كله دلائل يدلل الشيخ أن دين الأنبياء هو الإسلام، ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه. وقال تعالى عن أ