الدرس في تفسير سورة عبس من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول تفسير الآيات الكريمة من القرآن، حيث يشرح معنى قوله تعالى 'كلا لما يقضي ما أمره' ويبين أهمية التأمل في آيات الله. ينتقل إلى تفسير قوله تعالى 'فلينظر الإنسان إلى طعامه' ويشير إلى أهمية التدبر في خلق الله.
يشرح آيات من القرآن الكريم تتعلق بخلق الأرض وإنبات النباتات، ويبين الله تعالى قدرته في إنزال الماء وإنبات الحبوب والثمار، ويذكر أنواعًا من النباتات ومنافعها.
يتناول تفسير الآيات القرآنية التي تشير إلى نعم الله على الإنسان والحيوان من خلال النبات والزرع، مع التركيز على معاني كلمات مثل 'الحدائق الغلبا' و'الفاكهة والأب'.
يختتم بشرح لبعض آيات سورة عبس ويشير إلى النفخة الثانية وأهوال يوم القيامة، ويختم بالدعاء للنفع بما قيل والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه: ﴿كلا لما يقضي ما أمره﴾، قال: كلا حقا لما يقضي لم يفعل ما أمره، ما أمره به ربه. ومعنى هذه الآية: كلا لما يقضي ما أمره، أي أن الإنسان لم يقضي ما أمره الله جل وعلا بفعله. وصح عن مجاهد رحمه الله تعالى أنه قال عن هذه الآية: «لا يقضي، لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه»، فالإنسان مقصر في حق ربه. كلا لما يقضي ما أمره، فلا الكافر أدى ما أمره الله عز وجل به من الوحدانية والإيمان به، وهكذا من كان منتميا للإسلام، فإن هذا الخطاب على قول جماعة من الفقهاء والمفسرين يشمله، إذ أن الكثير من المسلمين كذلك لم يؤدوا ما افترض الله عز وجل عليهم. فالعجز والضعف والاعتراض والإعراض حاصل لدى كثير من الناس، ليس من كفارهم بل حتى من مسلمهم، بما كان من تقصيرهم في حق ربهم. كلا لما يقضي ما أمره، أي ما أمره به ربه. وقد دلت على هذه الآية آيات كثيرة، «وقليل من عبادي الشكور»، فالقليل من وفق من بني البشر من أهل الإسلام إلى الإيمان والإذعان بأوامر الله جل في علاه. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾، قال رحمه الله: فلينظر نظر اعتبار إلى طعامه، كيف قدر ودبر له. في هذه الآية وما سيأتي الحديث عن طعام الإنسان، وذلك لأن الإنسان لا يقوم له قائمة إلا بطعامه. فأرشد ربنا عز وجل إلى النظر إلى طعامه. قال المؤلف: نظر اعتبار، ليس فقط المقصود بالنظر نظر رؤية، وإنما ما هو أعم من الرؤية، نظر اعتبار وتفكر وتأمل وتدبر في كيف استخراج هذا الطعام حتى وصل إليك. وفي ذلك إشارة، إخواني، إلى مسألة التأمل والتدبر الذي جعله الله لعباده في هذه الدنيا. فالله عز وجل أمرنا بالتدبر في آياته الشرعية والكونية. الآيات الشرعية هي الآيات الموجودة في كتابه، في قرآنه، هذه آيات أمر الله عز وجل بالتأمل والتدبر فيها، «أفلا يتدبرون القرآن». فالإنسان يقرأ ويتأمل فيما يقرأه. وأيضا من الآيات التي أمرنا الله عز وجل بالتأمل فيها الآيات الكونية، وما جعلها الله عز وجل في هذا الكون، «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت». فهنالك تفكر في هذه المخلوقات كيف أوجدها الله، ما يتعلق بعظيم ما أودع الله عز وجل فيها من الأسرار. وهكذا من هذه الأسرار ما أودعه الله عز وجل في طعامنا، كما سيأتي معنا في هذه الآية. مسألة أخرى كذلكم هنا، السؤال: ما الفائدة أو ما العلاقة من ذكر هذه الآية في النظر إلى الطعام خاصة؟ سيأتي معنا المعنى العام، وذلك أن الله عز وجل في الآيات السابقة عندما تحدث عن الإنسان وأنه من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره. ثم بدأت الآيات الماضية بدأت في بداية خلق الإنسان، كيف كان من نطفة إلى أن أصبح قويا فتيا، إلى أن يبعثه ربنا عز وجل. هذه المسألة ضرب الله لنا بها مثلا حيا، وهو ماذا؟ الطعام. الطعام كما سيأتي كيف كان؟ كان عبارة عن نبتة موجودة في الأرض، فإذ بهذه النبتة تكبر، سبحان النفس مراحل الآدمي تأخذ فترة في الأرض، ثم تكبر ثم تشق ثم تخرج على صفح الأرض، ثم تنمو ثم تحصد ثم تذهب. وهكذا الإنسان، فكأن هذه الآية وهي النظر إلى الطعام، مع ما فيها من التأمل إلى عظيم ما أودع الله فيها من الأسرار، فيها أن الإنسان يتدبر إلى قضية البعث والنشور، وأن ليس بذلك على الله بعزيز جل في علاه. فقال سبحانه: ﴿أن صببنا الماء صبا﴾، قال: من السحاب صبا، فقول: أن صببنا الماء صبا، أي أنزلناه بغزارة، بغزارة. صب ينزله ربنا عز وجل من السماء العليا إلى الأرض، فينزل بقوة. وهذه الأمطار التي تنبت منها وتعيش وتحيى بها الأراضي. ومن هنا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم صيبا نافعا، صيبا نافعا»، أي مطر ينزل، لكن من ورائه منفعة. قال: ﴿ثم شققنا الأرض شقا﴾، قال: بالنبات شقا، كما أسلفنا تأمل في مراحل خلق الإنسان وهو في بطن أمه، إلى أن يخرج بمراحل النبات. ينزل عليها الماء إلى الأرض، فتكون الحبة في قعر الأرض في الجوف، ثم إذ بها تهتز، ثم تبرز، ثم تظهر، تنشق الأرض مثل خروج الآدمي من بطن أمه، يخرج النبات، يخرج، يظهر على سطح الأرض، فيظهر منه السيقان والأوراق والجدوع، حتى يستوي نباتا سويا. قال: ﴿فأنبتنا فيها حبا﴾، كالحنطة والشعير، فأنبتنا فيها، أي في هذه الأرض التي أنزل الله عز وجل عليها الأمطار، تبدأ بالنبات. هنا عدد ربنا أنواعا من الزروع التي تنتج من الأرض. ذكر ربنا عز وجل الحب، فأنبتنا فيها حبا، قال: كالحنطة والشعير والبر والرز والعدس، وكثير مما يسمى بعالم الحبوب. وهذه النباتات من الحبوب هي التي يقتات بها وتدخر، تبقى عند الإنسان فترة طويلة من الزمن، تأتي بكيس رز تبقى عندك لمدة شهر أو ما شابه، وهكذا قص باقي المحاصيل، تختلف من مدة إلى مدة، لكن تبقى، ليست عبارة عن يوم أو يومين كباقي الثمار، لا، بل تبقى مدة أطول. وهذه الحبوب يقتات عليها. قال: كالحنطة والشعير، قال: «وعنبا وقضبا»، قال: وهو القت الرطب. كذلك مما يودعه الله عز وجل من الأرض، نهيك عن الحبوب، أشاء ربنا عز وجل إلى عالم الثمار، فأشاء ربنا عز وجل إلى العنب وإلى القضب. العنب معروف، أنفاكها المعروفة، وتعتبر من أعظم الفواكه والنباتات فائدة، ولهذا بدأ بها ربنا عز وجل، قال: وعنبا، أول ما بدأ بها، وذلك لعظيم ما أودع الله عز وجل فيها من الأسرار ومن الفوائد والمنافع. وأما قضبا، قال: وهو القت الرطب، وهو ما نسميه الآن بالبرسيم، وهو ما يعد طعاما للكائنات والبهائم والحيوانات. البرسيم يقال عنه القت، وسماه ربنا سمي بالعربية قضب، قضب، ولا يزال عندنا في اللغة الدارجة القضب هو نفسه لغة عربية أصيلة. وسمي القضب قضبا لأنه يقضب، ومعنى يقضب أي يقطع ويحش. وهذا من شيمة البرسيم، أنه إذا حش ينبت، يحش ويكبر ويزيد، فسمي على هذا الوصف قضبا، أي أنه كلما قطع زاد ونمى. قال سبحانه: ﴿وزيتونا ونخلا﴾، وهذه كذلك من الفواكه التي أجعل الله فيها البركة، ولهذا جاء ذكرها من باقي الفواكه والثمار، وهي الزيتون والنخل. والزيتون من الفواكه العظيمة، بل أقسم ربنا عز وجل عليها: ﴿والتين والزيتون﴾، وربنا ما يقسم إلا على أمر عظيم، فيه من المنافع ما الله بها عليم. وإيه كذلك، حتى قد سماها ربنا عز وجل بالشجرة المباركة: «يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية». ومن بركة الزيتون أنه ينتفع به أكلا وشربا والدهانا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «كل الزيت والدهن به»، أي زيت الزيتون، لعظيم منافعه. وأما النخل كذلك، كونه من الأشجار المباركة التي صح فيها الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بما يؤكل من ثمره من التمر، يؤكل رطبا، يؤكل يابسا، يؤكل بلحا، ويعتصر به، وهكذا ما يكون من الفائدة من خشبه إلى غير ذلكم. فالشاهد أن هذه الأصناف الأربع كما قال العلماء، وهي العنب والقضب والزيتون والنخل، إنما جاء ذكرها لعظيم منفعتها، لعظيم منفعتها. وانظر للحيوان البهيمة عندما تعيش على البرسيم كيف تسمن وتربو، لعظيم منفعة البرسيم على هذه البهيمة. فذكرت هذه الأصناف الأربع لعظيم ما فيها. قال: ﴿وحدائق غلبا﴾، أي مما ينبته الله عز وجل من النبات على الإنسان الحدائق. قال: وحدائق غلبا، قال: بساتين كثيرة الأشجار. ومر معنى أن الفرق بين الحدائق والبساتين أن الحدائق هي بساتين، لكنها محاطة، الحدائق هي بساتين، لكنها محاطة إما بأسوار وإما بجدار وإما بحائط. فقال ربنا: وحدائق غلبا، وقد فسرت غلبا، قال: ملتفا واجتمع، أي مثل الغابات. وهذه إنما آية من آيات الله، كيف تكون هذه النبتة التي لربما أصغر من قيد أنملة توضع في الأرض هنا وهنا وهنا، ثم إذ بها بعد فترة تكون غابات، تكون غابات. من الذي أحياها؟ الله عز وجل. وحدائق غلبا، قال: بساتين كثيرة الأشجار. قال: ﴿وفاكهة وأبا﴾، قال: ما ترعاه البهائم، وقيل التبن. وفاكهة وأبا، الفاكهة هو ما يتفكه به الإنسان، ويدخل في ذلك الفواكه كالبرتقال والتفاح والخوخ وغير ذلك والبطيخ. قال: ذلك من الفواكه التي يتفكه بها الإنسان، هي من نبات الأرض. وفاكهة وأبا، الأب للعلماء فيها أقوال، قيل أنها هي عموم النباتات، وقيل هو كل ما نبت على وجه الأرض من غير تدخل الإنسان، مثل الكلأ، تذهب أنت إلى صحاري أو إلى قفار، فتجد أراضي زراعية ليس لها أصحاب وليس لها أهل، وإنما هكذا تنبت كلأ، هذا بقدرة الله عز وجل. قيل أن هذا هو الأب. وقول أكثر العلماء من المفسرين أنهم جمعوا بين هاتين الكلمتين، وفاكهة وأبا، قال: الفاكهة هو ما يأكله الإنسان، وأبا هو ما تأكله البهائم. هذا لهذا، هذا لهذا. وستدلوا كذلك بما جاء في آخر الآية: ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾، إذن الفاكهة متاعا لنا، طيب، ما هي المتاع للأنعام؟ الأب، الأب. إذن الإنسان عنده شيء أساسي يأكله، وعنده ما يتفكه به، والحيوانات عندها شيء أساسي تأكله كالبرسيم، وعندها ما تتفكه به وهو الأب، وهو باقي ما يجعله الله في الأرض العامة من الكلأ، من الكلأ والزرع الذي تأكل منه الحيوانات. بقي مسألة وهي كلمة الأب، نقلت عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم توقفوا في تفسيرها. مثلا جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه لما سئل عن الأب سكت، ما فسر، ثم قال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم أو ما لا أعرف». قالوا أن الصديق توقف، لكن هذا الأثر عن أبي بكر الصديق لم يصح، لأن فيه انقطاع. طيب انتهينا، بقي الأثر الثاني عن عمر، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، هذا مما صح عنه أنه لما قرأ هذه الآية: ﴿عبس وتولى﴾ إلى أن وصل عند قول الله تعالى: ﴿وفاكهة وأبا﴾، قال: قال عمر: قد عرفنا الفاكهة، فما الأب؟ فما الأب؟ ثم قال لنفسه: يا عمر، يا عمر، إن هذا لهو التكلف، فسكت، وما فسر الأب. هذا نعم، هذا صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ما فسرها. فكيف ننقل الآن أقوال من يقول بأن الأب ما تأكله البهائم؟ قال العلماء: يحمل أن عمر توقف في الأب لعدة أمور، من ذلك ما نقله ابن كثير رحمه الله تعالى أن عمر أراد أن يستوضح شكل الأب، شكله ولونه وماهيته، فما استطاع أن يصل لذلك، فرأى أن الوصول إلى حقيقة هذا النوع من النبات من التكلف، هذا الذي امتنع عنه. أو ما قاله جماعة من أهل العلم أن كلمة أب لم تكن من الكلمات المعروفة عند العرب، لم تكن معروفة عند العرب. فالشاهد أن إن كان هذه الكلمة خفيت على عمر، لكن لم تخف على غيره من العلماء. ولهذا الصحيح في هذه الآية: ﴿وفاكهة وأبا﴾، أن الفاكهة ما يتفكه بها الناس، والأب ما تأكله الدواب. قال سبحانه: ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾، ثم قال: ﴿فإذا جاءت الصاخة النفخة الثانية﴾، وسيأتي معنا إن شاء الله فيما يتعلق بتتمة هذه الآيات، وأن الله عز وجل سيذكر في ختام سورة عبس ما سيقع من يوم القيامة من أهوال. نسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.