الدرس في تفسير سورة التكوير من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع تزكية الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ورد على افتراءات قريش. كما يبين رؤية النبي لجبريل عليه السلام ووصف القرآن لنزول الوحي.
يفسر المقطع معنى كلمة 'ضنين' في القرآن الكريم ويبين قراءتيها. كما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمتهم ولا بخيل في تبليغ الوحي.
يشرح المقطع عموم رسالة القرآن والرسول ويوضح العلاقة بين مشيئة العبد ومشيئة الله. كما يبين أن الاستقامة تكون باتباع القرآن ويرد على الجبرية والقدرية.
أنهى الشيخ درس سورة التكوير وبدأ في التمهيد لدرس سورة الإنفطار. ودعا الله أن ينفع بما قيل في الدروس السابقة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: عند قول الله جل في علاه ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾، قال محمد صلى الله عليه وسلم، في هذه الآيات وما سيأتي بعدها تأتي التزكية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، بعدما أنزكى ربنا عز وجل الرسول الملكي وهو جبريل، كما في قوله تعالى ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾، هنا يأتي الدور على الرسول البشري عليه الصلاة والسلام في أن الله يزكيه. فقال سبحانه ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾، عطف على قوله ﴿إنه﴾ إلى آخر المقسم عليه، وقوله ﴿على عطف على إنه﴾ إلى آخر ما ذكر، قد مضى معنا في قول ربنا عز وجل حينما أقسم بقوله ﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس﴾، فهذه الأقسام على ماذا أقسم بها ربنا؟ على جواب القسم، فأقسم ربنا عز وجل على أن هذا القرآن نزل به جبريل ﴿إنه لقول رسول كريم﴾. وأيضا هذه الأقسام جوابها: هذا الذي أقسم به ربنا ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾، أي أن جواب القسم أيضا أن الله عز وجل أقسم على أن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي بعث إلى أهل مكة ليس كما يقول أهلها بأنه مجنون، فهذا الذي أراد بقوله عطف إلى آخر كلامه. وفي قوله سبحانه وتعالى ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾، صاحبكم أي أهل مكة ويا كفار قريش، محمد صلى الله عليه وسلم صاحبكم من وجه أنه قد صاحبكم سنوات عديدة، فنبينا قد لازم وعاصر وعايش أهل مكة أكثر أو نحو من أربعين سنة، فهو صاحب لكم. وما علاقته بمجنون؟ علاقته أنكم خلال هذه السنوات الطوال، هل رأيتم منه جنونا؟ هل رأيتم منه جنونا؟ بل قد علمتم منه ما قد علمتم من رجاحة عقله ووافر صدقه صلوات ربي وسلامه عليه، لهذا ما يتأتى هذا؟ ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ وأنتم تعلمون هذا علم اليقين، لكنها المكابرة، المكابرة التي أودت بكفار قريش إلى أن يخالفوا المعقول والمنطوق، فرموا نبينا ظلما وكذبا وزورا بالجنون، فداف عنه ربنا بقوله ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾. قال ﴿ولقد رأى﴾، قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها بالأفق المبين، قال البين وهو الأعلى بناحية المشرق، ﴿ولقد رأى﴾، وهذه الآية في بيان ما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام من رؤيته لجبريل، وهي الرؤية الأولى، إذ رآه وهو في مكة، رأى جبريل على صورته وله ستمئة جناح، ستمئة جناح، عليه الصلاة والسلام قد ملأ الأفق. ثم جاءت الرؤية الثانية وذلك في حادثة الإسراء والمعراج، كما قال ربنا ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾، فهذه الرؤية الثانية جاءت في صورة النجم، وأما هاهنا في صورة التكوير إنما جاءت البيان للرؤية الأولى. فقال ﴿ولقد رآه﴾، رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها، قال ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾، أي ما غاب من الوحي وخبر السماء بضنين، أي بمتهم، وفي قراءة بضنين بالضاد، أي ببخيل، فينقص شيئا منه. ومن وصف نبينا عليه الصلاة والسلام أن ربنا عز وجل وصفه بقوله ﴿وما هو على الغيب﴾، أي بخبر الغيب، وما كان من وحي السماء، ما كان عنه بضنين، وما كان عنه بضنين، وانتبه للقراءتين، وكلاهما قراءات سمعية سبعية صحيحة كما قال العلماء. فنبينا إذا الوحي المنزل ليس بضنين، ليس بضنين، أما بضنين وهي القراءة التي يقرأ بها المؤلف جلال الدين رحمه الله تعالى، وهي قراءة أهل مكة وقراءة أهل البصرة يقرؤونها ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ بالمعجمة، ومعنى بضنين أي بمتهم ظنين، أي متهم، ومنه المظنة أو الظنة، الظنة بمعنى التهمة، فلا تبديل في الوحي المنزل لأنه ليس بمتهم عليه الصلاة والسلام، بل هو آمين أهل الأرض كما أنه آمين أهل السماء عليه الصلاة والسلام، فهو مؤتما على الوحي. وأما على القراءة الأخرى ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾، وهذه قراءتنا بالضاد، قراءتنا، فمعنى بضنين أي ببخيل، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا الوحي المنزل ليس بكاتم، بكاتم عنكم شيئا، بل كل ما نزل به الوحي بلغه ونشره وسارع إلى تبليغه لغيره عليه الصلاة والسلام. وكذلك بضنين ليس ببخيل، بمعنى أنه ليس بمن يستلم منكم مالا كما يفعل الكهنة، كانت العرب يلجأون إلى الكهنة في معرفة مسائل الغيب، لكن بمقابل أموال تدفع لهم، فهم على حسب المال يتكلمون ويخبرون، أما نبينا حاشا ما كان كذلكم، ما كان يستلم أموالا على الوحي المنزل، وإنما كان يبلغه لله وفي الله وفي كل مكان وفي كل زمن ومكان عليه الصلاة والسلام. فإذا على القراءتين فالمعنى صحيح، فكلها تعود وتأول إلى وصف نبينا إزاء الوحي المنزل، فهو ليس بضنين بمتهم، وليس بضنين أي ليس ببخيل. قال ﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾، أي مرجوم، وكذلك من دفاع الله جل وعلا، بعد أن بين أن هذا القرآن قد جاءت على أيدي الأطهار، على يد الرسول الملك جبريل الذي بلغه من الله إلى رسوله، وإلى اليد الثانية يد رسول الله والذي بلغه من جبريل إلى خلق الله، هؤلاء الأمناء قد أمنوا على هذا الوحي الذي دفع عنه كل سوء ومكروه. فليس فيه من قصه، وليس فيه ما يقدح فيه، وما استطاع الشيطان أن يؤثر فيه، أن يؤثر فيه لا من قريب ولا من بعيد، بل هو محمي محمي من أن يدخل الشيطان فيه شيئا، ﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾. وأدخل المفسرون في هذه الآية أيضا ماذا؟ أكلام الكهنة، وأن هذا القرآن ليس بكلام كاهن، لأن كفار قريش من الأوصاف البشعة التي أطلقوها على رسول الله بأنه مجنون، وأطلقوا عليه بأنه كاهن، والكاهن إنما يتكلم بما يتكهن به الشيطان، فربنا نزه القرآن عن هذا وعن ذاك، فليس من فعل الشياطين، وليس من صنع أذناب الشياطين كالكهان والعرافين. قال ﴿فأين تذهبون﴾، أي فأي طريق لتسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه؟ هذا القرآن بهذه المثابة والقوة والطهارة والبيان والصحة والبلاغة، فأين تذهبون بعد ذلك؟ فأين عقولكم؟ كما قال أبو بكر الصديق مثلا عندما أسلم وفد بني حنيفة أتباع مسيلمة، أسلموا فأتوا إلى أبي بكر وهم مذعنين، فقام أبو بكر وطلب منهم أن يقرأوا شيئا من آيات مسيلمة التي كان يضحك بها على العرب. فجاءوا له ببعض الآيات، فحينها قال أبو بكر: ويحكم أين ذهبت عقولكم؟ إن هذا الكلام لا يخرج من إل، أي لا يخرج من إله، أين ذهبت عقولكم؟ هذا قرآن، قال: إن هذا لا يخرج من إل، ما يتكلم بهذا، وهكذا في هذه الآيات ربنا ﴿فأين تذهبون﴾، هذا القرآن بهذه الجزالة والقوة والفصاحة والبلاغة والبيان تنكرونه، فإلى أين تذهبوا بإنكاركم؟ هذا محض افتراء، وهذا محض جحود واستكبار وإيباء. فقال ﴿فأين تذهبون﴾، فأي طريق تستسلكون؟ إلا ذكرا للعالمين الإنس والجن، أي إن هذا القرآن هو في الحقيقة ما هو إلا ذكر لقوته وعظيم تأثيره وعظيم قدره، ما هو إلا ذكر للعالمين، أي للإنس والجن، إشارة إلى أن هذا القرآن أرسل للخلق كافة، وفيه إشارة ودلالة على عموم بعثته عليه الصلاة والسلام. وليس كما يدعيه بعض الكفار ككفار النصارى، إذ يدعون أن نبينا محمد نعم قال محمد نبي، لكنه نبي العرب، هو نبي العرب وليس للعجم وليس للفرس والروم، لا، بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو نبي الأمة جمعا، ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، هو، وهكذا القرآن الكريم، إن هو إلا ذكر للعالمين، لجميع الإنس ولجميع الجن في شرق الدنيا وفي غربها. ثم قال سبحانه ﴿فمن شاء منكم أن يستقيم﴾، قال بدل من العالمين، بإعادة الجار، أي لمن شاء من العالمين أن يستقيم باتباع الحق، لمن شاء منكم أن يستقيم، استدل العلماء على أن من أراد الاستقامة فليأخذ بهذا القرآن، فمن أعظم أسباب الاستقامة أن تستقيم على الجادة، وأن تكون على الحق المبين، أنك تقبل على القرآن الكريم إيمانا وعلما وعملا، تقبل على القرآن قراءة وتدبرا وعلما وعملا، من تمسك بالقرآن حق التمسك، فالله جل وعلا يجعله على الجادة ويهديه، كما قال سبحانه ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى﴾. ثم قال سبحانه ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، وتأمل يا عبد الله، قال هنا الخلائق استقامتكم عليه، وهنا في قوله ربنا عز وجل في الآية الأولى والثانية في ذكر العالمين، الأولى تختلف عن الثانية، ففي قوله سبحانه وتعالى في الآية الأولى ﴿فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين﴾، من المقصود هنا بالعالمين؟ المقصود بهم أهل التكليف الإنس والجن، فهؤلاء كلفوا بأن يأخذوا بالقرآن، يأخذوا بالقرآن الإنس والجن. الآية الأخيرة ﴿إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، هنا العالمين من المقصود؟ الإنس والجن فقط لا، هنا العالمين أخرى، هنا العالمين جميع الخلق، جميع الخلائق، يدخل فيهم الإنس والجن والدواب والأسماك والطيور والحيوانات وجميع الخلائق، كما قال إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وكل ما سوى الله عالم، كل ما سوى الله هذه عوالم، كل ما سوى الله. فإذا في الآية الأولى ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين﴾، هنا المقصود الإنس والجن خاصة أهل التكليف، وأما الآية الأخيرة ﴿إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، قال الخلائق، أي جميع العوالم. وفي هذه الآية ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، فيه رد على أهل البدع في باب القضاء والقدر، ففي قوله تعالى ﴿وما تشاءون﴾، أن الله عز وجل أثبت للعباد مشيئة، فللعباد مشيئة، وهذا رد على الجبرية الذين أنكروا مشيئة العباد، وأن العبد مجبور على فعله، مجبور على عمله، وأنه لا يملك لنفسه شيئا لا أمرا ولا نهيا، وهذا محض افتراء، وهذه الآية رد عليهم لأن الله أثبت المشيئة للعباد ﴿وما تشاءون﴾. وفي الآية الأخرى ﴿إلا أن يشاء الله﴾، فيه رد على الغلاة من القدرية نفات القدر، الذين زعموا أن ليس من الله على العبد مشيئة، وأن العبد هو الذي يخلق أعماله بنفسه، العبد هو الذي يخلق أعماله بنفسه، وأن الله ما يتدخل في فعل العبد، ما يتدخل في فعل العبد، وهذا محض بهتان، لأن هذه الآية أثبت ربنا أن له مشيئة عليهم ﴿إلا أن يشاء الله﴾. لكن في الجمع بين الآيتين، عندما نعلم أن لله مشيئة، وأن للعبد مشيئة، لكن مع الآية تماما نعلم أن للعبد مشيئة إلا أن مشيئة العبد تحت مشيئة الله، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في باب القضاء والقدر. وبهذا إخواني فلا انتهينا من هذه السورة من سورة التكوير، ما ذكره المؤلف من العبارات ومن الكلمات التي احتاجت إلى شرح بيان، وإن شاء الله في درس غد ندخل في السورة بعدها وهي سورة الإنفطار، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.