التعليق على كتاب الداء والدواء 90

التعليق على كتاب الداء والدواء 90

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 90، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحذير ابن القيم من داء العشق وآفات النظر

يستعرض المقطع مقدمة كتاب «الداء والدواء» محذرًا من داء العشق الذي قد يؤدي إلى الكفر والقتل والزنا، ومقارنًا بين عصر المؤلف وعصرنا المليء بالفتن الرقمية. ويؤكد على خطورة النظرات المحرمة بوصفها رائد الشهوة وبابًا للوقوع في الزنا، مستشهدًا بأحاديث وآثار تبين أن النظر شرارة تشعل النار.

خطر النظرات المحرمة على القلب والبصيرة

يشرح المقطع كيف أن النظرات المسمومة تجرح قلب الناظر وتؤدي إلى موته الروحي، مستشهدًا بأبيات ابن القيم التي تصف تكرار النظر كجراح متراكمة. ويبين أن غض البصر يفتح بصيرة القلب ويمنح النور، بينما إطلاق البصر يورث الحسرة ويظلم القلب.

خطرات النفس وأمانيها الكاذبة وآثار النظر

يفصل المقطع في الفرق بين النظرات المحرمة والخطرات التي تخطر بالقلب، مبينًا أن الخطرات أصعب وأصل للإرادات والأعمال، فمن راعاها ملك زمام نفسه. كما يحذر من الأماني الكاذبة التي هي تجارة المفلسين، موضحًا أن استلذاذ النفس بتصوير المحرمات دليل على خساستها.

الخاتمة والدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم بالحقائق والغيب. وتكون هذه الفقرة ختامًا مختصرًا للدرس مستجمعًا للدعاء والثناء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد: مر معنا في كلام الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم والرسالة النافعة الموسومة... نعم يا محمد، ما اسمها؟ محمد، ما اسم الكتاب؟ أين صالح؟ آه عندك، عندك... ما اسم الكتاب الذي نقرأ فيه؟ نعم يا برغزي: "الداء والدواء"، وله اسم آخر، فما هو؟ "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي". ما هو الداء الذي طلب من الإمام ابن القيم أن يصف له ما هو الداء؟ ما هو الداء يا رافع؟ ما هو الداء؟ العشق. داء العشق، داء خطير ومرض عضال قد يؤدي بصاحبه إلى أن يقع في الكفر بالله عز وجل، وقد يجعل صاحبه يقع في القتل، وقد يجعل صاحبه يقع في الزنا، وقد يجعل صاحبه يقع في غيرها من الطوام. العشق. ولاحظوا كيف أن ابن القيم رحمه الله تعالى يبين خطورة هذا الداء وأضراره وعواقبه الوخيمة الأليمة، مع أنهم كانوا في زمن العافية، عاشوا قبل مئات السنين، لم يدركوا الشاشات والفضائيات والأفلام والمسلسلات، لم يدركوا الجوالات والشبكات العنكبوتية التي في لحظة وبلمسة قد تجلب الشر والفساد الذي يمارس في أقصى الدنيا وفي أنحاء المعمورة. فماذا... فماذا عسانا أن نقول نحن اليوم؟ ولهذا في حديث أبي ثعلبة الخشني، جاء من حديث غيره: لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: «فإن من ورائكم أيام الصبر، أيام الصبر، القابض على دينه كالقابض على الجمر، قال: للعامل فيها أجر خمسين». قال الصحابة: يا رسول الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل منكم»، قال: «بل منكم». هذه الفتن يا إخوان عظيمة جدًا التي نعانيها ونكابدها، ولا سيما الشباب يا إخوان، لأن الشباب هم المستهدفون. وهكذا الشباب هم أهل الهمة والقوة والحيوية والنشاط والفتوة، الشباب عندهم الإقدام والاندفاع والميل... الميل إلى هذه الأشياء. ولهذا في حديث عقبة بن عامر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يعجب ربك... يعجب ربك من الشاب لا صبوة له»، أي: ليس عنده ميل إلى الهوى، إلى الشهوات. الناس ترقص والناس تغني، وهو يقرأ القرآن ويتذاكر العلم الشرعي، ويتذاكر العلم الشرعي. الناس تلعب وتلهو، الشباب يلعبون ويلهون، وهو قد توطن المسجد وجعل يذكر الله عز وجل، يحافظ على صلاته، يحافظ على قلبه، يحافظ على تزكية نفسه، يحافظ على صلاته، على قرآنه. يعجب ربك من الشاب لا صبوة له، أي: ليس عنده ميل إلى الهوى. ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: «منهم شاب نشأ في عبادة الله». إخوان، هذا ليس بالأمر الهين أن الله يوفق هذا الشاب إلى أن ينشأ على الطاعة وعلى العبادة، هذا شيء عظيم، هذا شيء عظيم، ولا سيما كما سبق مع كثرة الشهوات وعظيم الشبهات، الملاهي والملذات التي يفتن بها الكثير من الشباب، وهكذا أيضًا من الشابات. فهنيئًا يا معشر الشباب هذا التوفيق وهذا الخير الذي ساقه الله عز وجل لنا، وليسأل كل منا ربه عز وجل الثبات والتوفيق والقبول. ابن القيم رحمه الله تعالى تكلم فيما تكلم فيه حول مفسدة الزنا وجريمة الزنا، وأن أكثر ما تدخل المعاصي على العبد من أبواب أربعة: من اللحظات أي النظرات، والخطرات أي الأفكار، واللفظات أي الكلمات، والأمر الرابع: ألا وهو الخطوات. ولأهمية ذلك فقد عقد لكل واحدة منها فصلًا خاصًا مستقلًا يبين فيه رحمه الله تعالى... يبين فيه ماذا؟ خطورة هذه أو خطورة هذا الأمر. وبدأ باللحظات، وذكر أنها رائد الشهوة ورسولها، وأن حفظها أي حفظ اللحظات والنظرات أصل في حفظ الفرج. فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات، أورده موارد الهلكات. وذكر رحمه الله تعالى من الأحاديث النبوية، وهكذا الآثار السلفية، وهكذا الأبيات الشعرية ما يدل على خطورة ذلك: «كل الحوادث مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر». شرارة قد تؤدي إلى حريق عظيم، إلى حريق عظيم. «كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر». والعبد ما دام ذا طرف يقلبه... أي ذا بصر يقلبه في أعين... في أعين... في أعين. «العين موقوف على الخطر، يسر مقلته ما ضر مهجته». وهذا يا إخوان آلام وأوجاع يعيشها من يتساهلون في النظرات المحرمة. شباب يسهرون الساعات الطوال ينظرون إلى الصور، هو يتلذذ بنظر عينه، لكن ماذا... ماذا يا إخوان؟ ماذا يا با حذيفة؟ هو يتلذذ بنظر عينه، لكن ماذا يحصد؟ لكن القلب يتألم ويتوجع. قال: «يسر مقلته ما ضر مهجته، لا مرحبا بسرور عاد بالضرر». وهكذا ذكر رحمه الله تعالى من آفات النظر الحرام... من آفات النظر الحرام ما يعود على صاحبه بالندم، وهكذا مع الندم الكثير من الألم، الكثير من الألم. قال رحمه الله تعالى في تتمة هذا الفصل: «وكم ممن أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلًا». يتشحط: أي أنه كالمصروع الذي يعاني ألم السكرات بسبب القتل الذي وقع عليه، دماء تنزف وأرواح تزهق. قال: كما قيل: «يا ناظرًا ما أقلعت لحظاته... يا ناظرًا» أي بعينيه «ما أقلعت لحظاته»، لحظاته يعني نظراته «حتى تشحط بينهن قتيلًا». قال: «ولي من أبيات»، ولي يعني هذه الأبيات التي ستأتي لشيخ الإسلام ابن القيم، وقد ذكر أنها لابن القيم أيضًا غير واحد من أهل العلم، ومنهم العلامة السفاريني كما في كتابه «غذاء الألباب» شرحه على منظومة الآداب. قال: «ولي من أبيات»: «مل السلامة فاغتدت لحظاته * وقفا على طلل يظن جميلا ما زال يكبع إثره لحظاته * حتى تشحط بينهن قتيلا» وهذا يا إخوان كما سبق: هذه النظرات المسمومة تردي صاحبها قتيلًا. فماذا؟ قد يموت قلبه بسبب ذلك. بسبب ذلك تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أنكرها نكت في قلبه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا... مثل الصفا، والصفا يعني الحجر الأملس. أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا، يعني مقلوبًا منكوسًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه. قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن العجب أن لحظة الناظر... أي نظرة الناظر، قال: سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانًا من قلب الناظر، من قلب الناظر». قال: «وليا من قصيدة»، وليا من قصيدة، هذا من أبياته رحمه الله تعالى، وقد ذكر هذه الأبيات أيضًا رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد»، وهكذا في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين». قال: «وليا من قصيدة: يا راميا بسهام اللحظ مجتهدًا * أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له * احبس رسولك لا يأتيك بالعطب» ما هو العطب؟ العطب هو الفساد والخراب، يقال: عطبت السيارة، يعني عطلت، فسدت. قال: «واعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب، تجرح قلب من يا إخوان؟ الواحد إذا نظر إلى صورة محرمة أو نظر إلى امرأة مارة، هذه نظرة مسمومة تجرح قلب من؟ قلب الناظر أو قلب المنظور إليه؟ يا عبد الرحمن: تجرح قلب من؟ الناظر أو المنظور إليه؟» الناظر. أحسنت. ولهذا تعجب ابن القيم من ذلك، قال: «وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب، فيتبعها... فيتبعها جرحًا، أو فيتبعها جرحًا على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها». النظر الأولى جرحت قلبه، هل يكتفي؟ لا، يحب ذلك ويتحمل آلامًا جراحة، ينظر نظرة أخرى فيجرح جرحًا آخر، هل يمنعه ألم هذه الجروح يمنعه من النظر؟ لا، أصبح ماذا؟ أصبح يكرر هذه النظرات ولا يبالي بهذه الجراحات. قال: «وليا أيضًا في هذا المعنى: ما زلت تتبع نظرة في نظرة * في إثر كل مليحة ومليحي قال: ما زلت تتبع نظرة في نظرة * في إثر كل مليحة ومليحي» والمليح هو ماذا؟ الجميل والوسيم. وقال ذو ملاحة: أي ذو جمال وسامة. «وتظن ذاك دواء جرحك وهو * في التحقيق تجريح على تجريح فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكى * فالقلب منك ذبيح، أي ذبيحي» ولهذا يا إخوان: الواحد يظن أنه إذا نظر كثيرًا فإن هذا الذي يريح القلب وتستريح به النفس، لا، وإنما هو زيادة في الآلام والجراح. قال: «قال رحمه الله تعالى: قال بعض السلف...» وهذه زيادة في بعض الطبعات، قال بعض السلف: «من هنا إلى نهاية الفصل زيادة في بعض الطبعات، والطبعات». قال بعض السلف: «من أطلق لحظاته دامت حسراته». من أطلق لحظاته: أي أكثر من النظرات، قال: «دامت حسراته، ومن غض بصره ملك أمره». وفي قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ قال فيها تأذيب وتأنيب، وتأذيب: آذى فيه تأذيب، وليس تأذيب فحسب بل وتأنيب، ومعنى تأنيب: أي توبيخ، وهكذا تعنيف ولوم على هذا الإنسان. قال: «وتأذيب، ومعنى تأذيب: أي تربية وإصلاح»، يعني ماذا؟ تأذيب أن يجعلها سليمة من العيب والخطأ. قال: «شاه الكرماني: من غض بصره عن المحارم...» ومن هنا شرطية، «وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال، ما جزاؤه؟ قال: لم تخطئ له فراسة». لم تخطئ له فراسة، والفراسة يا إخوان: الفراسة يعني كما قيل هي المهارة في التعرف على بواطن الأمور بمعرفة ظاهرها. الناس كلها تنظر إلى ظاهر الشيء، هل عنده دقة؟ عنده نظر بعيد؟ هذا يسمى فراسة. وفي الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، لكن الحديث لا يصح، الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولهذا ذكر الله عز وجل آية النور عقبية غضي البصر، عقبية غضي البصر». ما هي آية النور؟ ما هي آية النور يا حذيفة؟ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي منورها، ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ الآيات، آخر شيء قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فما له من نور. وقبلها جاءت الآيات التي فيها الأمر بغض البصر وإحصان الفرج. قال: «فإذا غض العبد بصره الظاهر فتح الله بصيرة قلبه». لاحظ: قال: «فإذا غض العبد بصره الظاهر يعني بصر عينيه، فتح الله بصيرة قلبه، بصيرة قلبه». قال: «والله سبحانه أعلم». وقد قيل: «حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات». حبس اللحظات يعني غض البصر عن الحرام، هذا أسهل وأيسر من دوام الحسرات التي سببها النظر إلى الأشياء المحرمة. قال رحمه الله تعالى: «فصل: وأما الخطرات...» إذن انتهى من اللحظات، يعني النظرات المحرمة التي هي سهم من سهام إبليس، وانتقل إلى الأمر الآخر وهي الخطرات، أي ما يخطر في بالي وقلب الإنسان. قال: «وأما الخطرات فشأنها أصعب»، يعني أصعب من ماذا؟ أصعب من مجرد النظر. قال: «فشأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم والقصود». ولهذا مر معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «والقلب يهوى ويتمنى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، أو يكذبه». قال: «فمن راع خطراته ملك إراداته وزمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته قال: فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرات قادته قسرًا إلى الهلكات». لاحظ: قال: «ومن استهان بالخطرات قال: قادته» أي ساقته، سحبته قسرًا، وآه ماذا؟ وقوله «قسرًا» أي قهرًا وإكراهًا إلى الهلكات. وفي بعض الطبعات: «آه ماذا، قادته قسرًا»، وفي بعضها: «قهرًا»، والمعنى متقارب. قال: «ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منا باطلة، منا هل أذى؟ مفرد أو مثنى أو جمع؟» قال: «ولا تزال الخطرات» جمعوا خطرة «تتردد على القلب حتى تصير منا باطلة». هل منن ها هنا جمع أو مثنى أو مفرد؟ جمع. ما مفرده؟ ألقى الشيطان في... ما مفرده؟ الواحد منه، الواحد منه... نعم، حاول أو أحل، حاول أو أحل على غيرك، أي الأمرين تختار؟ المحاولة أو الإحالة؟ أيهما أيسر؟ أحل على غيرك، من تختار؟ وإذا أحلت فالتحل على ملي، على سمين... سمين ماذا؟ حسا أو معنى حس؟ معنى تفضل، اختر واحد من إخوانك، وليكن مليئًا. من تختار؟ لا، نعم، اختر واحد: سالم، أبو حذيفة، تفضل يا سالم. أمنية، مفردها أمنية. مفردها أمنية، والأمنية يا إخوان هي يعني ما يتمناه الإنسان، ما يبتغيه. قال: ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾. قال: «وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة واستجلبها لنفسه وتحل بها، وهي لعمر الله رؤوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين». هذه الأماني: المفلسون تجارتهم الأماني، مني نفسه أنه سيصبح تاجر وسيبني بيوتًا وعقارات ويتزوج من النساء وينجب من البنين والبنات، أماني من غير أن يتسبب بالأسباب الحقيقية. قال: «وهي لعمر الله، أي الأماني الكاذبة، رؤوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين، وهي والله قوت النفس الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال»، كما قال الشاعر: «منا إن تكن حقا تكن أحسن المنا * وإلا فقد عشنا بها زمانا رغدا» أماني، أحلام، أضغاث أحلام، وماذا يمني الإنسان نفسه بهذه الأشياء؟ قال رحمه الله تعالى: «قال: وهي أضر شيء على الإنسان، وتتولد... أي الأماني، وهكذا الخطرات، وتتولد من العجز والكسل، وتولد التفريط والإضاعة والحسرة والندامة». إذن هذه الأماني يا إخوان ما سببها؟ سببها العجز والكسل. إنسان عاجز كسلان، ما معه إلا يتمنى. طيب، ويترتب على ذلك ويتولد منها التفريط والإضاعة والحسرة والندامة. قال: «والمتمني لما فات مباشرته فإنه لما فاتته الحقيقة والصورة، خيل صورتها في قلبه وعانقها وضمها إليه، فقنع بوصال صورة وهمية خيالية صورها فكره». يا إخوان، لنربط الأمور بعضها ببعض الآن: صاحبنا ينظر إلى صورة محرمة في الجوال أو في التلفاز، امرأة متبرجة جميلة، هو ينظر، هنا تأتي الأفكار: يقول: كيف لو كانت عندي أو أنا عندها؟ كيف سأعانقها؟ كيف سأقبلها؟ كيف س... إلى غيرها أفكار، خطرات. إذن هو ماذا؟ ليس له إلا خيال، تخيل صورة أمامه وأنه يباشر هذه الأمور بمجرد هذه الصورة المرسومة أمامه. قال: «وذلك لا يجدي عليه شيئًا، إنما مثله مثل الجائع والظمآن يصور في وهمه صورة الطعام والشراب وهو يأكل ويشرب». جائع، آية... تخيل أمامه صحن صحفة فيها أرز وإش ولحم، برتقال وموز، ويشعاد... يعني يتخيل أنه في الظهر، آية... تخيل أنه يعني جالس للعشاء ينتظر الصحن، يقول: كيف لو جاء صحن مثل الظهر؟ أماني، تخيل. فماذا؟ فليس له إلا الخيال. قال: «والسكون إلى ذلك واستحلاؤه يدل على...» انظر: كونه يطمئن لذلك ويرتاح، فهذا يدل على أمر يا إخوان، ما هي؟ قال: «على خساسة النفس، نفسه خسيسة، أنه يرضى بالزنة والفاحشة، على خسة النفس ووضاعتها». قال: «وإنما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى عاقل أن يخطرها بباله، بل يأنف لنفسه منها». وهذا كما قيل: بيت القصيد يا إخوان، القلب السليم يأبى، ينفر عن ماذا؟ أن يستلذ ويرتاح إذا نظر إلى هذه الصور الخسيسة والوضيعة والمحرمة. والفصل له تتمة من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فقد أبدع وأجاد وأفاد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظنا، وأن يحفظ أبصارنا وأسماعنا وقلوبنا وجوارحنا من الفواحش والآثام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.