الدرس في كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
عرف الشيخ السعدي الحدود بأنها العقوبات المقدرة شرعاً وميزها عن التعزير، مبيناً أن من حكمها ردع العصاة وحفظ أمن المجتمع وتكفير سيئات العاصي. ثم شرع في شروط إقامتها، فأولها أن يكون الفاعل مكلفاً (بالغاً عاقلاً)، مستدلاً بحديث رفع القلم عن الصبي والمجنون، مع جواز تعزير الصبي وردع المجنون لحفظ الأمن.
يشترط لإقامة الحد على غير المسلم في دار الإسلام أن يكون ملتزماً بأحكام المسلمين (كاليهود في المدينة)، فلا يقام الحد على الكافر غير الملتزم كالمستأمن والسائح ما لم يستفز مشاعر المسلمين. كما يشترط لإقامة الحد على المسلم وغيره العلم بتحريم الفعل، فيدرأ الحد عن الجاهل بالتحريم لجهل حديث عهد بالإسلام أو نشأ بعيداً عن المسلمين، لقولهم: لا حد إلا على من علمه، ويُدرأ الحد بالشبهة.
يبيّن المقطع أن جهل المرتكب بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان يعلم تحريم الفعل، مستدلاً بحديث ماعز. كما يشترط أن يقيم الحد الإمام أو نائبه درءاً للمفاسد، ويستثنى من ذلك السيد في جلد رقيقه فقط، ويكون حد الرقيق نصف حد الحر في الجلد.
يعلن المحاضر انتهاء حصة اليوم. ويؤكد على مواصلة الشرح في الدرس القادم إن شاء الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين"، كتاب الحدود: والحدود جمع حد، والحد هو كما عرفه هنا الشارع: العقوبة المقدرة في الشرع. خرج بهذا العقوبة التي يقدرها القاضي وتسمى التعزير. فعندنا حد، وعندنا تعزير. والتعزير هو كل عقوبة لم يأتِ الشرع بتحديدها، فتسمى تعزيراً. وأما الحد فهي العقوبة المقدرة في الشرع، كجلد الزاني غير المحصن، وكقطع يد السارق، وكجلد القاذف، ونحو ذلك مما سيأتي معنا من حدود شرعية جاءت في الشريعة. فهذا هو الحد. ثم قال المؤلف: وطبعاً الحدود شُرعت لحكم كثيرة، فمن أعظمها إرعاب العصاة ومنع انتشار الفساد. فإذا علم الناس، وعلم المسلم، أنه إذا سرق قُطعت يده، فلا يقدم على السرقة. وإذا عرف الزاني المحصن أنه إذا زنى رُجم حتى الموت، لا يزني. وهكذا إذا علم شارب الخمر أنه سيجلد إذا شرب الخمر، لا يشرب الخمر. فيقل الفساد، ويرتدع العصاة، وينتشر العدل في المجتمع. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾، حياة بمعنى أن الحياة تكون قائمة على العدل، وعلى كذلك عدم انتشار الظلم بين الناس. والأمر الثاني أيضاً من حكم الحدود الشرعية: التكفير والتطهير للعاصي، فالحدود تطهر العاصي من الذنوب والمعاصي وتكفر السيئات. فهذا أيضاً حكمة من الحكم. ثم قال المؤلف: لا حد إلا على مكلف. هنا ذكر شروط إقامة الحد، فأول شرط: أن يصدر هذا الفعل الذي عليه عقوبة من مكلف، والمكلف هو البالغ العاقل. خرج بهذا الصبي والمجنون، فلا حد عليهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ »، وذكر منهم: « عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ». وأيضاً لحديث ابن عباس في قصة ماعز، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل قومه، فقالوا: ليس به بأس. يعني قال لهم: أمجنون هو؟ فقالوا: ليس به بأس. فهذا دليل على أنه لو كان مجنوناً لما أقام عليه الحد، لو كان مجنوناً لما أقام عليه الحد، وهذا الحد هو القتل لأنه زنى وهو محصن. نعم، ولأن الصبي والمجنون لا قصد لهما، يعملان الشيء بطيش وجهل وعدم تفكير وتمعن، فلذلك أسقط عنهما الحدود. لكن لا بأس أن يعزر الصبي بما يراه القاضي مناسباً. لو مثلاً كان الصبي يزني، هل نتركه هكذا ولا نفعل شيئاً؟ لا، هذا فساد. إنسان قبل البلوغ يزني، طيب، يقول: أنا ما عليَّ حد؟ لا، مثل هذا فإنه يعزر، إما بالسجن، وإما بالتهديد، أو الضرب، أو نحو ذلك حتى ينكف. وكذلك المجنون يجب على أوليائه أن يمنعوه، يجب عليهم أن يمنعوه. لو أن مجنوناً يسرق أموال الناس مثلاً، فنريد أن نمسك به، قيل: هذا مجنون، رفع عنه القلم. لا، هذا أهله يمنعوه. إذا ما منعه أهله، يمنعه ولي الأمر، يسجنه ويحجزه عن الظلم وأخذ أموال الناس، وهكذا. قال: ملتزم. ويريد بملتزم هو الشرط الثاني: أي الالتزام بأحكام المسلمين. وهذا يشمل المسلم والذمي الذي يعيش بين المسلمين بجزية أو بمقابل أو بأمان أو نحو ذلك. ودليل ذلك حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين الزانيين، والحديث متفق عليه. فمعنى ملتزم: أي بأحكام المسلمين. فلا يقول مثلاً: يهودي يأتي إلى بلاد المسلمين ثم يزني ويقول: أنا لست مسلماً. لا، أنت ملزم بالعمل بأحكام المسلمين. لذلك لو شرب الخمر على مرأى أمام الناس، وعلم به ولي الأمر، له أن يقيم عليه حد شرب الخمر، لأنه في بلاد المسلمين ملتزم باحترام شرائع الإسلام، فلا بد أن يلتزم بذلك. هذا معنى ملتزم. قالوا: خرج بهذا الذي ليس بملتزم، كالكافر الذي ليس بذمي. طيب، لكن مع هذا لا بد أن يكون شره مقتصراً عليه. مثلاً الكافر السائح، هذا ليس ذمياً. طيب، لو شرب الخمر، يقال: إذا أتى بالخمر معه وشربه دون استفزاز لمشاعر المسلمين، فليس عليه حرج، لأنه يعني ليس بملتزم. لكن من الذي يلزم؟ الكافر الذي يعيش عيشة مستقرة في بلاد المسلمين على أن يلتزم بتعاليم الإسلام، فهذا هو الذي يقام عليه الحد. مثل ما كان اليهود في المدينة، أرضوا أن يعيشوا في بلاد المسلمين تحت حكم المسلمين، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما زنى اليهوديان أقام عليهما الحد، لأنهما ملتزمان بشرائع الإسلام. قال: ثالثاً: عالم بالتحريم. هذا الشرط الثالث من شروط إقامة الحد على فاعله، وهو أن يكون عالماً بالتحريم، يعرف أن شرب الخمر محرم، وأن الزنا محرم. خرج بهذا الجاهل، إما لحداثة عهده بالإسلام، أو أنه نشأ في بادية بعيدة عن المسلمين، لا يعرف أحكام الإسلام، وما وصل إليه أحد يعلمه ويبين له، فهو يجهل. وهذا قد يقع في أماكن نائية، أماكن بعيدة، أما في زماننا هذا فأظن أن المسلم يستطيع أن يتعلم أمور دينه خلال هذه الوسائل الحديثة، لكن تبقى هذه المسألة قد تحدث في بعض القرى البعيدة النائية في أدغال إفريقيا مثلاً، أو في أطراف الكرة الأرضية، أو نحو ذلك. المهم بشرط أن يكون جاهلاً بالحكم. شرب الخمر، فرأينا فقبضنا عليه، نريد أن نقيم عليه الحد، قال: ماذا تفعلون؟ أنا أظن أن الخمر مثل الشاي، يعني ما هو حرام. قد يقول هكذا، صح، يعني قد يكون صحيحاً، هذا يعني يكون حديث عهد، أسلم مثلاً اليوم وما يعرف تعاليم الإسلام، ومعتاد على شرب الخمر. شرب الخمر، قيل له: أنت مسلم الآن، عليك حد. قال: والله ما أدري أن هذا الخمر... ما علمتموني، ما أدري أن هذا الخمر حرام. فهذا لا يقام عليه الحد. هذا هو المراد. لماذا لا يقام عليه الحد؟ لأن الحد يُدرأ بالشبهة. هذا الآن عنده شبهة، وعنده جهل. بقول الله عز وجل: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾. وجاء أيضاً عن عمر وعثمان وعلي أثر عنهم جميعاً أنهم قالوا: لا حد إلا على من علمه، لا حد إلا على من علمه. وهذا الجاهل إنما هو جاهل بالحكم، ولا يشترط أن يكون غير عالم بالعقوبة. يعني لو كان عالماً بالحكم، ليس جاهلاً بالحكم، يعرف أن الخمر حرام، ويعرف أن السرقة حرام، لكن ما يعرف ماذا عقوبتها. طيب، فسرق، فقيل له: أنت عليك الآن قطع اليد. قال: أنا ما أدري أن حد السرقة قطع اليد. وهو يعرف حرمة السرقة، فهذا لا يعذر من إقامة الحد عليه، لأنه يعرف حرمة هذا الشيء، ولا يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة. واستدلوا على ذلك بحديث ماعز في الزنا الذي فعله، فإنه لا يعلم أن عقوبة الزنا القتل، ومع هذا لم يسقط هذا الحكم، ولم يسقط هذا الجهل الحد عنه. فاستدلوا بذلك على أن من كان عالماً بالحكم لكنه ليس عالماً بالعقوبة، فهذا يقام عليه الحد، لأنه يعلم أن هذا حرام في الإسلام ولا يجوز، وكونه جاهلاً بالعقوبة هذا لا يشترط، هذا لا يشترط. ثم قال: ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه. وقوله هنا: لا يقيمه إلا الإمام، بمعنى ولي الأمر. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحد في حياته، وهكذا خلفاؤه بعده كانوا يقيمون الحدود بأنفسهم. لأن إقامة الحد من غير إمام أو نائبه، كما مر معنا في القصاص، فيها مفاسد، قد يعني ينتقم الجاني من القائم بالحد، أو قد يعتدي من يقيم الحد، فيبذل ما يقطع اليد من المفصل، يعني يقطعه من الساعد، قد يكون في ظلم، قد يكون في حيف. صح، فإذا لا بد للحد أن يكون عن طريق السلطان، عن طريق ولي الأمر، أو من ينوبه. ودليل من ينوبه حديث: « اذْهَبْ يَا أَنِيسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا »، المرأة التي زنت، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً اسمه أنيس، فقال له: « اذْهَبْ يَا أَنِيسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجِمْهَا ». فإذا اعترفت رجمها. وأمر برجم ماعز، ولم يحضر عليه الصلاة والسلام، وإنما نوب من يقوم بهذا. فالسلطان الأكبر، يعني مثل الآن رئيس الجمهورية، لكن هل رئيس الجمهورية الآن يحضر؟ لا، ينوب في الأنظمة الحديثة القضاء الآن في المحاكم، أو مدير الأمن، أو مدير الاستخبارات، أو نحو ذلك، هم الذين يقومون بهذه الحدود، فهم نواب للإمام، هم نواب للإمام لهذه الأدلة. ثم قال: إلا السيد، فإن له إقامته بالجلد خاصة على رقيقه. واستدل على هذا بحديث: « إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ ». وهذا رواه داود، وهو حديث ضعيف، لكن أخرجه مسلم موقوفاً، وأهل العلم يجيزون للسيد إقامة الحد في الجلد فقط، في الجلد فقط. أما في غيرها من العقوبات فقالوا: لا بد من الإمام. ولذلك هنا قال: فإن له إقامته بالجلد خاصة على رقيقه، يعني على عبده أو على أمته، كما جاء في الحديث. فهذا استثناء، لأن السيد يملك العبد، فله أن يؤدبه، ومن التأديب الجلد. لكن بقية الحدود قالوا: لم يرد الدليل بها، فيقتصر على ما ورد به الدليل. قال: وحد الرقيق في الجلد نصف حد الحر. فمثلا إذا كان يجلد في الزنا مائة جلدة، يجلد الرقيق خمسين جلدة، خمسين جلدة، لورود الأدلة من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. فهذا هو معنى: وحد الرقيق في الجلد نصف حد الحر. هذه يعني المحاضرة عامة حول مقدمة في الحدود، ثم سيذكر المؤلف الأحكام التي فيها الحدود، كالزنا والقذف، والقتل قد مر معنا، وغيرها من الحدود الشرعية. طيب، اليوم نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم.