الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الدرس حديث مؤاخاة النبي ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، حيث عرض سعد نصف ماله وزوجتيه على أخيه المهاجر إيثاراً وتفضيلاً، فآثر عبد الرحمن الكسب الحلال بالتجارة في السوق ورفض العرض الكريم. يبرز هذا الموقف عظمة إيثار الأنصار وتفانِيهم، كما يستدل به على جواز النظر للمرأة عند إرادة تزويجها بعد انقضاء عدتها.
تزوج عبد الرحمن بن عوف بعد هجرته فبارك له النبي ﷺ وأقر مهره الذي بلغ وزن نواة من ذهب، مبيناً جواز الزيادة في المهر حسب يسار الزوج. وينبه الدرس إلى عدم تكلف الفقير بمهر كبير مستشهداً بتوبيخ النبي ﷺ لرجل أعطى نواة من ذهب وهو معسر، مؤكداً أن المهر يكون على قدر الطاقة والاستطاعة.
يبرز الدرس فضيلة الاكتساب باليد والتجارة الذاتية كما فعل عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر الصديق، وأن أفضل الكسب ما يغني عن إعادته ويكفي صاحبه. كما يؤكد أن إنفاق المال في نصرة الدعوة والجهاد من أعظم القربات والطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قول الرجل لأخيه: انظر أي زوجتي شئت حتى أنزل لك عنها. رواه عبد الرحمن بن عوف، أي قصة عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع. قال: حدثنا محمد بن كثير، وهو العبدي، عن سفيان، وسفيان هو الثوري، عن حميد الطويل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري. وعند الأنصار امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فأتى السوق فربح شيئًا من أقط وشيئًا من سمن. فرآه النبي عليه الصلاة والسلام بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال: «مهيم يا عبد الرحمن». فقال: تزوجت أنصارية. قال: «فما سقت؟» قال: وزن نواة من ذهب. قال: «أولم ولو بشاة». فهذا الحديث فيه عدة فوائد ومسائل: فأولًا: فيه ما كان عليه الأنصار رضي الله عنهم من تفانٍ وبذل ومواساة للمهاجرين، وإيثار عظيم لم يسبق ولم يأتِ مثله أبدًا. حتى أن الرجل لا يعرض أهله وماله على أخيه، بل عرضوا أيضًا مزارعهم على إخوانهم، وأرادوا أن يشركوهم في المزارع، فرفض النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يكفونكم المؤنة وتشركونهم في العجر». يكفونكم المؤنة وتشركونهم في العجر، يكفونكم المؤنة يعملون معكم في المزرعة، والأجر أو الإيجار بينكم. أما أنكم تعطونهم أو تنصفونهم في المزارع فليس كذلك. أي: النبي صلى الله عليه وسلم رفض هذه الفكرة، وإلا كان الأنصار سيقدمون عليها. وهذا مثال عظيم أيضًا من هذا التفاني والإيثار، مثل ما وصفهم الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وهذا لما تمكن الإيمان في قلوبهم صارت هذه الأمور عندهم هينة، فلا يبالي بذهاب ماله أو بغيره. لهذا قال لأخيه عبد الرحمن، أي: سعد بن الربيع قال لأخيه عبد الرحمن: «إني معي زوجتان، فانظر إلى أيهما تريد». ففيه كما قال الحافظ: فيه جواز النظر إذا كان الرجل يريد أن يتنازل عن امرأته عند إرادة تزويجها. وأيضًا إذا حصل ذلك فإنه يطلقها حتى تنتهي عدتها فيتزوجها الآخر. وهنا الأنصار رضي الله عنهم، أو سعد بن الربيع، حمله إيثاره وكذلك نفسه على هذا الأمر العظيم، مع أنه تتقدم في هذه الأمور الغيرة، لكن لأن هدفهم كان أعظم من هذا، وهو ترسيخ الأخوة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام بينهم. فكان الرجل في بداية الأمر حتى يرث أخاه، فكانت أخوة عظيمة. ثم أنزل الله عز وجل آية الميراث، على أنه لا يرث إلا القريب، وقال جل وعلا: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. وإلا كان الرجل يرث أخاه الذي هو من في دين الله جل وعلا، ثم نسخ ذلك. لهذا كان سعد بن الربيع أراد أن يتنازل عن نصف ماله لعبد الرحمن بن عوف، وكذلك أراد أن يعطيه أحد زوجتيه. فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. أي: يريد أن يذهب إلى السوق يبيع ويشتري. وعبد الرحمن بن عوف يعتبر من تجار أهل مكة، فلما جاء إلى المدينة تاجر في الأسواق وربح، وأعطاه الله عز وجل مالًا في التجارة وربحًا كذلك. لهذا ما ذهبت إلا أيام وقد تزوج بامرأة من الأنصار رضي الله تعالى عنه. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عبد الرحمن، مهيم يا عبد الرحمن». مهيم: هذه كلمة من باب الرفاء والبنين، في باب التبريك أو السؤال إذا كان فيه شيء من الفرح، فيقول له: مهيم، أي كأنه يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: بوركت يا عبد الرحمن، ماذا فعلت؟ فقال: تزوجت أنصارية. تزوجت أنصارية لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في يده صفرة، وكعدنها كانت من هذه المرأة. ليس أنه فعل صفرة في يده، وإنما لعله حَنَّت زوجته فوقع هذا الشيء من الصفرة أو من الحناء في يده. فقال: فرآه النبي عليه الصلاة والسلام بعد أيام عليه وضر من صفرة، فقال: «مهيم يا عبد الرحمن». فقال: تزوجت أنصارية. قال: «فما سقت؟» أي: ماذا أعطيتها المهر؟ فقال: وزن نواة من ذهب. وهذا شيء كثير، لكن لأن عبد الرحمن كان عنده تجارة وعنده كذا، فلم يعنف عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أيضًا يسجره من ذلك. وهذا يدل على أن الرجل يعطي المهر على قدر ما هو فيه من جاه ومال وغيره، كما قال الله عز وجل: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، فلا بأس أن يزيد في المهر. أما الفقير فلا ينبغي أن يتكلف المهر، أما الفقير الذي ليس عنده شيء فلا يتكلف المهر. ولهذا جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، أعني فإني قد تزوجت. فقال: «فكم أعطيتها؟» قال: أعطيتها نواة من ذهب. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «كأنكم تنحتون من الجبال». النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يساعده، لكن هذا المبلغ كبير، فقال: «لعلكم كأنكم تنحتون من الجبال». وهنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف عبد الرحمن بن عوف، فدل على أن الإنسان بحسب وضعه، لا يتكلف. الآن كثير من الناس تجد يريد أن يدفع مهرًا مثل التجار وممن عنده مال كثير، فيذهب ويتدين ويتكلف لأجل أن يدفع هذا المهر، وهذا خطأ. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى هذا الرجل من الصحابة على أنه جعل هذا المهر وهو ليس معه شيء، وهو ليس معه شيء. لهذا فكل إنسان يكون على قدره، كل إنسان يكون على قدره. وأيضًا في هذا الحديث قال الإمام الحافظ: فيه فوائد ومسائل، فيه ترجيح الاكتساب بنفسه بتجارة أو صناعة، مثل ما فعل عبد الرحمن أنه اكتسب بنفسه. وفيه مباشرة الكبار التجارة بأنفسهم مع وجود من يكفيهم ذلك من وكيل وغيره، أنهم يباشرون التجارة بأنفسهم مع وجود من يقوم بذلك من أبنائهم وغيرهم. وذكر هنا أثر عن أم سلمة أن أبا بكر الصديق خرج تاجرًا إلى بصرى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا معلوم أن الصديق رضي الله عنه أيضًا كان يتاجر، يتاجر لأجل أن يدفع المال للدعوة، فكان يعطي ماله كله لأجل الدعوة، لأجل دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في وصفه: «دعوه لي، صاحبي فقد جئتكم فقلتم كذبتم، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، وواساني بنفسه وماله». فهذا من أعظم المواساة التي تكون من الرجل، أن يواسي دعوة الله جل وعلا. وأيضًا يجعل أو يسخر ماله في شيء مما ينفع الناس، وأيضًا في نشر دعوة الله جل وعلا، فإن هذا أيضًا من الجهاد بالنفس والمال. الجهاد بالنفس أن يكون يدفع نفسه إلى القتال، والجهاد بالمال أن يدفع ماله في مثل هذه الأمور. ودعوة الله جل وعلا هي من أعظم الجهاد، كما ذكر ذلك الأئمة، الشيخ الإسلام بن القيم وغيرهم. وأيضًا ذكر أن أفضل الكسب ما يغني عن إعادته، أن أفضل الكسب أن الرجل يكتسب بيده، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة. فهذه بعض الفوائد التي تؤخذ من هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.