الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث سهل بن سعد في تزويج النبي ﷺ امرأة برجل فقير لا يملك مهراً إلا حفظه للقرآن، وحديث ابن مسعود في نهي النبي ﷺ الصحابة عن الاستخصاء عند غياب النساء في الغزوات. كما يذكر تفصيل قصة استئذان عثمان بن مظعون في الاختصاء فلم يأذن له، وزواج أم سليم بأبي طلحة بشرط الإسلام.
يوضح المقطع أن الزواج سنة للأنبياء والصالحين لأنه يسكن القلب، ويقمع الشهوة، ويحرر المسلم للعبادة وطلب العلم. ويبين أن من لا يجد نكاحاً فعليه الاستعفاف والصيام والدعاء حتى ييسر الله له من فضله.
يحث النبي ﷺ الشباب على الزواج لمن استطاع الباءة، لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج، مما يحقق سلامة القلب وطمأنينته. ويشير المقطع إلى أن الزواج يحمي المسلم من صرف الشهوة عن الطاعة والخير، والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب تزوج المعسر الذي معه القرآن والإسلام». فيه سهل بن سعد عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: حديث سهل في المرأة التي وهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم لم يرغب في ذلك، فقال رجل: إذا لم تكن لك رغبة بها فأنا أتزوجها. فقال: «التمس لها ولو خاتماً من حديد». فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال بعد ذلك: كم تحفظ من القرآن؟ قال: سورة كذا وكذا. فقال له: «زوجتك بما معك من القرآن». قال: حدثنا محمد بن المثنى، وهو مُعَذَّى العَنْزِيّ البصري، وأصله من اليمن لأن عنزة قبيلة من قبائل اليمن، ويلقب بالزمن، وكان من حفاظها البصرة. قال: كنا نغزو مع النبي عليه الصلاة والسلام ليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك. قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، ويحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن أبي خالد الأحمس الكوفي، قال: حدثنا، قال: حدثني قيس، وهو ابن أبي حازم الأحمسي الكوفي، قال: عن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك. فهذا الحديث ذكره هنا الإمام البخاري في هذا الباب، والحكم من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الاختصاء مع احتياجهم إلى النساء، وهم مع ذلك لا شيء لهم، والظاهر أنه أراد أن الله عز وجل يعين حافظ القرآن، فينبغي أن يتعاون معه من أصحابه ومن أهله حتى يزوجه. وهنا قال: «تزوج المعسر الذي معه القرآن والإسلام»، فيُزوج مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الرجل الذي معه القرآن، وأدخل أيضاً معه الإسلام. وقد يكون أيضاً استدلالاً بما فعلت أم سليم، أنها تزوجت بالإسلام، جعلت أو رضيت بأبي طلحة أن يكون زوجاً لها إذا أسلم، فقالت: «إن تسلم فليس لي مهر إلا إسلامك». وأما هذا الحديث، حديث ابن مسعود، ففيه النهي عن الاختصاء، والاختصاء هو قطع الخصية حتى تذهب الشهوة، وقد كان يفعله بعضهم في الجاهلية، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام، ولأن هذا أيضاً من عادات النصارى، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وقد جاء أيضاً في حديث سعد بن أبي وقاص أن عثمان بن مظعون استأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن يختصي فلم يأذن له، قال سعد: «لو أذن له لاختصينا». وهذا لأجل أنهم أرادوا الخير، فلو أن الخير في العبادة وترك الزواج لكان الصحابة رضي الله عنهم هم أولى الناس بذلك، ولكن الزواج يعين على الخير، يعين على الخير، فيجد الرجل مسكنه، ويجد أيضاً ما يقمع شهوته، وأيضاً يجد ما يذهب بتفكيره، فيسكن ويهدي قلبه. وأيضاً فيه أنه يتوجه بعد ذلك إلى الله عز وجل، كم من إنسان شهوته هي التي كانت الحائل بينه وبين الطاعة، أو أنها كانت الحائل بينه وبين إقبال الرجل على الخير وعلى العلم وعلى غيره مما يكون فيه رضا الله جل وعلا. فلذا كان هذا الزواج نعمة من الله عز وجل، فجعل هذا الزواج لأهل الصلاح فضلاً عن غيرهم، فهو للأنبياء وللصالحين، وأيضاً لغيرهم ممن اتبعهم على هذه السنة. وأما المعسر الذي لا يجد نكاحاً وعنده عسر وفقر، فهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33]، يستعف ويصوم، وأيضاً يدعو الله عز وجل حتى يسر له ما يقيم به نفسه، وأيضاً يتزوج، يسر الله عز وجل له الزواج، فيذهب ذلك التفكير وغيره، وأيضاً يلتفت إلى طاعة الله عز وجل وإلى مرضاته سبحانه وتعالى. وقد يشغل أيضاً بالزوجة وبالولد، لكن شغل هذا أقل من شغل الرجل في البحث عن الزواج أو عن ما يسكن شهوته. ولهذا اهتم الشرع بهذا، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». فسلامة القلب ما تعدلها سلامة، سلامة القلب ما تعدلها سلامة، فإن الرجل إذا تزوج غالباً يغض بصره ويحصن فرجه، فهذا خير عظيم، وإلا قد كما قلنا يصرف عن الخير ويصرف عن الطاعة بسبب هذه الشهوة. طيب، فهذا ما يذكر في هذا المقام، ما اكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.