19 فضائل الأعمال في شهر الصيام - الاجتهاد في العشر الأواخر

19 فضائل الأعمال في شهر الصيام - الاجتهاد في العشر الأواخر

الدرس في 19 فضائل الأعمال في شهر الصيام - الاجتهاد في العشر الأواخر، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل العشر الأواخر وهدي النبي فيها

العشر الأواخر من رمضان ليالي شريفة خصها الله بنزول القرآن ووجود ليلة القدر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها بالعبادة.

اجتهاد النبي في العشر الأواخر واعتكافه

كان النبي يعتكف ويشد مئزره ويحيي ليله ويوقظ أهله للصلاة، ويعتزل نساءه ويتقرب إلى الله بالطاعات. كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.

الاجتهاد في العشر الأواخر والصبر في نهاية رمضان

يجب الاجتهاد في العشر الأواخر كما كان النبي يفعل، بزيادة العبادة وقراءة القرآن. يجب التحلي بالصبر والمصابرة لتحقيق الفلاح في نهاية رمضان.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إن من فضائل الأعمال التي ينبغي أن نحرص عليها في مثل هذه الأوقات بالذات، ومع حلول علينا العشر الأواخر من رمضان، ما يكون من الجد والإجتهاد في طاعة الرحمن، إذ أن هذه الليالي، إخواني في الله، هي من عظيم الأيام، ومن أشرف الأزمان التي خصها الرحمن لأهل الإسلام والإيمان. فلله الحمد حمدا من بعد حمد على هذا العطاء والإنعام. العشر الأواخر من رمضان، إخواني في الله، هي الليالي الشريفة والليالي المقدسة المنيفة، ليالي جُعل في أولها وشُعر وشُرع في بدايتها الاعتكاف، أن يختل العبد بنفسه مع ربه، ويُقبل على الله بقلبه وقالبه بمناجاته وعبوديته، وينقطع عن الخلائق وينقطع عن الدنيا وعن تعلقاتها، وينشغل بخاصة نفسه. وقد كان عليه الصلاة والسلام من أشد الناس حرصا على الاعتكاف في هذه الليالي، فلا يزال كذلك حتى توفاه الله. هذه الليالي المباركة، والذي شُرع في آخرها زكاة الفطر، عبادة جليلة وقربة عظيمة، أن يخرج المسلم والمسلمة من طعامه ومن زاده ومن قوت يومه، سواء كان ذكرا أو أنثى أو صغيرا أو كبيرا، زكاة تكون طهرة لصومه مما عساه ما أصابه من الخج والضعف، وكذلك مواساه للفقراء والمساكين والضعفة والمحتاجين. هذه الليالي العشر من خصائصها أن الله جل وعلا جعلها منزلا ومحلا لنزول القرآن، إذ أن القرآن نزل في رمضان، وبالتحديد في العشر. فعن واثل بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «أنزلت الصحف على إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة على موسى لست مضين من رمضان» إلى أن قال «وأنزل القرآن على رسول الله لأربع وعشرين خلت من رمضان». وما اختصاص هذه الليالي بنزول القرآن إلا لعلو مرتبتها ولعلو شرفها وقدرها. هذه الليالي، عباد الله، مما تميزت به أن الله سبحانه وتعالى أوجد فيها ليلة هي خير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، ليلة واحدة توازي وتساوي ثمانين سنة. فأي فضل بعد هذا الفضل؟ ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إخواني في الله، إذن نحن أمام موسم عظيم، رمضان هو موسم من أوله إلى آخره. فما ظنك بموسم يجعله الله داخل هذا الموسم؟ فما ظنك بتكفير السيئات والتجاوز عن الخطيئات وبرفعة الدراجات؟ ما الله به عليم. ومن هنا، إخواني في الله، فلما كانت هذه الليالي بهذه الهيبة والمهابة وبهذه القوة والمتانة، ما كان من أمره عليه الصلاة والسلام إلا مزيد عناية. فكان عليه الصلاة والسلام يُقبل على هذه الأيام بالجد والإجتهاد والمجاهدة، وبالصبر والعزم والمثابرة. كان عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح، يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره. هو صلوات ربي وسلام عليه في عبوديته مع ربه، لا كلل ولا ملل، منذ أن أنزل الله عليه الوحي، وهو لا يزال يسعى قدما إلى الله جل وعلا بأنواع الطاعات والعبادات. فإذا دخلت هذه العشر، زاد عليه الصلاة والسلام في تقربه لله جل في علا. وعلينا، إخواني في الله، أن نأتسي جميعا بهديه وبسمته، وما كان من رعايته لهذه الليالي الفاضلة. فلننظر، إخواني في الله، لفته: ما الذي كان يفعله عليه الصلاة والسلام في هذه الليالي بالذات؟ جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا دخلت عليه العشر شد مئزره، وأحيا ليلة، وأيقظ أهله». ذكرت عائشة هذه الخصال الثلاث عن رسولنا عليه الصلاة والسلام. شد مئزره، قال العلماء: شد المئزر بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتزل نساءه وأزواجه، فما كان يقربهن. يترك عليه الصلاة والسلام ما ترغب له النفس في سبيل أن يرضى الرب عز وجل، فيقدم مرضات ربه على رغبات نفسه عليه الصلاة والسلام، فيعتزل النساء ويتقرب إلى الله جل في علا بأنواع الطاعات والعبادات. وقيل أن شد المئزر إنما هي كناية عن مدى حرصه وما كان من مبالغته في تعبده لربه. وكلاهما محتمل، والمعنى واحد، والمؤدى واحد في أن النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر ما كان يلتفت إلا إلى الله سبحانه وتعالى عبادة وطاعة، صلاة وصياما، ذكرا وقرآنا. والصفة الثانية من صفاته عليه الصلاة والسلام: قالت «وأحيا ليلة». كان يشغل هذه الليالي بالسهر عليه الصلاة والسلام، يسهر لكن سهره في طاعة مولاه. قالت: جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلط العشرين بصلاة ونوم، في أول عشرين من رمضان كان يخالطها: يصلي وينام، ينام ويصلي، يخلط هذا بهذا. قالت: فإذا دخل العشر شمر وشد المئزر، بمعنى ما نام، ما كان ينام في الليالي، فما كان يذوق غمضا ولا كان يحدث نوما عليه الصلاة والسلام، بل كان يحيي ليلة في طاعة الله. وليس معنى أنه كان ينتصب لله قائما فحسب، وإنما قال العلماء: إحياء الليل بأنواع الطاعات، فكان يصلي وتارة يقرأ القرآن، وكان أحيانا يذكر الله جل وعلا. والصفة الثالثة أنه «كان يوقظ أهله»، دل على أن الإنسان في هذه الليالي الفاضلة لا يفكر فقط في نفسه، وأن يقتصر على هذا الخير لأمره وشأنه، وإنما كذلك يحرص على أنه يبلغ هذا الخير لغيره، وخاصة لأهله ولأفراد أسرته. فكان عليه الصلاة والسلام هذا الجد والإجتهاد لنفسه، ويوصله إلى غيره، فكان يوقظ أهله لكي يشاركونه في القيام وفي الصلاة وفي قراءة القرآن. ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى: «وأحب إذا دخلت العشر أن يشتهد الرجل في الليل، وأن يوقظ أهله وولده إلى الصلاة إن طاقوا ذلك». إن أطاقوا ذلك، فهذا منه رحمه الله تعالى اعتساء لفعله عليه الصلاة والسلام: أنك تشتهد ثم تشارك أهلك، ويوقظ أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا، بشكل القدرة عندهم، طاقة عندهم قدرة على التهجد على القيام على قراءة القرآن على السهر، فذلك يشدهم ويأخذ بأزرهم ويشركهم في هذا الخير. إخواني في الله، هذا هو فعله عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر من رمضان. لكن ننظر إلى أحوال الناس: كيف الناس في العشر الأواخر؟ للأسف، من رأى إلى أحوالنا ليجد أن الأمور يندى ويندى لها الجبين. منا من لربما وصل إلى حال الضعف، وهذا من الأخطاء العظيمة. تجد أن الإنسان منا لربما يعمل ويعمل من الصالحات في العشر الأول والعشر الثاني المؤوسط من رمضان، ثم إذا دخلت العشر الأواخر تكسل، تراه يفتر، يتعم، تلاحظ هذا في رواد المساجد، تجدهم يقلون. لاحظ في من يصلي التراويح والقيام يقلون. تجد من هم من عمار المساجد أصبحوا يتضاءلون. أين الجميع؟ الآن، الآن في وقت الجد والإجتهاد تنسحب وتستسلم، يا عبد الله، هذا من إيحاء الشيطان ومن ضعف النفس الأمارة بالسوء. الإنسان منا، إخواني في الله، يعمل ويعمل، فإذا جاءت العشر شمر لأنه يتقاعز ويتكاسل. يشمر. وانظر إلى حال سلفنا الصالح، سلفنا كان على هذا الحال، أنهم يعملون فإذا دخلت العشر أظهروا شيئا فاق الخيال. الواحد منهم يقبل على قراءة، على ختم القرآن في بداية رمضان، لربما يختم القرآن في عشر ليالي، يختم القرآن في سبع ليالي. إذا دخلت العشر ختم القرآن في ثلاث. تأتيهم قوة عجيبة مختزلة يخرجونها في هذه الأوقات بالذات. منهم من يختم القرآن في ثلاث، ومنهم من كان يختم القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان. هذا هو الهم، هذا هو العزم، هذه الهمة، إخواني في الله، الذي ينبغي أن تختزل في قلوبنا: أننا نحسب الأيام والليالي، فإذا جاءت العشر شمرنا، لا أننا إذا جاءت العشر أقعسنا وتكاسلنا وانسحبنا من القيام وانسحبنا من التراويح، وأصابنا ضعف والانهزام. فهذا من الحرمان، يا عبد الله، هذا من الحرمان. ومننا، إخواني في الله، من لربما تدخل عليه العشر وتخرج وهو لا يرفع لها رأسا، ولا يلقي لها بالا، ولا يعير لها اهتماما. تدخل عليه العشر، تزداد نهمته إلى الأسواق، يسيل لعابه الآن، الآن موسم التسوق، يذهب من العصر ثم إلى المغرب ثم إلى العشاء ثم إلى الليل، فلو ربما يدخل عليه الليل وهو يتعب، ثم ينطرح الفراش، لا تراويح، لا قيام، لا دعاء، لا ذكر لله جل في علا. هذا، إخواني في الله، من الإضاعة لعظيم ما أنزله الله من الفضل والكرامة لهذه الأمة المحمدية. والسعيد من وفقه الله، والسعيد من وفقه الله لاغتنام هذه الليالي المباركة. فالله الله، عباد الله، فإن من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يغتنم لها رمضان أن نستغله في الجد والاشتهاد في العشر الأخيرة منه. والقاعدة التي يذكرها العلماء: أنه ما من زمن فاضل إلا وآخره كان أفضل من أوله. ما من زمن فاضل إلا كان آخره أفضل من أوله. فها نحن في رمضان في أوله وفي وسطه وفي آخره. فإذا جئنا إلى الترتيب الأفضلية، اعلم أن آخر رمضان أفضل من الأوسط وأفضل من الأول. فالبعد ذلك، يا عبد الله، وقد وصلت إلى المنتهى، يدب إليك الفتور والتقاعس والكسل والتخاذل، لا، يا عبد الله، فلا يقع هذا منك، وإنما الصبر، الصبر، يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.