17 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ترك الحرام

17 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ترك الحرام

الدرس في 17 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ترك الحرام، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الامتناع عن المعاصي في رمضان

يجب على الصائم ترك المعاصي كما يترك الطعام والشراب، لأن تقوى الله تكون بفعل الطاعات واجتناب المنهيات. جاءت الأدلة من القرآن والسنة على أهمية ترك الذنوب أثناء الصيام.

تأثير الذنوب والمعاصي على صحة الصيام

الذنوب والمعاصي تنقص من أجر الصوم وقد تفسده إذا فعلها الصائم عمدًا، كما تتضاعف السيئة في رمضان بسبب قدسية الزمن. جمهور العلماء يرى أنها تنقص أجر الصوم دون إبطاله.

تضاعف السيئات وحكم تارك الذنب في رمضان

السيئات تتضاعف في رمضان في الحجم أو العقوبة، وتارك الذنب إما تائب أو غير تائب، والتوبة لها شروط يجب توافرها. يُشدد على أهمية ترك المحرمات قولا وفعلا للصائمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، من الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها الصوام ما يكون من ترك الحرام، من ترك المعاصي والذنوب والآثام، بل إن هذا العمل له على قائمة الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام، وخاصة وهم في شهر رمضان أن لا يتورطوا في شيء من معاصي الله جل في علاه. إخواني في الله، إن الله جل في علاه ما فرض علينا رمضان تنحيفا للأجساد أو تضييقا للعباد، بل جل في علاه فرض علينا رمضان لغاية حميدة، لأهداف نبيلة، ألا وهي تقواه جل في علاه، ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، لعلكم تتقون، قيل في معناها: أي لعلكم تتقون الأكل والشرب، وقيل: لعلكم تتقون، أي تحققوا مقام التقوى، وهذا الذي عليه أكثر العلماء من المفسرين: أي أن الله جل وعلا إنما فرض علينا الصيام لكي نتقيه جل في علاه. وتقوى الله إنما يكون بفعل الطاعات واجتناب المنهيات، تقوى الله أن تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، وذلك بالابتعاد عن الذنوب والسيئات قدر الإمكان. وقد جاءت الأدلة الكثيرة التي تدل على هذه الغاية الحميدة، وأن الإنسان الصائم كما أنهم مطالب بترك الطعام والشراب، فكذلك مطالب بترك الذنوب والآثام. روى الإمام البخاري في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، من لم يدع قول الزور، الزور مأخوذ من الإزورار، وهو الانحراف، فقول الزور هو كل قول منحرف، والعمل بالزور هو كل عمل منحرف، وهذا الانحراف أي خروج عن الطاعة، فمن لم يدع قول الحرام ولا فعل الحرام، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، أي: ما الفائدة من صيامك وأنت لم تكف أو ترعوي عن فعل الآثام؟ وهكذا ما جاء في السنن، وعند الطبراني من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، رب صائم هو صائم، نعم، من حيث أنه أغلق فمه، فما تناول شيئا، لا ماء ولا طعام، لكن هذا نصيبه من صيامه الجوع، لكن الأجر والثواب ما يحصل، لماذا ما يحصل؟ لأنه منكب على المعاصي والآثام، منكب على المعاصي والآثام. فدل ذلك، إخواني في الله، على أن المسلم كما يحرص على أنه يمسك عن الشراب والطعام، فعليه كذلك أن يمسك عن الذنوب وعن سائر الآثام، كما دلت على ذلكم الأدلة. بل هذه المسألة قد أشار إليها القرآن، فقد ذكر العلماء أن في قول ربنا جل وعلا في سورة البقرة: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾، ثم تتابعت الآيات تلو الآيات في باب أحكام الصيام، ثم أردفت أول ما أردفت آيات الصيام بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. قد يقول قائل: وما الربط؟ كان الحديث عن الصيام، عن الفجر الصادق والفجر الكاذب، وعن الاعتكاف، وعن إلى غير ذلك من أحكام الصيام، انتهت أحكام الصيام، أول آية بعد ذلك: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، ما العلاقة؟ قال جماعة من المفسرين: العلاقة في ذلك وهي على أن من حقق الصيام وامتثل لفرضية رمضان، فإن ذلك يظهر على فعله في تعامله مع خلق الله، فلا يأكل أموالهم بالباطل. إخواني في الله، وهنا أحب أن أنبه على مسائل تتفرع من هذا الباب، أولاها الحرص على ما ذكر، وأنك يا عبد الله في شهر رمضان خاصة احرص على أنك تتق الله في الابتعاد عن كل حرام، سواء كان قولا أو فعلا، النظر المحرم، السماع المحرم، التلفظ المحرم، المعاملة المحرمة، كل ما هو حرام ابتعد عنه. ولهذا قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب وعن المحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء»، كلمات تكتب بماء الذهب، كلمات عظيمات من هذا الصحابي الجليل. يهمنا من عبارة جابر بن عبد الله، والتي رواها ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، فيه: «إذا صمت فليصم»، يصم معك ماذا؟ كما صامت البطن، فليصم السمع، والأذن، وكذلك العين، واللسان، وكل الجوارح عن فعل الذنوب والمعاصي. ولهذا قال بعض السلف: «أهون الصيام ترك الطعام والشراب»، هذا عند الصالحين، هذه من أقل مراتب الصيام، وهو أنك تترك الطعام والشراب، قال: «أهون الصيام ترك الطعام والشراب»، لأن هناك ما هو أعظم من ذلك، وهو ترك الذنوب والآثام. التنبيه الثاني، إخواني في الله، مما أنبه عليه في هذا المقام أيضا، أشرنا إلى أن الذنوب والمعاصي تؤثر في الصيام، بقي: إلى أي حد تؤثر المعاصي والذنوب على صيامك يا عبد الله؟ ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن المعاصي تؤثر على الصيام لدرجة البطلان، أن صومك فسد، وعليك القضاء. يقول ابن حزم رحمه الله: «ويبطله الصوم بكل معصية فعلها صاحبها عامدا لها، ذاكرا لصومه»، اشترط شرطين: عامدا لها، أي: أنك متعمد بفعل المعصية، عامدا لها، ذاكرا لصومه، قد تأتي غفلة، يغفل أنه في رمضان، لا، هذا ليس غافل، ذاكر أنه في رمضان، ويتعمد فعل المعصية. قال ابن حزم رحمه الله: «ويبطله»، أي: يبطل الصيام، فعل كل معصية عامدا لها، ذاكرا لصومه، سواء كانت قولا أو فعلا، سواء كانت المعصية قولية، أي: تأتي بعبارة حرام، صومك باطل، أو فعلت فعلا حرام، صومك باطل، هذا الذي قرره ابن حزم رحمه الله تعالى. نعم، سار عليه جماعة من بعض من التابعين وأتباع التابعين، أنهم كانوا يبطلون صوم الإنسان بفعل معصية. وإلا الذي عليه جماهير العلماء: على أن المعاصي لا تنقض الصوم، وإنما تنقص، تنقص من أجر صومك، صومك يا عبد الله له درجة معينة من الحسنات، فعلى قدر إتيانك للآثام، فإن أجر الصوم ينقص وينقص وينقص. هذا الذي عليه جماهير العلماء: على أن المعاصي، قولا كانت أو فعلا، تنقص وتؤثر سلبا على صيامك. وليس المقام مقام بسط أقوال العلماء في هذا الباب، لكن هذه خلاصة المسألة، مع التنبيه يا عبد الله، مع بيان الذي عليه جماهير العلماء. على أنك على قدر معصيتك يكون نزول الحسنات من صيامك، عليك أن تعلم أمرا آخر، ألا وهو أن فعلك للمعصية في رمضان، السيئة فيها تضاعف، هذا فليكن كذلك على بالك وحسبانك، لا تنظر إلى مدى تعلق المعصية على صيامك، بل ما لها من تعلق إلى حسابك يوم القيامة. فإن الحسنات كما أنها تزداد وتضاعف في المواسم، كذلك السيئات فإنها تضاعف في المواسم، فالزمن الشريف والمكان الشريف إذا فعلت فيه المعصية فإن المعصية تضاعف، وهذا هو الذي عليه الأدلة العامة والخاصة، فمعصيتك في رمضان ليس كمعصيتك في شعبان، فرق، لأنك في رمضان في زمن شريف، أعطاك الله ما أعطاك من الرحمات والخيرات والبركات، ثم بعد ذلك تعرض وتنكب على المعصية، دل هذا على شدة إعراضك، دل على شدة إعراضك، فتجازى من جنس فعلك، بأن السيئة التي فعلتها تتضاعف. وهكذا قل في المكان الشريف، كمن يعصي الله في بيت من بيوت الله، أو يعصي الله في الحرمين، وقس على ذلك. لكن تأتي مسألة أخرى، وهي: قد يقول قائل: وكيف تتضاعف السيئات مع أن الشرع في القرآن والسنة دل على أن من فعل سيئة فلا يجزى إلا مثلها؟ السيئة بالسيئة. قال علماء: نعم، السيئة بالسيئة هي واحدة، فقال علماء: المضاعفة لا تكون في العدد، وإنما تكون في الحجم، في الحجم، هي سيئة واحدة، لكن السيئة التي تعملها في رمضان حجمها، قدرها، غلظها أعظم من سيئة تفعلها في شوال، واضح، هي واحدة، حتى لا تختل القواعد، لأن النص القرآني دل على أن السيئة بالسيئة واحدة، رحمة من الله بالأمة. لكن هذه السيئة الواحدة إن فعلتها في زمن شريف أو في مكان شريف، فإن حجمها يثقل، هي واحدة، لكنها تغلظ، وحجمها يثقل في الميزان، فاحذر يا عبد الله من ذلكم. وهناك كذلك وجه آخر: أن هذه السيئة الواحدة أن العقوبة عليها تضاعف. وكما عبر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا المقام، قال: «وليست الضربة كالضربة، وليست اللدغة كاللدغة»، أحيانا أنت تضرب كفا من شخص، ويأتيك آخر يعطيك كفا، لكن بقوة، الكف يختلف، فإذا جاءك كف من شخص ضعيف، لا بأس به، تتحمله، لكن لو جاءك كف من مصارع، لربما يهوي بك على الأرض. وهكذا قل في اللدغات، فلربما تلدغ لدغة من دبر، كما نسميه، فيه حرة، لكن فرق بين هذه اللدغة، من لدغة عقرب، الكل لدغ، لكن فرق، كما قال شيخ الإسلام: «وليست الضربة كالضربة، واللدغة كاللدغة»، ففهم يا عبد الله هذا المقام حق الفهم. فإن معصيتك في رمضان فإنها تضاعف، كذلك على ما يكون من تأثيرها السلبي على صومك، بأن أجرك يتناقص. مسألة أخيرة أختم بها هذا المقام، متعلقة بترك الحرام، ألا وهي: ينبغي أن نفرق في مسألة تارك الذنب، الذي يترك الذنب ويترك المعصية في رمضان، هو على أحد وجهين. إما أنه يترك المعصية توبة وإنابة إلى الله، توبة وإنابة إلى الله، فهذا يعطى له أجر التائبين، ويتوب الله على من تاب، وذلك بشروط التوبة: الندم، الإقلاع، العزم على عدم العودة لها، هذا إذا تاب على هذه الصفات، فهو من عباد الله التائبين، له الفضل العظيم في الدنيا والآخرة، والله يحب التوابين. الوجه الثاني من ترك المعصية، لا، ليس التوبة، وإنما لرمضان، الشخص سمع هذا الدرس مثلا، وعلم أن المعاصي في رمضان تضاعف، قال: لا، لا، أنا ما عندي قدرة على هذا، سأترك، سأترك المعاصي في رمضان فقط، حتى أتجنب موضوع المضاعفة، رجل مدخن، رجل يسمع الحرام، رجل إلى غير ذلك، إلى السهرات، إلى الغناء الصاخب، إلى الموسيقى، يعلم مدمن على هذا، فلما جاء رمضان، قال: يا شباب، ابعدوني عن هذا، رمضان لا، العين والرأس، أنا ما أستطيع على مضاعفة السيئات، ولا أن أؤثر على صيامي، دعوني بعيد، لكن في شوال أبشروا، أبشروا، شوال سنمضي إلى ما كنا عليه. هذا ليس بتائب، هذا يقال عنه: التارك للذنب، لماذا؟ لأنه لنعم هو أقلع، لكنه عنده النية على الرجوع للفعل. لهذا ينبغي التأمل، إخواني في الله، في شروط التوبة، أصبحت تقرر عند كثير من الناس، لكن لا يعمل بها، ففرق بين الذي يترك الذنب لرمضان، وفي نيته في شوال سيجتمع بذنبه، إذن هذا في رمضان هل يعد تائبا؟ ما يعد تائبا، وإنما يقال في حقه: أنه تارك للذنب، كما نبع على ذلك جماعة من المحققين. وهذا يؤجر على فعله لما فيه من رمضان، لكن لا ينزل منزلة التائب الذي له المكرم العليا في الدنيا والآخرة. فهذا، إخواني في الله، مسائل متعلقة بهذا الأمر العظيم، من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها الصائمون، ألا وهي ترك الحرام، قولا كان أو فعلا، وخاصة ونحن في شهر الصيام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.