الخطبة بعنوان اختصام الملأ الأعلى في الكفارات والدرجات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 شوال 1440هـ ألقاها
يشرح الخطيب حديث معاذ بن جبل الذي يصف خصام الملائكة حول الأعمال المكفرة للذنوب والرافعة للدرجات، مبيناً أن إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى الجماعات وانتظار الصلوات من أعظم الكفارات. ويؤكد فضيلة الوضوء الكامل في الشدة والمشي إلى المساجد بعيداً عنها لمحو الخطايا ورفع الدرجات مستنداً إلى أحاديث صحيحة.
يبين المقطع عظيم أجر الاغتسال ليوم الجمعة والمشي إلى المسجد حيث تكفر كل خطوة خطيئة سنة ويكتب أجر سنة صيام وقيام. كما يوضح فضيلة انتظار الصلوات بعد الصلوات خاصة الجلوس بعد الفجر حتى طلوع الشمس وصلاة ركعتين مما يعدل حجة وعمرة تامة.
يؤكد المقطع على أهمية الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة يوم الجمعة لكشف الكرب ومغفرة الذنوب. ويستعرض ثلاث خصال ترفع الدرجات في الجنة: إطعام الطعام، ولين الكلام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام مع الاستدلال بالقرآن والسنة.
يختتم المتحدث بالدعاء للمغفرة والرحمة ولعز الإسلام وطلب رد المسلمين إلى دينهم. ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة مع تكرار التكبير.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه خرج على أصحابه ذات غداة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام - وذكر لهم أنه صلى ثم قفى - قال: «فرأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا. فقال: أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا. فقال الثالثة: أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا. فوضع يده بين كتفي، فرأيت، وأعلمني بأشياء، ثم قال: أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات». الملأ الأعلى من الملائكة المقربين من حملة العرش، ومن المقربين إلى الرب عز وجل، يختصمون ويتناظرون، ويجلس بعضهم مع بعض يتذاكرون ما العباد يعملون. قال: فقلت: في الكفارات والدرجات. قالوا: ما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى الجماعات، وانتظار الصلوات بعد الصلوات. قالوا: وما الدرجات؟ قال: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. ثم قال: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ادرسوهن وتعلموهن، فإنهن حق». أيها الناس، انظروا إلى اهتمام الملائكة المقربين بأفعالنا وبما نعمل ونتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. فالكفارات التي تكفر الذنوب التي يقترفها العباد هي كثيرة، ذكر ثلاثة أشياء منها: منها إسباغ الوضوء في المكروهات، وفي بعضها في السبرات، والسبرات جمع سبرة، أي شدة البرد. فكون المسلم في شدة البرد، أو في شدة الحر، أو عند نزول المكروه به، إن جاءه مكروه أو جاءه خبر يكرهه، فقام إلى وضوءه فتوضأ يريد أن يصلي، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فالوضوء في المكاره يحمل على شدة البرد وشدة الحر ونزول المكروه على العبد، جاء إلى وضوءه فتوضأ وأسبغ الوضوء، فإن الوضوء سبب عظيم في تكفير السيئات. إذا توضى العبد فغسل وجهه، خرت خطايا وجهه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل يديه، خرت خطايا يديه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا مسح رأسه، خرت خطايا رأسه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه، خرت خطايا رجليه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالوضوء يا عباد الله سبب عظيم في تكفير السيئات، فإنك إذا غسلت وجهك تحاتت خطايا الوجه التي سمعتها الأذن ورأتها العين، وهكذا إذا غسلت أيديك ذهبت الخطايا التي بطشتها يداك وعملتها يداك، وهكذا الرأس، وهكذا الرجلين التي مشتها. فإن الوضوء سبب عظيم في تكفير السيئات. فالملائكة العظام يتذاكرون: من الذي يغفر الذنوب، ومن الذي يكفر السيئات، ومن الذي يرفع الدرجات. فيا أمة الإسلام، ملائكة الرحمن مهتمون بعباداتكم، يستغفرون لكم ويدعون لكم، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالملائكة تستغفر للعباد وتدعو للعباد وتؤمن على دعاء غيرهم. فيا أمة الإسلام، هذه الثلاث أعمال أعمال عظيمة. الأولى: إسباغ الوضوء، أي إكماله وإتمامه في السبرات وفي المكاره، كما جاء في مسلم عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». وهذا الحديث في صحيح مسلم، رحمة الله عليه. الخصلة الثانية: كثرة الخطا إلى الجمعات، وفي بعض الألفاظ إلى الجماعات. فالمسلم الذي إذا سمع النداء أو قبل ذلك يخطو إلى المسجد، فخطوتاه إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط عنه خطيئة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «إذا توضأ المسلم ثم خرج إلى الصلاة لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رفع الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة». فالوضوء في البيت أفضل من الوضوء في المسجد، إذا توضأت وتطهرت في بيتك وخرجت إلى الصلاة، فإن الخطوتين: خطوة ترفع درجة وأخرى تحط خطيئة. وكلما ابتعد المسلم وكان بعيداً من المسجد كثرت درجاته وحطت خطيئاته. ولذلك كان رجل من أبعد الناس من المسجد لا تغيب عنه صلاة، كما في صحيح مسلم، على أبي - فقال له: «ألا اشتريت حماراً للرمضاء، أي لشدة الحر، والظلماء، أي في صلاة الفجر والعشاء والمغرب؟» قال: ما أحب أن بيتي مطنب، أي ملتصق بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب الرجل وقال: يا رسول الله، قال فلان كذا وكذا. فدعاه: «ما الذي حملك على ذلك؟» قال: يا رسول الله، إني أحب أن يكتب لي خطواتي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. قال: «قد جمع الله لك ذلك كله». رواه مسلم. وفي الصحيح أيضاً أن بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا قرب المسجد، فقال: «دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم». فكلما ابتعد المسلم من المسجد ارتفعت له الدرجات وحطت عنه السيئات والخطيئات. فإذا كان بيتك بعيداً فاحتسب الخطوات يا عبد الله. وأما إذا كان إلى الجمعة: اغتسلت في بيتك ثم جئت إلى المسجد ماشياً غير راكب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر، وأتى إلى المسجد ودنى من الإمام، لم يخطو خطوة إلا كفر الله عز وجل بها خطيئة سنة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وكتب الله له بها أجرها كأجر سنة صيامها وقيامها، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام». فجعل لمن اغتسل يوم الجمعة وذهب إلى المسجد بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها. فالذهاب إلى الجماعات أجره عظيم، والذهاب إلى الجمعات أعظم أجراً، بكل خطوة عمل سنة قياماً وصياماً. فهذه أجور يا عباد الله لا يضيعها المسلم بل يحتسبها عند الله سبحانه وتعالى. والخصلة الثالثة: قال: «وإنتظار الصلوات بعد الصلوات». الجلوس بعد الصلوات، خاصة الصلاة التي تأتي بعدها صلاة. فإذا صلى المسلم صلاة المغرب وجلس يذكر الله ويقرأ القرآن إلى صلاة العشاء، كم له من الأجر؟ جاء في السنة عن عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صلينا مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة المغرب، فمنا من رجع ومنا من عقب، فأتانا النبي عليه الصلاة والسلام وقد حفزه النفس، فقال: ألستم جلوساً في المسجد؟ أي تنتظرون الصلاة. قلنا: نعم. قال: هذا ربكم قد فتح باباً من السماء يباهي بكم الملائكة، يباهي بكم الملائكة». فإذا صليت يا عبد الله، فمن الكفارات انتظار الصلوات بعد الصلوات. فإذا صليت الفجر وجلست تذكر الله حتى تطلع الشمس وترتفع، فصليت ركعتين، لك أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، كما في حديث عقبة بن عامر وأبي أمامة وأنس بن مالك رضي الله عنهم عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى الصبح ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كان له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة». فعود نفسك أن لا تنام بعد الفجر، صلي الفجر واجلس في المسجد، واصبر، اصبر على الجلوس في المساجد، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. فإذا صليت الصبح أيها المسلم، اجلس واذكر الله، كما في مسلم عن جابر بن سمرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى الصبح جلس وجلس أصحابه حوله عليه الصلاة والسلام. فالجلوس في المسجد يا عباد الله هذا يدل على جهاد، وأن المسلم يجاهد نفسه، فإن النفس تشتهي السواحل وتشتهي القصور وتشتهي أن تنظر هاهنا وهاهنا. فكون المسلم يحبس نفسه ويجلس في بيت ربه، هذا يدل على مجاهدته لنفسه واحتساب الأجر من الله سبحانه وتعالى. فإن النفوس طبيعتها تريد أن تنظر هاهنا وهاهنا، فمن حبس نفسه في بيت الله يذكر الله ويقرأ القرآن، فإنه في أعظم المجالس وأحسن المجالس. كيف إذا صليت العصر فجلست في المسجد وانتظرت صلاة المغرب، ثم جلست في المسجد إلى صلاة العشاء، كم ستقرأ من القرآن؟ كم ستصلي على النبي عليه الصلاة والسلام؟ كم ستذكر الله عز وجل في هذا الوقت؟ خير لك من الجلوس في الأماكن الأخرى. إذا نظرت القصور العالية والقصور المزينة، قصور الأمراء، قصور الوزراء، قصور الأغنياء، تنبهر النفوس بها، وبيوت هؤلاء تشتاق النفوس لها. فعندك أعظم البيوت وأحسن البيوت وأفضل البيوت: بيوت الله. وأفضلها المسجد الأقصى، وأفضل منه مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأفضل منه المسجد الحرام الذي في مكة، الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، ثم في المسجد النبوي بألف صلاة، ثم في المسجد الأقصى بمئات صلوات، ثم في المساجد الأخرى بعدد عظيم من الصلوات. فبيوت الله بيوت الله خير من البيوت الأخرى. فالجلوس فيها يدل على محبتها ومحبة من نسبها إليه سبحانه وتعالى، فقد نسب الله هذه المساجد إليه تشريفاً وتعظيماً. ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل قلبه معلق بالمساجد». قلبه معلق بالمساجد. فإذا صليت العصر وجلست في بيت الله، ربما قرأت خمسة أجزاء، سبعة أجزاء، عشر أجزاء، الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، كما جاء في الترمذي على المسعودي. لو قرأت جزءاً لك نحو مئة ألف حسنة، لو قرأت ثلاثة أجزاء نحو ثلاث مئة ألف حسنة، لو قرأت خمسة أجزاء لك نصف مليون حسنة، نصف مليون. هذه التجارة الرابحة. لو علمت أن في الصين في آخر الدنيا الدرهم بخمسمائة ألف، لا ذهبت إلى الصين؟ كيف والمعاملة مع ربك أفضل وأحسن وأكرم؟ بدل ما يبقى المسلم في لهو ولعب وضياع الأوقات وضياع الأعمار، الملائكة تهتم بأعمالك وأنت غافل عنها، الملائكة تدعو لك وتفاخر بك وتهتم بك وأنت غافل عن هذه الأعمال. فهذه الكفارات: إسباغ الوضوء على السبرات، وكثرة الخطا إلى الجماعات، وانتظار الصلوات بعد الصلوات. هذه الكفارات التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه عز وجل، وأطلعه الله، ولم يكن يعلم ما الذي يختصم فيه الملأ الأعلى، لم يكن يعلم حتى أطلعه الله أن الملأ الأعلى وأن الملائكة المقربين يختصمون في الكفارات والدرجات. فذكر من هذه الكفارات ثلاثة، وإلا فالكفارات كثيرة جداً ما يكفر به الذنوب، ولكن هذا من أعظمها. فالاهتمام يا عباد الله بالجلوس في المساجد وحبس النفس على ذلك والصبر على ذلك يدل على قوة الإيمان. عود نفسك أن تجلس، وإن كان عندك شغل أو عندك شيء لا بأس أن تذهب، وإن كنت فارغاً أو ما عندك شيء فاجلس في بيوت الله، وتعود على الجلوس فيها، تحصل على الأجر العظيم، تزال الهموم، ترفع الكروب، تكشف الكروب. الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: إذا صليت عليه مرة، صلى الله عز وجل عليك عشراً. «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً». ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فإذا صليت على نبيك عليه الصلاة والسلام وأكثرت من الصلاة عليه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بن كعب: «إذن يغفر ذنبك، ويكشف كربك»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذن يغفر ذنبك ويكشف كربك»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فمن أسباب كشف الكروب وإزالة الهموم ورفع الدرجات ومغفرة الذنوب: كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكثرت الصلاة تجدها في المسجد أكثر من غيرها، فربما في غيرها تشغل بالقيل والقال، وتشغل بما يضرك ولا ينفعك. فإذا انقطعت في بيت من بيوت الله، قرأت القرآن، ذكرت الله، أدبت وحاسبت نفسك، وصليت على نبيك، خاصة في هذا اليوم الفضيل. قال النبي عليه السلام: «أكثروا من الصلاة علي في يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليه». خاصة في هذا اليوم، الإكثار من الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام. قال قوام السنة الأصبهاني: «علامة أهل السنة كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم». قال قوام السنة الأصبهاني: «علامة أهل السنة كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». أكثر من الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، خاصة في هذا اليوم العظيم، الذي هو السبب في هذا اليوم العظيم لهذه الأمة، فقد حُجبت اليهود وكان لهم السبت، والنصارى فكان لهم الأحد، وبسببه أعطانا الله الجمعة. فنكثر من الصلاة عليه الصلاة والسلام لما فيها من الأجور العظيمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. الحمد لله، الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، وأما الدرجات، فأما الدرجات فهي ثلاث أيضاً، ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: إطعام الطعام، ولين الكلام، وجاء في بعض الروايات: إفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. فإطعام الطعام هذا من أسباب رفع درجتك في الجنة. قال تعالى في المؤمنين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة، خرج الناس يستقبلونه، فخرج حبر وعالم من علماء اليهود ينظر في النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى وجهه قال: «رأيت وجهه، فإذا وجه رجل لا يكذب»، رأى من سيمائه أنه لا يكذب. قال: وأول ما سمعته يقول: «يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فمن أسباب دخول الجنة، بل رفع الدرجات في الجنة: إطعام الطعام، خاصة على المستحقين والمحتاجين من المساكين والفقراء والأرامل والأيتام، أجره عند الله سبحانه وتعالى عظيم. قدم لنفسك، قدم لنفسك، إن إذا أطعمت مسكيناً أو يتيماً، فإنما تقدم لنفسك. ولذلك إذا مات العبد، قال الناس: ماذا خلف؟ وقالت الملائكة: ماذا قدم؟ انظر في الجوابين أو السؤالين: الملائكة تقول: ماذا قدم لنفسه؟ والناس يقولون: ماذا ترك لأولاده؟ هكذا الناس، وهكذا الملائكة، فملائكة أمرهم آخر غير أمر الناس، يقولون: ماذا قدم؟ أي من الأعمال قدمها بين يديه. فإن الطعام الذي تأكله يذهب، والطعام الذي تعطيه لغيرك بعد حاجتك يبقى لك يوم القيامة، أحوج ما تكون إليه. وإفشاء السلام، وفي بعضها: لين الكلام. لين الكلام كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الأحاديث الكثيرة في حسن الكلام وحسن المنطق وحسن الخلق. ومن ذلك إفشاء السلام، فإنه من لين الكلام. قال النبي عليه السلام: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والخصلة الثالثة: الخصلة الثالثة: الصلاة بالليل والناس نيام. فهذه من سيمة أهل الإيمان، يصلون حين لا يراهم أحد ولا يراهم إلا الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. فيا أمة الإسلام، انظروا في هذه الخصلة العظيمة التي ترفع بها درجاتكم عند الله، وجاهدوا أنفسكم عليها حتى تكونوا من أهلها. فإن الله ذكر أهل الجنة فقال تعالى في صفاتهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فذكر من صفاتهم هذه الصفات، وذكر الصفات الأخرى من قيامهم واستغفارهم وصلاتهم بالليل والناس نيام. ولذلك كانت أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، لماذا؟ لأنها في الظلام، ولا يصلون ولا ينشطون إلا مع الشمس وضوء الشمس في الظهر والعصر والمغرب، إذا رأيهم الناس صلوا. فإذا غربت الشمس ولم يرهم أحد، لا يراقبون الله ولا يبالون بنظر الله، اختفوا وتخلفوا عن صلاة العشاء لأنها في الظلام، وعن صلاة الفجر لأنها في الظلام. أما المؤمنون، حتى في الظلام يقومون حيث لا يراهم أحد، في ظلام الليل، يجأرون في الليل، يقومون ويناجون الله عز وجل. إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: «من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني حاجة فأقضيها له؟» الله عز وجل ينزل كل ليلة وينادي عباده: «من يستغفرني فأغفر له». ولذلك يشرع للمسلم بعد صلاة الليل أن يستغفر ويكثر من الاستغفار، حتى لا يعجب، حتى لا يعجب بعمله، بل يستغفر، يدل على تقصيره وأنه محتاج إلى ربه، ولا يمن على الله عز وجل بعمله. ثم دعا النبي عليه السلام بهذه الدعوات: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك». ماذا قال النبي عليه السلام؟ قال: «ادرسوهن وتعلموهن، فإنهن حق». فهذا من جوامع الأدعية. فنسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتجاوز عنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا، ونسأله أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله، وأن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً. إن ربنا لسميع الدعاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين، والسلام. اشتركوا في القناة، وإحسانكم حبار الله. اشتركوا في القناة، وإحسانكم حبار الله. الله أكبر، الله أكبر.