الخطبة بعنوان حقيقة الدنيا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 شعبان 1433هـ ألقاها
يبيّن الخطيب أن الدنيا دار ممر وزوال لا دار قرار، ويضرب المثل بنبذ الأصبع في البحر لبيان حقارتها بجانب الآخرة. ويستشهد بأحاديث تبين أن منعمي الدنيا ينسون نعيمهم بغمسة في النار، وأن مبتليي الآخرة ينسون بلاءهم بغمسة في الجنة، محذراً من طول الأمل والغفلة عن الموت المحتوم.
يؤكد المقطع على حقيقة الموت التي لا تستثني الشباب والأطفال، ويحث على الزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته. ويرشد إلى اغتنام خمس نعم قبل زوالها: الحياة، الشباب، الصحة، الفراغ، والغنى، محذراً من عاقبة المال الذي لا يؤدى حق الله فيه.
يؤكد المقطع على فضل تعليم العلم النافع والدعوة إلى الله كصدقة جارية يستمر أجرها بعد الموت، ويحث على المبادرة بالأعمال الصالحة. ويوجه إلى استغلال أوقات الفراغ - خاصة الإجازة الصيفية - في طلب العلم الشرعي والتزود بالتقوى، استعداداً للموت وتجنباً للفتن.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يعز الإسلام ويذل الشرك، ويطلب العافية من الفتن الظاهرة والباطنة. ثم يحمد الله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، اعلموا رحمنا الله وإياكم أن هذه الدنيا دار زوال ودار ممر، لا دار مقر ولا دار أبد. يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد قال وأشار إلى أصحابه وقال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع». رواه مسلم عن المستورد رضي الله عنه. انظر حقارة الدنيا، وانظر سرعة انقضائها. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، في البحر، في هذا الماء العظيم وهذا البحر الكبير، إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع، فلينظر بما يرجع». أي لا يرجع بشيء، إذا وضع أصبعه في اليم فإنه إذا رفعها لا يرجع بشيء، وهكَب الدنيا. يا عباد الله، دار ابتلاء، دار محن، دار فتن، دار بلاء، دار منقضية وزائلة. والآخرة يا عباد الله دار الباقية. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة، ثم يقال: هل مر بك سرور قط؟ هل مر بك خير قط؟ فيقول: لا يا رب، ما مر بي سرور قط. ويؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس غمسة في الجنة، فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا يا رب، ما مر بي بؤس قط، وما مرت بي شدة قط». رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه. فمهما تنعم العبد في الدنيا وكان عاصياً لربه عز وجل، فإنه ينسى نعيم الدنيا بغمسة في النار، والعياذ بالله. ومهما ابتلي المرء في الدنيا وهو على الطاعة والإسلام، فإنه ينسى ما مر به في الدنيا بغمسة واحدة في الجنة. أيها العباد، إذا كانت الدنيا بهذه المثابة، وأن المتنعمين فيها ينسون نعيمها، وإن طالت بهم الأزمنة، وإن طالت بهم الأيام، فإنهم ينسون نعيم الدنيا أمام عذاب الآخرة. وإن المؤمن وإن ابتلي في الدنيا ينسى بلاء الدنيا أمام نعيم الآخرة. فهذه دار لا يركن إليها إلا من جهل أو غفل عن الدار الآخرة. أيها الناس، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام في سنن الترمذي من حديث أبي هريرة: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز ذلك». عمر قصير جداً، عمر قصير جداً، وقليل من يجاوز هذا العمر إلى السبعين أو الثمانين أو التسعين، وإلا فأكثر الأمة يفنى قبل ذلك. وانظر ما دم الله عز وجل أصحاب طول الأمل الذين ركنوا إلى الدنيا ونسوا الآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. انظر إلى أمل طويل، وإلى حب للدنيا شديد، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾. مهما عمر الإنسان، فإن مصيره إلى الموت. وقد قال ربنا عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. أيها العبد، أيها المؤمن، انظر في من حولك، وانظر في العالم من حولك، تجد أنه لا يعمر في هذا العالم إلا القليل. فذاك عنده أمل أن يعيش ألف سنة، وأكثر الناس عندهم أمل أن يعيشوا مئة سنة، أو مئة وعشرين، أو نحو ذلك، على ما يرون من موت كبار السن. فإنه يرى أهله، أو يرى أقاربه، أو يرى جيرانه، أو يرى أهل الحي، عنده يرى الواحد منهم يموت وعمره مئة أو أكثر أو أقل، فعنده أمل أن يعمر هذا العمر المديد وهذا العمر الطويل. وما فكر هذا العبد على أنه لا يموت شائب أو عجوز إلا وقد مات عشرات الشباب والأطفال والصغار. فلماذا أنت تفكر أنك تعمر تسعين، ولا تفكر أن جارك وصاحبك وأخاك وقريبك، وربما ولدك أو قريباً لك، قد مات في الشباب، أو مات في الصغر، أو مات في الطفولة؟ تجد الأطفال والشباب والصغار والرجال يموتون أكثر مما يموت الكبار. فلو تأملت حقيقة ذلك يا عبد الله، لزهدت في الدنيا ورغبت في الآخرة. قال ربنا عز وجل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. الآمال البعيدة ضيعت على الناس المراقبة، وضيعت على الناس الانتباه، والآمال الطويلة ضيعت على الناس الاستعداد للآخرة، ومكنت الناس بالركون إلى الدنيا. أيها الناس، كيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيف كان أصحاب نبينا رضي الله تعالى عنهم في استعداد للموت دائماً وأبداً؟ قال لابن عمر، النبي عليه الصلاة والسلام يقول لابن عمر: قال: «أخذ بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». غريب، ثم قال: «أو عابر سبيل»، أقل انتظاراً من الغريب، فإن الغريب ربما يكون له أمل أعظم من عابر السبيل الذي لا هم له إلا أن يجتاز البلاد إلى بلاد أخرى. «كن في الدنيا كأنك غريب، غريب أو عابر سبيل». نصيحة عظيمة لابن عمر، فهمها وعقلها وعمل بها، فكان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». أين هذا الرجل يا عباد الله الذي لا ينتظر المساء، وإذا أمسى لا ينتظر الصباح؟ أين هذا الرجل يا عباد الله؟ ربما لا يوجد إلا القليل، إلا من رحم الله، من هو مستعد للقاء الله عز وجل. وإلا فأكثر الناس على تسويف في معاصي وفي بلاء، ومع ذلك: «سوف أتوب، سوف أرجع، سوف أفعل، سوف كذا وكذا». مسوف هذا العبد، وأكثر العباد في تسويف من التوبة، وفي أمل. أيها العباد، قال ابن عمر بعد هذه النصيحة: «فإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، وخذ من صحتك لمرضك». رواه الإمام البخاري. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم حياتك قبل موتك، واغتنم شبابك قبل هرمك، واغتنم فراغك قبل شغلك، واغتنم صحتك قبل مرضك، واغتنم غناك قبل فقرك، قبل فقرك». نصيحة عظيمة في حديث صحيح. اغتنم هؤلاء الخمس قبل أن تفجأك الأخرى. فالحياة بعدها موت، والغنى بعده فقر، والفراغ بعده شغل، والشباب بعده هرم وتيبه، وأيضاً الصحة بعدها المرض. فإذا لم تغتنم صحتك جاءك المرض، وإذا لم تغتنم حياتك جاءك الموت، وإذا لم تغتنم شبابك جاءك الهرم وأرذل العمر، وإذا لم تغتنم غناك صرت فقيراً، وإذا لم تغتنم الفراغ صرت مشغولا لا تجد الساعة تتفرغ فيها. فيا عبد الله، اغتنم هذه النصائع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنها نصائح ثمينة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا مات الإنسان انقطع عمله». فينقطع العمل بالموت، كما في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. فما دمت مستطيعاً للعمل فاعمل قبل أن يفجأك الموت، وما دمت صحيحاً فاعمل قبل أن يفجأك المرض، وما دمت غنياً انظر: حج، واعتمر، وتصدق على الأرامل والأيتام والمساكين، قبل أن تتحسر، وقبل أن تقول: يا ليتني فعلت وفعلت. فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن صاحب الغنى وصاحب المال الذي لا يؤدي حقه يأتي يوم القيامة شجاعاً شجاعاً أقرع، يأخذ بالهزمتي، ويقول: «أنا كنزك، أنا مالك». المال الذي يفرح به، والمال الذي يجمعه ولا ينفقه في سبيل الله، يصير عدواً له يوم القيامة: «أنا كنزك، أنا مالك». انظر يا عبد الله، إذا لم تستغل غناك في بناء المساجد، في شراء المصاحف، في إجراء المياه العذبة للمسلمين، في كفالة الأيتام والأرامل، في مساعدة المحتاجين، صار مالك وبالاً عليك إن لم تؤد حق الله عز وجل فيه. فاغتنم يا عبد الله هذه الأمور قبل أن تأتي بعكسها، وقبل أن تأتي الأمور الأخرى المضادة لها. وخاصة فترة الشباب، فإن الشباب إذا انقضى انقضى العمر، وإن الشباب إذا ذهب ذهب العمر، وإن الشباب إذا ذهبت الأيام والليالي، وتحسر على شبابه أعظم من تحسره على دراهمه ودنانيره. وهكذا صاحب العلم وطالب العلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». ذاك ينفق ماله، وأنت فأنفق علمك في المسلمين، يصير لك ذخراً بعد موتك. «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم عن أبي هريرة. اغتنم يا عبد الله علمك واستفادتك في تعليم المسلمين، وفي نصح المسلمين، وفي إرشاد المسلمين، وفي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. فهذا منك صدقة منك على نفسك، وأجر لك في حياتك وبعد موتك. «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحيتان في البحر، يصلون على معلم الناس الخير». لا يصلون على معلم الناس الخير. انظر هذه المخلوقات، بل خالقها سبحانه وتعالى، والمخلوقات يستغفرون ويصلون ويثنون على معلم الناس الخير. فإن كنت كذلك، فعلم عباد الله، لك الأجر العظيم عند الله عز وجل. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. أقول قولي هذا، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها العباد، إذا علمنا انقضاء هذه الدنيا، فعلينا أن نستغل هذه الحياة فيما ينفعنا ويعود علينا في أخرانا بالخير. فإن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حثنا ورغبنا، وقال عليه الصلاة والسلام: «كل معروف صدقة». كما جاء عن جابر، وجاء عن أنس: «كل معروف صدقة». فبذل المال صدقة، وبذل العلم صدقة، وبذل النصيحة صدقة، وكف الأذى عن المسلمين صدقة. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فالرجل يفعل الخير، والمرأة تفعل الخير، والصغير والكبير، مجتمع المسلمين وأهل الإسلام ينبغي أن يفعلوا الخير، حتى يقل الشر ويضمحل ويذهب بفعل الخيرات. فإذا كثر من يفعل الخير، قل من يفعل الشر. وإذا كثر من يفعل الخير، قل أهل الشر، وانكسر الشر بإذن الله سبحانه وتعالى. فكل مسلم يوطن نفسه في هذه الحياة أن يفعل الخير: هذا بعلمه، وهذا بجاهه، وهذا بماله، وهذا بشفاعته، يحصل الخير العظيم. يا عباد الله، يحصل الخير العظيم يا عباد الله، إذا استغل المسلمون دنياهم فيما ينفعهم في أخراهم بإذن الله. فإن الدنيا زائلة كما سمعت، الدنيا زائلة، وأنت مسافر منها إلى دار لا زوال لها، هو الموت، ما منه نجاة ومهرب: «إذا حط ذا عن نعشه ذاك يركب، أما لك عبرة كل يوم تحمل فلان وفلان على ظهرك، يؤشك أن تكون أنت المحمول». بين يرى الإنسان فيها مخبرة، حتى يرى خبراً من الأخبار تخبر بموت فلان، غداً يخبر بموتك. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. فإن كنا بضاعة موت يا عباد الله، فلما لا نستعد لهذا الأمر العظيم؟ والنبي عليه الصلاة والسلام كم بيّن، وكم حذر، وكم أنذر، وكم أرشد. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت». رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ونحن في زمن يا عباد الله قد كثرت فيه الفتن، وقد اختلطت الأمور، وقد حصل ما حصل من الفتن في هذه الدنيا، فعلينا بفعل الخيرات. «بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم». رواه مسلم عن أبي هريرة. بادر بالعمل الصالح حتى لا تأتي الفتنة إلا وقد وطنت نفسك على عمل تستمر عليه، حتى لا تدخل في الفتن. فإن أكثر أهل الفتن من فرغوا من العمل الصالح والعلم النافع، جاءت الفتن، جاءت الفتن وهم في فراغ وهم في بعد، فانجرفوا مع الفتن وأخذتهم الفتن. بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم. معنى ذلك أنك تعمل الصالحات، فإذا جاءت الفتن كنت مشغولا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». رواه مسلم عن معقل بن يسار. العبادة في الهرج، في زمن الفتن، كهجرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ألا وإن من أعظم العبادات طلب العلم النافع، والبعد عن الفراغ القاتل. من أعظم العبادات أن تتعلم أحكام الصلاة، أحكام الطهارة، أن تتعلم قبل ذلك التوحيد، وحق الله، وحق الله، وحق الرسول، وحق والديك، وحق ولي أمرك، وحق إخوانك المسلمين. هذا لا يدرك بالوراثة، هذا يؤخذ بالعلم وبالجلوس عند أهل العلم. فاستغلال وقتك وشبابك وأيضاً فراغك في طلب العلم، هذا منك إحسان على نفسك، وأيضاً تزكية لنفسك، وإبعاد لها عن الرذائل والمخالفات. فيا عباد الله، نستغل هذه الإجازة المدرسية، المدرسية، وهذا الفصل الصيفي الذي أجز الناس من مدارسهم، والمدرسون أيضاً فرغوا من أشغالهم، وهكذا أناس كثير تفرغوا، يستغلون الأوقات في طلب العلم، وفيما ينفعهم عند الله ويقربهم إليه سبحانه وتعالى. فنسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. إن ربنا لسميع الدعاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابه أجمعين. الحمد لله رب العالمين.