العمر وأهميته

الخطبة بعنوان العمر وأهميته، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 محرم 1432هـ ألقاها

آيات الله في اختلاف الليل والنهار ودلالاتها على مرور الأعمار

يستعرض الخطيب آيات قرآنية تبين أن تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس والقمر آيات دالة على عظمة الخالق. ويذكر بأن مرور الأيام والليالي هو في الحقيقة مرور لأعمار العباد، داعياً إلى استغلال الوقت في الطاعة والذكرى قبل فوات الأوان.

نعمة تعاقب الليل والنهار وقصر العمر وأهمية اغتنام الوقت

يبيّن المقطع أن تعاقب الليل والنهار رحمة إلهية لتمكين العباد من الراحة والعمل، وأن بلوغ الشيب إنذار بقرب الأجل. ويختم بالحث على اغتنام الصحة والفراغ في طاعة الله قبل فوات الأوان.

اغتنام العمر والأوقات في طاعة الله قبل فوات الأوان

يحث الخطيب على اغتنام خمس نعم قبل زوالها: الشباب، الفراغ، الصحة، الغنى، والحياة، مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية. ويذكر أن العمر قصير والأيام تمضي سريعاً، محذراً من إضاعة الوقت في اللهو والمعاصي، داعياً لاستثماره في الطاعات والعمل الصالح الذي ينفع بعد الموت.

دعاء الختام والاستغفار

يختتم المتحدث بالدعاء بالتوفيق والرضا، وطلب الحماية من الشرور والفتن الظاهرة والباطنة. مختتماً بالتكبير والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. أيها المسلمون، إن في اختلاف الليل والنهار عبراً عظيمة، يقول ربنا عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. الأيام والليالي والشهور والسنوات تعرف بطلوع الشمس وبطلوع القمر، فبالشمس تعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام. ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. نحن يا عباد الله في عام جديد، قد انقضى عام وانقضت أعوام، وربنا عز وجل يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. إن مرور الليالي والأيام يا عباد الله هي مرور أعمارنا وذهاب زماننا، فإن الله عز وجل جعل هذه الآيات عبرة وذكرى لنستغل الليالي والأيام. ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾. وقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الليل يسكن فيه العباد، والنهار يعملون، لو جعل عليهم النهار دائماً لملوا وكلوا من الأعمال ولتعبوا، ولو جعل عليهم الليل دائماً لفتروا وعجزوا، فربنا عز وجل جعل الليل والنهار للعباد خلفة، لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، هذا يأتي وهذا يعقبه، وهذا يزيد وهذا ينقص، وتارة يستويان، وما فاتك بالليل أدركته بالنهار، وما فاتك بالنهار أدركته بالليل. كل هذا يا عباد الله لنعلم أن أعمارنا قصيرة، وأن أيامنا معدودة، تمر الأيام والليالي والشهور والأعوام، وكلنا في سفر، وكلنا قد قطع مسافة. قال ربنا عز وجل: ﴿أَوَلَمْ نُمَتِّعْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال البخاري: أي الشيب، وجاءكم النذير، قال البخاري في صحيحه: أي الشيب. فإذا صار الإنسان شائبا وجاء البياض في رأسه وشعره فإنه علامة على النذارة وعلى الرحلة من هذه الدنيا. ورجح ابن كثير أن قوله عز وجل: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. أيها العباد، إن الأعمار محسوبة ومحصية، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة»، والحديث رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه. فقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَتِّعْكُم﴾، قيل: سبع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، وهذا هو الأرجح لهذا الحديث: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة». ستين سنة، والحديث عن أبي هريرة وليس عن ابن عباس، في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أي: لم يجعل له عذراً ولم يترك له عذراً إذا أخره إلى ستين سنة. وقالوا: إن الرجل من أهل المدينة إذا بلغ الأربعين تفرغ للعبادة، إذا بلغ الأربعين فانظر يا عبد الله كم مضى من العمر وكم بقي. فدخول السنوات ليس بالأمر السهل، وليس بالأمر الهين، بل نأخذ العبرة، مر العام ويأتي العام، هذا العام قد دخل وذاك العام قد ذهب، وكلها من أوقاتنا. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. فالفراغ هو العمر، هو الوقت، هي الأيام والليالي، اغتنمها قبل أن تذهب، وقبل أن تموت، اغتنم هذا العمر فيما يقربك إلى الله عز وجل. أقول قولي هذا، والحمد لله، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك»، صححه العلامة الألباني رحمة الله عليه في صحيح الترغيب والترهيب: «اغتنم حياتك قبل الموت، والشباب قبل الهرم، والغنى قبل الفقر، والصحة قبل المرض، والفراغ قبل الشغل». اغتنم عمرك يا عبد الله، لا تزول قدم عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به. رواه الترمذي عن أبي برزة، وجاء عند غيره أيضاً عن معاذ وغيره، رضي الله عن الصحابة أجمعين. فيا عباد الله، إن دخول الأعوام علينا نذير لنا على أننا مفارقون هذه الدنيا. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراقة السعفة»، زعم سهيل الخوصة، رواه أحمد عن أبي هريرة. يجري الزمان وتجري الأيام والليالي، وكل هذا من العمر يا عباد الله. فيا شباب المسلمين، ويا معشر المسلمين، ويا نساء المسلمين، ورجال المسلمين، استغلوا هذا العمر فيما ينفع، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. إن دخول الشهور والأعوام يا عباد الله كما سمعت نذير لك على أن هذه الأيام قاضية وذاهبة ومارة، تتعبد فيها لله عز وجل، خلقك لذلك، وتعمل ما يرضي ربك سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وقليل من يجاوز ذلك»، رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد حسن. فالأعمار قصيرة وقليلة، والأيام قاضية وذاهبة، وهي من عمرك يا عبد الله، فإن استغللت هذا نفعت نفسك، وإن ذهب عليك العمر والأيام فقد ذهبت أيامك، وحل الندم والحسرة والتمني بعد انقضاء العمر: «ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب». انظروا يا معشر الشباب، إن لم تقضوا أعماركم في طاعة الله ربما تقضى في المعاصي، فكم من الشباب خلف القنوات، وكم من الشباب خلف الكرة، وكم من الشباب خلف اللهو واللعب، فإذا ذهب الشباب ندموا وتحسروا على أنهم لم يستغلوا هذه الأيام، بل بعضهم ربما يقول: نقتل الأوقات، نضيع الأوقات، نحرق الأوقات، وما يدري المسكين أن هذه الأوقات هي عمره، وهي أيامه ولياليه، وهي شهوره وسنواته، فإذا انقضت الأوقات انقضى العمر، والعمر لا يرجع. قال ربنا عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ويدفع عنا وعنكم كل سوء ومكروه، ونسأله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إن ربنا لسميع الدعاء، والحمد لله رب العالمين. وآخره السلام، الله أكبر، الله أكبر.

شاركنا على