الدرس في 16 فضائل الأعمال في شهر الصيام - فضيلة السحور، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية السحور وفضائله في شهر الصيام، حيث يعتبر وجبة مباركة تعين الصائم على طاعة الله تعالى. وقد جاءت العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد على فضلها وأهميتها في تمييز صيام المسلمين عن غيرهم.
يتناول هذا الفصل أحكام السحور في رمضان، متى يبدأ ومتى ينتهي، وما هي الأولويات عند الاستيقاظ جنبًا أو بعد الطهارة من الحيض. ويشير إلى أن السحور يكون بأقل ما يعد طعامًا.
يُنبه هذا الفصل على خطأ الأذان قبل الوقت بحجة الاحتياط، ويشرح آثاره السلبية على الصائمين والمصلين. ويحذر من أنه يعتبر تنطعًا وتشريعًا في الدين لم ينزله الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من فضائل الأعمال والتي ينبغي أن يحرص عليها أهل الصيام ما كان من تناولهم لأكلة السحر - السحور - هذه الوجبة، والتي تعد الوجبة الأخيرة التي يتناولها المسلم إذا نوى صوم غد، هذه الوجبة إخواني في الله هي ليست كسائر وجبات، بل هي وجبة عبادة، فضيلة مكرمة جعلها الله لهذه الأمة. يدلُّك على ذلك الفضائل والمناقب التي جاءت في حق هذه الوجبة المباركة، من ذلك ما جاء عند ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». وهذا الحديث في صحيح الجامع، فهذا الحديث فيه بيان ليس فقط حُصَّة لأكلة السحر، بل وكذلك لأهلها المتسحر، فالله جل وعلا يعمه بفضله فيصل عليه مع ملائكته. كذلك من فضائل هذه الأكلة أنه من أعظم ما تميز به أهل الإسلام عن سائر الملل والنيحل وأهل الكتاب، ثبت في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». هذا فاصل، وهي من الفوارق العظيمة، من كان قبلنا كتب عليهم الصيام، كتب عليهم الصيام، ونحن كتب علينا الصيام، لكن ما تميزت به شريعتنا أن الله جعل فيها هذه المأدبة، فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر. وكذلك مما يدل على فضيلة هذه الوجبة ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تسحروا فإن في السحور بركة، تسحروا فإن في السحور بركة». فأشهد نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه الأكلة، ولهذا حث عليها ورغب فيها، «تسحروا فإنها بركة»، والبركة بمعنى الخير ودوام الخير الإلهي ثابت فيه، ثابت في هذه الوجبة. وقد ذكر العلماء أن بركة السحور على قسمين اثنين: بركة حسية، وبركة معنوية. أما البركة الحسية في أكلة السحر، فتكون من تغذية الجسد من خلال هذه الوجبة التي يأكلها في جنح الظلام، فإذ به تغذي الجسد إلى طيلة الوقت في النهار، وأنت مستكفي بوجبة الليل، حتى نسمع من يأتي وقت الفطر ويقول: والله ما أحسسنا بالجوع ولا شعرنا بالظمأ، من أين هذا؟ من بركة السحر، من بركة السحور. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بهذا السحور فإنه الغذاء المبارك»، وفي رواية: «هلموا إلى الغذاء المبارك»، قال الراوي: يعني السحور، فهو غذاء مبارك، بركة فيه ما تأجدها في أي أكلة، الواحدة سحر في الليل، ثم يدخل عليه النهار بساعاته الطوال، ومع شدة الحرارة، وهو يتمالك نفسه بما غذي به من تلكم الوجبة، فهي بركة، فهي وجبة، وهي غذاء مبارك، هذا هو البركة الحسية. وأيضًا في هذه الوجبة بركة معنوية، من ذلك ما يكون من الأجر والثواب، وما يكون من الامتثال لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وما يكون في أكلها أنه يقع في الثلث الأخير من الليل حيث التنزل الإلهي، زد على ذلك أنها وجبة تكون قريبة من صلاة الفجر، فتعينك على الصلاة، فلها كذلك عدة فوائد، فهذا من بركتها. فالحاصل إخواني في الله أن فضائل هذه الوجبة كثيرة وكثيرة جدًا، وهي تدل على أن الصائم أمام عمل صالح ما ينبغي أن يفرط فيه أو يتساهل في تناوله، وقد قام إجماع العلماء على استحباب أكلة السحر بالإجماع، حكى ذلك ابن رشد وابن المنذر والنووي وابن قدامة، وجماعات من الأئمة على أن هذه الأكلة مستحبة، وأن من تركها فلا إثم عليه، إذ أنها من فضائل الأعمال. فعلينا إخواني في الله أن نحرص على هذه الوجبة قدر المستطاع، هنا إخواني في الله أحب أن أنبه على مسائل متعلقة بهذه الوجبة، ومسائلها كثيرة، وإن كان حقها أن تذكر في المسائل الفقهية، لكن هنا أحب أن أنبه على بعض المسائل التربوية المتعلقة بأكلة السحور. المسألة الأولى إخواني في الله: متى تبتدأ هذه الأكلة؟ متى تكون هذه الأكلة في عداد أكلة السحور بحيث تتحصل على الفضائل وعلى المناقب؟ قال العلماء: أن أكلة السحور تبتدأ من منتصف الليل، فما زاد، هذا الذي عليه العلماء في ضبطهم لبداية أكلة السحور، وكلما تأخرت فهي أفضل، كلما تؤخر فيها فذلك أفضل؛ لأنه هو الأمثل الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم. فقد كان يؤخر من أكلة السحور حتى أن الراوي كان يعد ما بين الأذان وأكلة السحر قدر خمسين آية، يجعل نبينا عليه الصلاة والسلام فترة ضئيلة ومدة يسيرة بين أكله للسحور وبين أذان الفجر، فدل ذلك على أن أكلة السحر كلما تأخرت فهي أفضل لصاحبها. المسألة الثانية إخواني في الله ألا وهي في حق رجل استيقظ جنبًا أو امرأة طهورت من حيضها، وهذا الوقت سيداهمهم مع تناول أكلة السحور، يقع هذا، يستيقظ بعض الناس وهو على جنابة، أو امرأة تفقدت نفسها فوجدت أنها قد طهورت، فهذا وذاك عليهم الغسل والاغتسال، لكن الوقت سيداهمهم، فبماذا سيبدأون؟ البدء هنا بالسحور، ابدأ يا عبد الله بالسحور، تسحر ولا تتعجل في الاغتسال، ولا يضرك أن تؤخر الاغتسال ولو بعد الأذان، ما يضرك هذا. ابدأ يا أمة الله بالسحور، وابدا يا عبد الله بالسحور، فإذا تسحرتم وانتهيتم بعد ذلك اغتسل ولو أذن المؤذن وأنت في الاغتسال، بل ولو أذن المؤذن وأنت على جنابة ما يضرك هذا، وهذا الذي ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يصبح وهو جنب على جنابة، يصبح صائم وهو على جنابة، فالجنابة ما تؤثر في الصائم أصلا، ما تؤثر في صيام الصائم. ولهذا من داهمه الوقت وخير بين الاغتسال وبين أكلة السحور فليتسحر أولا. المسألة الثالثة ألا وهي على ماذا يكون السحور؟ على ماذا يكون السحور؟ ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن السحور يكون على أقل ما يتناوله المرء، أن السحور يطلق على أقل ما يتناوله المرء من مطعوم، من مأكول أو مشروب، أقل ما يتناوله المرء، ليس من شرطه الاستكثار. حتى تكون وجبة السحور أقل القليل، كل ما يعد في عرف الناس أنه أكل أو شرب يكفيك هذا، طبعًا بعض الناس يحتاج إلى الزيادة، فهذا أمر عام، فالناس يتفاوتون في إعداد السحور، لكن أقل شيء ما يطلق عليه طعام أو ما يطلق عليه أكل وشراب. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا أراد أحدكم أن يصوم فليتسحر بشيء»، يحسنه الألبان في الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد أحدكم أن يصوم فليتسحر بشيء»، شيء نكرة، وهنا في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، أي شيء يعد سحورًا تأكله تتناوله ولو تمرة، ولو تمرة. بل ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام عند أبي داود من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «نعم سحور المؤمن التمر»، نعم سحور المؤمن التمر، تأكلها تنوي بها أكلة السحر، يبارك الله لك فيها، يبارك الله لك فيها، فما ظنك بما هو أكثر من التمر؟ ففيه بركة، ففيه بركة. المسألة الأخيرة إخواني في الله التي أذكرها في هذا المقام مما لها تعلق بأكلة السحور: متى ينتهي السحور؟ السحور ينتهي بنص القرآن: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، إذا تبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وذلك بظهور الفجر الصادق، وهو إذن بدخول وقت الفجر. فإذا أذن المؤذن هنا إعلام وإعلام على أن الفجر قد دخل، حينها الجميع يكف ويمسك، فلا يتناول شيئًا لا من شراب ولا من زاد ولا من طعام ولا من أكل، وجوبًا، والذي أعنيه إخواني في الله هاهنا بالفجر: أي الفجر المحقق الذي تبيّن معالمه، أما الأذان والذي للأسف يفعله مؤذنو زماننا، وهما يسمى بالأذان الإحتياطي، زعم بأن يأكلوا من الوقت فيقدموا الدقائق، هذا إخواني في الله بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. فليعول على هذه الآذانات التي ابتكروها، أولئك بحجة الإحتياط في حق الصائمين، أين الإحتياط إخواني في الله؟ بل هذا التنطع، هذا التنطع والتكلف بعينه، عندما تجد أن المؤذن يعلم أن الأذان يؤذن على الوقت المعين وعلى الوقت المعلوم والمحدود له، ثم إذ به يتعمد إما تقليدًا لبقية المساجد وإما لهذه الفكرة البدعية ما تسمى بالإحتياط، فيأخذ من الوقت ثلاث دقائق مثلًا، ثلاث دقائق قبل يؤذن، ساعة الخامسة فيؤذن الساعة الرابعة والسبعة وخمسين، باقي ثلاث دقائق يؤذن، وهذا التنطع إخواني في الله يظهر من عدة نواحي. ولهذا حذر العلماء من ذلك، إذ أن ذلك من التنطع، أولًا أن فيه تضييق على الصائمين، هيا تضييق، تخيل بالله عليه، وقد وقع هذا ولا يزال يقع، كم من إنسان يقوم على حين غفلة على هذه الآذانات التي تؤذن قبل الوقت، والرجل ما تسحر، وما بقي بينه وبين الماء سوى مد اليد، وما بينه وبين الطعام سوى لقمة يأكلها فيتقوى بها، إلا أن هذا الأذان المخترع حال بينه وبينه، ما أحل الله له. وقد كم في هذا الرمضان يأتي من يسأل، ابتلوا بمثل هذه الآذانة، فهذا لا عبرة لها، بمجرد أن تعلم أن هذا الأذان قدم من الوقت، فلا عبرة عليه، الله عز وجل أمرنا بالأذان المحقق: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، أما ما كان احتياطًا، هذا لصاحبه يجعل احتياطًا لك، لا تجعل الأمة المحمدية فتضيق على الناس، فتضيق على الناس. ولهذا من هؤلاء الذين ابتلوا بالأخذ والتعويل على هذا الأذان الاحتياطي فما تسحروا، انظر كيف ينضون يومهم، لو ربما منهم من أفطر، أفطر، ما يستطيع يذهب إلى بحره إلى بره، هو يمسك بحنقه من شدة الضمأ، ما لك يا عبد الله؟ قال: أخي أذّن المؤذن، ما من أذان، قال: أذان مزيد الفلان هذا على الاحتياط، لو أنك أكلت أو أنك شربت فكأن هذا جائز في حقك، فما هذا؟ رأيتم يا عبد الله أين التنطع؟ هم أرادوا الاحتياط والسَعَة على الأمة، لكنهم والله أدخلوا الحرج على الناس. هذا الأمر الأول، الأمر الثاني: أنت يا أيها المؤذن عندما تؤذن قبل الوقت بثلاث دقائق، أربع دقائق، أما تدري؟ أما تدري أن في البيوت من النساء ومن المرضى من لربما هم على أماكنهم قد توضعوا وتطهروا ينتظرون أن ينتهي الأذان؟ المرأة بقميصها، والمريض على فراشه قد تسحر وتوضأ وينتظر الأذان، فإذا أذنت أنت يا أيها المؤذن وأنت تعلم أن أذانك قبل الوقت، فانتهى المؤذن، قام هؤلاء وقال الله أكبر وصلوا صلوا، أمم تصلي في بيوتها، لكن هل صلوا في الوقت؟ لا والله، صلوا قبل الوقت، وأنت تعلم يا أيها المؤذن أن أذانك بقي ثلاث دقائق، وما دخل الفجر، أنت تعلم هذا علم اليقين. من سيتحمل صلوات هؤلاء في رقبتك يوم القيامة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذن مؤتمن»، المؤذن مؤتمن، الناس أمنوك على الأذان، هذه أمانة، هذه أمانة حملتم إياها، فمن كان على قدر المسؤولية فليقم بها، وأما إن وجد من نفسه عدم القدرة فلا يتحمل صلوات الناس، كل رمضان تأتي هذه المشاكل، كبيرة في السن ولا عجوز ولا مريض يصلون، ما يستطيع أن يتمالك نفسه، ما أن يؤذن أن يقول الله أكبر ويصلي ثم يضجع، ثم يأتي الأذان الحقيقي، فهذا من التنطع. ثالثًا: أن هذا من التشريع مما لم ينزله الله جل وعلا، فكل من سوغ لنفسه أن يؤذن قبل الأذان الحقيقي فإنه قد شرع في دين الله تشريعًا، الدين ليست ألعوبة، ما الذي شرع لكم هذا؟ ما يسمى بالإحتياط، ما الذي شرع لكم؟ هل الله ورسوله؟ هل من أقوال العلماء الراسخين؟ ابن حجر رحمه الله تعالى وهو في زمنه ذكر هذا في فتح الباري عن هذه البدعة المنكرة في زمنه أنهم يؤذنون قبل دخول الوقت، ولا زال الناس يتمالون على هذه البدعة جيل بعد جيل، جيل بعد جيل. والله، لو كانت سنة ما طبقوها، لكن الشيطان يستهوي هؤلاء، الشيطان يستهوي هؤلاء، ولهذا إخواني فلنفهم ولنعلم أن السحور ينتهي بانتهاء بالأذان الصادق، متى ما أذن المؤذن على الوقت، هنا ينبغي على الجميع أن يكف فلا يتناول شيئًا. هذه إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة بهذه الفضيلة، وهي من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها الصوام وهم في صومهم في هذا الشهر المفضل، أنهم يحرصوا على وجبة السحور، وهي من الأمور المستحبة إجماعًا، دل عليها شرع الله جل وعلا بما جاء من الفضائل والمناقب على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.