18 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ترك الغيبة والكذب

18 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ترك الغيبة والكذب

الدرس في 18 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ترك الغيبة والكذب، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من الغيبة والكذب أثناء الصيام

يتناول هذا الفصل خطورة الغيبة والكذب على صحة الصيام وأثرها على ثواب الصائم، حيث تُعتبر من الأفعال التي تنقص من أجر الصيام.

تحريم الغيبة والاستماع إليها وتأثيرها على الصيام

يُناقش هذا الفصل تحريم الغيبة والاستماع إليها وتأثيرها السلبي على الصيام، حيث تُعتبر من الأفعال المحرمة التي تُنقص من ثواب الصائم.

نصائح للتحفظ أثناء الصيام

يُقدم هذا الفصل نصائح للتحفظ أثناء الصيام، مثل تقليل مخالطة الناس والابتعاد عن آفات اللسان، لتحقيق صيام أفضل.

ختام الحديث والدعاء

يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، وفي استطرادنا في ذكر فضائل الأعمال مما ينبغي أن يحرص عليه أهل الصيام، ما كان من أمر ترك الحرام، سواء كان قولًا أو فعلًا، إذ أن ذلك مما ينافي فرضية الصيام، ﴿لعلكم تتقون﴾. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام أن العلماء كثيرًا ما يذكرون في هذه المسألة، وتحت هذا الباب، من الأمور المحرمة التي ينبغي على الصائمين والصائمات اجتنابها، ما يكون من آفات اللسان. وذلك لأن آفات اللسان، إخواني في الله، من الأمور التي تخفى على كثير من الناس، يتعاطاها الواحد منا تحت عدة مظلات، ويراها أن لا شيء فيها، أو يرى أن فيها شيئًا لكنه ميسور، ليس بالأمر الجلل ولا بالأمر العظيم. حتى قال ذاك الصحابي: "يا رسول الله، أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟" فمن الناس من يجد أن الكلام من الأمور السهلة التي لا عتب على صاحبها إن تكلم بذا أو تكلم بذا. ولهذا فإن العلماء في مسألة ترك الحرام، وخاصة في رمضان، وفي حق أهل الصيام، كثيرًا ما يكررونه في قضية آفات اللسان، وخصوصًا في مسألتي الكذب والغيبة. فهم يدخلان في قوله عليه الصلاة والسلام: "من لم يدع قول الزور، وقول الزور كما مر معنا في درس أمس، وكل قول محرم، ويدخل في الأولوية الكذب والغيبة". وقد أشار العلماء إلى هاتين الآفتين، فقال مجاهد رحمه الله: "من أحب أن يسلم له صومه، فليجتنب الغيبة والكذب". اجتنبها حتى يسلم لك صومك، فلا يخدشه ولا ينقصه شيء. وقال عبيدة السلماني رحمه الله تعالى: "اتقوا المفطرين الغيبة والكذب"، هما قرناء. وقوله رحمه الله تعالى: "اتقوا المفطرين"، نعم، هذا مذهب سار عليه جماعة من الفقهاء في أنهم يفطرون الصائم بالكذب والغيبة. وقد مر معنا في درس أمس الإشارة إلى هذا المذهب، قومًا يذهب إلى أن المعاصي تبطل الصيام، وعلى رأس المعاصي الكذب والغيبة. قال رجاء بن أبي سلمة رحمه الله: "قلت لمجاهد: الغيبة تنقض الوضوء؟ قال: نعم، وتفطر الصائم". وقال أنس رضي الله تعالى عنه: "إذا اغتاب الصائم فقد أفطر". وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: "كانوا يقولون: الكذب يفطر الصائم". فالنقولات في هذا الباب كثيرة عن سلفنا في تشديدهم في مسألتي الكذب والغيبة. ذكر أهل التاريخ عن قاضي، وهو الحسن بن وهب الجمحي، قاضي مكة، حكى عن نفسه أنه وقع في شخص، أي تكلم عليه بكلام شديد، ثلبًا وشتما، فكان مما قاله في هذا الرجل أن قال عنه: "مخنث"، كلمة عظيمة. قال: "فلما صليت الظهر، وقع في قلبي شيء من عظيم الكلمة التي قلتها في الرجل، فذهبت للحسن البصري رحمه الله يستفتيه عن الكلمة وعن أثرها". فقال له الحسن رحمه الله تعالى: "تعيد الوضوء والصلاة والصوم". فالشاهد، إخواني في الله، فنحن أمام مذهب من الفقهاء، ومن الأئمة الأجلاء، ممن يعظمون أمر الغيبة والكذب، حتى جعلوها في مصاف المفطرات، وأن من تنبس بها في أيام صومه فقد أفطر. وهذا المذهب، إخواني في الله، على كل حال، استدلوا بأدلة، إما أنها أدلة صريحة لكنها غير صحيحة، أدلة صريحة لكنها غير صحيحة، كاستدلالهم بحديث رسول الله: "خمس يفطرن الصائم: الغيبة، والكذبة، والنميمة، إلى آخره". وهذا حديث لا يصح. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وهذا حديث باطل لا يحتج به". أو أن هؤلاء ممن ذهبوا إلى تفطير الصائمين بالغيبة والكذب استدلوا بأحاديث صحيحة لكنها غير صريحة، كحديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". قال العلماء: نعم، هذا الحديث صحيح، لكن ليس معنى أن القول المحرم يبطل الصوم، وإنما يبطل الثواب والأجر. هذا الحديث مراده أن المعاصي، والأقوال، والأفعال المحرمة تؤثر على الصائم من حيث الأجر والثواب، لا من حيث بطلان ونقضان العمل. ومن هنا ذهب جماعة، وهذا مذهب جماهير العلماء، على أن الغيبة والنميمة تؤثر في صيام الصائمين، ولا تبطله. وقد ادعى ابن الوزير رحمه الله تعالى الإجماع على ذلك، فقال: "وقد اتفقوا على أن الغيبة والكذب يكرهان للصائم، ومعنى يكرهان أي كراهة التحريم، ولا يفطرانه". وهذا هو الصحيح. فإن الغيبة والكذب ما تبطل الصوم، لكنها تخدش وتُنقص من ثواب وأجر الصوم. ورحمة الله لإمام أحمد حيث قال: "لو أن الغيبة تفطر، لم يبق لنا صوم". رحمة الله عليه من تواضعه. لو أننا قلنا أن الغيبة تفطر الصائمين، لكان جلنا ممن قد أفطر، لكثرة ما يقع من ولوغنا في أعراض بعضنا، والله المستعان. فالشاهد، إخواني في الله، من خلال ما سمعتموه، وهو تتمة لموضوع أمس، من أن المعاصي والذنوب تؤثر في الصائمين، اجعل على رأس القائمة ما يكون من الكذب وما يكون من الغيبة، أعره اهتمامًا، واعلم أن لها أثرًا عظيمًا في تأثير السلب على صومك، ومن ثم على قراءتك وعلى قيامك وعلى سائر أعمالك. وهنا، يا إخواني في الله، أحب أن أنبه وأنوه على مسائل. المسألة الأولى في مسألة الغيبة، وما كان معناها من آفات اللسان، إلى غير ذلك، أن الحرمة والتحريم يقع في حق من؟ يقع في حق المتكلم، الناطق، اللافظ، المتلفظ بالغيبة. وكذلك يدخل في التحريم المستمع لها، المستمع لها، المنصت، المقر، الذي قد انشرح صدره لهذه الغيبة التي تذكر له. يقول إمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: "اعلم أن الغيبة كما تحرم على قائلها، فهي كذلك تحرم على سامعها". أن الغيبة كما تحرم على قائلها، فهي كذلك تحمل كما تحمل على سامعها، تحرم على سامعها المقر لها. لأننا، أخواني في الله، أحيانًا في بعض المجالس تجلس في أيام صومك، فتجد من الناس من لربما يتكلم في عرض ذا وفي عرض ذا، وأنت تقول: "أنا والله ما لي داخل، أنا الحمد لله، لساني جعلته على الصمت، ما أتكلم في عرض أحد، ولا تناولت أحدًا بأذى"، لكن ها فلان الله يهديه. وأنت في مجلس تستمع إليه وتنصت إليه، هنا يا عبد الله، استماعك للغيبة أنت شريك فيها، أنت مشارك فيها، كما عبر بذلك الإمام النووي. وقال عمر بن عتبة رحمه الله تعالى لمولى له: "نزه أسماعك عن الخنا كما تنزه لسانك عن النطق به، فإن السامع شريك القائل". قال رحمه الله: "نزه أسماعك عن الخنا"، الخنا كل كلام بذيء فاحش، غيبة، نميمة، إلى غير ذلكم، سب، شتم، لعن. نزه سمعك، حونك، لا تستمع، كما تنزه لسانك عن التلفظ به، كما أنك ما تحب أنك تنطق بالحرام، كذلك لا تستمع للحرام. ثم نبه على هذه الفائدة فقال: "إن السامع شريك القائل، شارك له، مشارك له". وفي هذا التنبيه، إخواني في الله، إلى عظيم مسائل المجالسة والمجالس، فإذا رأيت يا عبد الله أنك في مجلس ما ابتليت بالخوض في الأعراض والكلام على فلان وعلى فلانة، حين يا عبد الله اعلم أن إقرارك منك لهذا الكلام يدخلك في الإثم. فأنت بين أمور، إما أنك تغير الموضوع، وأفضل من ذلك أن تسكت القائل، تقول: "اتق الله يا عبد الله، اتق الله، ما ينبغي نحن في رمضان"، وسكت، لا تشغلنا بفلان ولا بأعراض الناس، يكفينا عيوبنا في أنفسنا، تسكته، أو أنك تغير الموضوع، أو أنك تقوم فارق المجلس، لأن ذلك سيعود سلبًا يا عبد الله إلى صومك. فهذا التنبيه الأول، إخواني في الله، في مسألة الغيبة، في أنك لا تكون مستمعًا له، لا تكون مستمعًا له. كذلك مما أنبه عليه في مسألة الغيبة والنميمة، إخواني في الله، أن الإنسان من خلال ما ذكر يحرص على أنه يتحفظ، لأن هذا محسوب عليه، كلامك محسوب، سماعك محسوب. إذا كنت بهذه الحالة وأنت حالك في رمضان كحال الذي احتضن كنزًا، أجر عظيم جدًا، وهذا الكنز على حسب ما يكون من احتكاكك بالناس، سيخرج منه المجوهرات ويخرج منه الذهب وتسقط منه الدنانير، إذا ما الذي عليك؟ احتفظ، احتفظ بهذا المال قدر الإمكان. ولهذا قال أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه: "إذا كنت صائمًا فتحفظ ما استطعت". قدر الإمكان حافظ على صومك، حافظ محافظة بحيث لا يتفلت منه شيء. والمحافظة على الصيام يكون بالمحافظة على سمعك وعلى لسانك وعلى أذنك وعلى حركاتك وعلى سكناتك وعلى ذهابك وعلى إيابك، كل شيء محسوب عندك بحساب. كما قال أبو ذر: "إذا صمت فتحفظ ما استطعت". ومن صور الحفظ، إخواني في الله، أنك لا تعاشر الناس بكثرة، قلل، قلل معاشرة الناس، وخاصة وأنت في مثل هذه العبادة الجليلة مع عبادة الصيام، الجلسات، السمرات، الشلات، هذه قللها. لأن هذه الخلطة بها يقع آفات اللسان من الغيبة والنميمة والكذب والاستهزاء والاستهتار إلى غير ذلك من البلاء. فكلما قللت من مخالطة الناس خف عنك هذه التبعات. وانظر إلى الراوي، وهو راوي هذا الأثر، وهو طليق بن قيس رحمه الله تعالى، الذي روى عن أبي ذر الغفاري أنه قال: "إذا صمت فتحفظ ما استطعت". قال الرواي: "كان طليق بن قيس رحمه الله إذا صام دخل بيته فما خرج إلا للصلاة". فهم هذا هو الحفظ، أنه ما يخالط أحدًا من خلق الله، فقط كما يقال عندنا: من البيت إلى المسجد، من المسجد إلى البيت، إذا كان في يوم صومه. لماذا كل ذلك من تحفظه لثواب الصيام أن لا يتفلت منه؟ تبقى يا عبد الله حبيس بيتك، وليسعك بيته، كما قال عليه الصلاة والسلام. وذلك بالإقلال من معاشرة الناس إلا بالمعروف، إلا ذاك من قراءة القرآن، من مجالس العلم، من النصيحة، من إرشاد، من تعليم، من شفاعة، من ذكر لله مع خلق الله، كل ذلك مما أجازه الشرع. أما "قيل وقال" أقل لي عبد الله قدر الإمكان، فإن هذا من التحفظ. ولو أن تجلس في بيتك ثم تخرج إلى الصلاة. أو من صور التحفظ أيضًا أنك تمكث في المسجد، أمكث فيه، فإنها من خيرة البقاع. قال أبو المتوكل الناجي رحمه الله: "كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، قالوا: نحفظ صيامنا". الحفظ لأن في المساجد ما يبقى أحد "قيل وقال"، وإنما يبقى منشغلًا بالقرآن، منشغلًا بذكر الله، منشغلًا بالصلاة، منشغلًا بمجالس العلم، منشغلًا بالنوافل، بالطاعات، فيكون حافظًا لصومه. كل ذلك تحرزًا من عدم خلطة الناس، فاحفظ يا عبد الله هذا الصيام بما رأيت من فعل السلف، وذلك بكف اللسان عن الاسترسال بالكلام، وخاصة في أمر الغيبة والكذب والنميمة، فإن لها شؤمًا على سائر الأعمال، وخاصة على الصيام والقيام وعلى قراءة القرآن. ثالثًا مما أحب أن أنبه عليه وأختم به المقام، إخواني في الله، أن التحذير من الغيبة والنميمة لما جاء من كلام السلف لعظيم البلية بهما، وليس هذا خاص بهما، بل يدخل في ذلك كل أنواع الأذى، كل أنواع الأذى، فإن ذلك يؤثر سلبًا على صيامنا وأعمالنا. وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "ذكرت له امرأة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار»". أين صلاتها؟ أين صيامها؟ لم ينفعها شيء مع ما كان من أذيتها لعباد الله. فاحذر يا عبد الله من أذية المسلم والمسلمة بالغيبة، بالنميمة، بالاستهزاء، بالاستهتار، بالتطاول، بالاعتداء، فكل ذلك مما لا ينبغي على الدواب، وخاصة ونحن في هذا الشهر المفضل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.